• Tuesday, 03 February 2026
logo

من تضامن مع محنة كوردستان قبل 28 سنة؟...ازاد احمد

من تضامن مع محنة كوردستان قبل 28 سنة؟...ازاد احمد
في مثل هذا اليوم قبل 28 سنة، حلت بالمدنيين في كوردستان العراق كارثة كبرى، لكن ضمير البشرية لم يتحرك حينها، إلا في حالات إستثنائية. ظلت القوى العظمى صامتة فضلا عن تأمر من باع السلاح الكيميائي لمجرمي بغداد.

حقا كانوا قلة قليلة أؤلائك الذين تضامنوا مع محنة الشعب الكوردي في مواجهة حرب الإبادة الجماعية بالقنابل والغازات السامة.

قبل 28 سنة كان لي شرف صياغة أول بيان تضامني مع حلبجة الشهيدة، وكان إختبارا لكثير من المواقف النظرية. اليوم نعيد تقييم الذكرى رغم قلة عدد من وقع على البيان، من نخبة المثقفين والأكاديمين من الوسطين العربي والإسلامي.

كانت أياما عصيبة، صادمة، كئيبة تنشر اليأس، لكن ثمة قامات كانت تنشط وتقاوم عهدئذ، وكان نشاطهم وتضامنهم رافعة لسوية معنوياتنا المتدهورة، وتخفيفا عن أحزاننا.

إنطلق النشاط من ساحة باب الفرج بمدينة حلب، من دار الكتب الوطنية. إذ ساعدني الدكتور عبدالرزاق عيد في تنقيح البيان الذي أعددته مسبقا، أنهينا صياغة البيان وتنقيحه في غرفة الدكتور عبدالرزاق، كانت غرفته صغيرة بائسة لا يتجاوز طولها كما عرضها ثلاثة أمتار، بسقف عالي يتجاوز أربعة أمتار، كان الدكتور عيد معاقبا شبه مجمدا في تلك الغرفة، غير مسموح له بالتدريس في الجامعة، وكان يعمل مجرد كاتبا لتصنيف الكتب الواردة إلى المكتبة.

توجهت من حلب إلى دمشق مرورا بحمص، حيث كان الصديق عبد الباسط سيدا قد زودني ببعض العناوين والهواتف، وكان مازال طالب دكتوارة في قسم الفلسفة بجامعة دمشق، وظروفه لم تكن تسمح له بالتحرك العلني. لقد كانت أياما مظلمة كنا نبحث بصيص أمل، عن شخص واحد يتخذ موقفا تضامنيا مع محنة الكورد الكبرى وقضيتهم المنسية، نتلمس مجرد موقف ضمن الحدود السياسية والإنسانية الدنيا، خاصة أي دعم إعلامي للتذكير بالجرائم التي تقترف بصمت في مناطق متعددة من كوردستان العراق.

لم تكن ظروف الاعلام والتواصل كما هي اليوم، فلم تكن الفضائيات قد إنتشرت، فضلا عن الهواتف النقالة وشبكة النت، كان ملاذنا الوحيد الصحافة، والبيانات الورقية.

كان المشهد السياسي معقدا لدرجة لم يتفهم إلا قلة قليلة من المثقفين والأكاديميين والصحفيين حقيقة ما حلت بالكورد من كارثة، حقيقة الكارثة التي حرقت الأرض ودمرت القرى، خنقت الأطفال والنساء بالغازات وشردت الرجال...

من حيث جوهر الصراع ومن أحد أهم جوانبه، كان شعب كوردستان العراق من أول ضحايا الصراع السياسي السني - الشيعي في المنطقة، حيث كانت كارثة حلبجة أحد أبرز محطاتها، وأحد أسوأ نتائج الحرب العراقية – الإيرانية، لدرجة أن العديد من الساسة والكتاب السنة كانوا يصرون في نسب عمليات القصف الكيميائي لحكومة الملالي في طهران، وليس لنظام بعث الصدامي، وفي النتيجة لم يكن مستوى التضامن واسعا ولا فعالا.

لكن الحق ينبغي أن يقال ويجب التذكير به دائما، عندما دخلت مبنى إتحاد الكتاب العرب في دمشق - المزة، استقبلني رئيس الإتحاد، الدكتور علي عقلة عرسان بود، وعلى الرغم من بعثيته ذات الصبغة القومية المتعصبة إلا أنه أكد لي تعاطفه مع الشعب الكوردي، وقال: بصفتي رئيسا لاتحاد كتاب البلاد العربية كلها لا أستطيع التوقيع على البيان، وإنما كل من يوقع هنا من أعضاء الإتحاد فهم أحرار ولهم قراراهم، وهذا ما حدث فعلا، وبدأت أقرع الأبواب في مبنى الإتحاد بابا بابا، وأدرج تواقيعهم على البيان.

جاء الموقف الفلسطيني تضامنيا فعالا، فبعد إستكمال التواقيع التي ضمت أسماء عربية مهمة، توجهت إلى مقر مجلة "الحرية"، استقبلني السيد وائل زيدان، إسمه الحقيقي (داوود تلحمي) عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وتلقى إقتراح نشرها في "الحرية" بسرور، بل وبحكم التجربة الاعلامية الفلسطينة الرائدة يومئذ، قال لي: سنترجمها وسنعيد توزيعها ونشرها في أوربا.

وهذا ما تحقق فعلا فبعد إسبوعين تقريبا سررت كثيرا للإنتشار الواسع وللتضامن الكبير الذي تم عبر البيان، خاصة أن النسخة الاوربية للبيان تضمنت تواقيع لكبار كتاب ومفكري أوربا، أذكر منهم الروائي الإيطالي الأشهر ألبرتو مورافيا على سبيل المثال لا الحصر، لاحقا نشرت عدد من الصحف العالمية وتلك التي تعادي نظام البعث العراقي البيان مجددا، فاتسعت رقعة النشر والتوزيع خلال عدة أسابيع.

بهذه المناسبة حاولت أن أجري دراسة موثقة لذلك الحدث الجلل، وإستذكار تلك الأجواء المأساوية، لكن المواد الأرشيفية قليلة، فالنسخة الأصلية للبيان مودعة عند صديق في مدينة القامشلي ضمن أرشيف حزب الشغيلة الكوردية، فضلا عن أن نسخة مجلة الحرية التي نشرت البيان وأسماء الموقعين مخبأة في أحد زوايا أرشيفي المتناثر، علما ان تاريخها يعود إلى أواسط شهر نيسان 1988، للتذكير ولمن يساعد في تأمين نسخ إضافية، وأفترض أنه كان أول بيان تضامني نشر على نطاق واسع للتضامن مع حلبجة والتذكير بجرائم نظام بغداد البائد، وبالتالي التضامن مع مجمل قضية شعب كوردستان التحررية عهدئذ.

وحبذا لو تسعى الجهات المعنية في حكومة إقليم كوردستان العراق ومحافظة حلبجة على تجميع كل المواد والوثائق التي تشير إلى نشاطات تلك المرحلة وتوثق للجانب الإعلامي والتضامني مع المأساة.

هدفي الرئيس من هذه السردية أن أبين للأعزاء من شباب الكورد وشاباتهم المنتمين لعدة أجيال، الذين إنخرطوا في العمل السياسي والثقافي الكوردستاني طوال العقود الماضية، ضرورة أن نستمر في الوفاء لمن تضامن معنا أيام المحن الكبرى، وأن لا نتخلى عن خاصية الوفاء الكوردية وأخلاقياتنا الأصيلة، مهما كانت الظروف والملابسات، وأن لا ننظر كثيرا إلى الأمام وإنما أيضا وبنفس الأهمية، أن نلتفت قليلا إلى الوراء، ليتضح لنا بأن العرب هم في أغلب الحالات كانوا أول من تضامن مع شعبنا، وفي جميع الأحوال تظل أرضية التضامن والتفاهم الكوردي – العربي مهمة لمستقبل المنطقة ولسعادة الأجيال القادمة.
Top