الهوية الكوردستانية بين الحقيقة التاريخية وإعادة التأويل الأيديولوجي
كاميران حاج عبدو
تُعَدّ مسألة الهوية القومية والجغرافية التاريخية في سوريا من القضايا الإشكالية التي تتطلب معالجةً علميةً دقيقةً، نظراً لتداخل العوامل الديموغرافية والسياسية والتاريخية التي أسهمت في تشكيل الواقع الراهن. وفي هذا السياق، يبرز الجدل حول توصيف المناطق الواقعة شماليّ سوريا، ولاسيما الممتدة من ديريك شرقاً إلى عفرين غرباً، مروراً بقامشلو وسري كانيه (رأس العين) وكِرى سبي (تل أبيض) وكوباني، بوصفه جدلاً يتجاوز البعد الوصفي ليصل إلى عمق الصراع على الهوية والانتماء.
إن التأكيد على كوردستانية هذه المناطق لا يعني تبنّي تصورٍ اختزاليٍّ قائمٍ على النقاء الإثني، بل يستند إلى معطياتٍ تاريخيةٍ وجغرافيةٍ موثقةٍ تشير إلى أن هذه الجغرافية شكّلت، عبر قرونٍ، جزءاً من المجال الحيوي للكورد. فقد شهدت هذه المناطق استيطاناً كوردياً مستمراً، وكانت ضمن نطاق إماراتٍ كورديةٍ في العهد العثماني، ومن بينها الإمارة المندية الكوردية، التي امتد نفوذها إلى مناطق أوسع شملت أجزاءً من إدلب وحماة. وعليه، فإن صفة الكوردستانية هنا تُفهم بوصفها توصيفاً تاريخياً-جغرافياً يعكس عمق الارتباط بين الإنسان والمكان، لا بوصفها نفياً لوجود مكوناتٍ أخرى عاشت ضمن هذا الفضاء.
ومن هذا المنطلق، فإن الحجة التي تستند إلى التداخل السكاني لنفي وجود مناطق كوردية في سوريا تبدو قاصرةً من الناحية التحليلية. فالتداخل ظاهرةٌ طبيعيةٌ في معظم المجتمعات، ولا يُفضي بالضرورة إلى إلغاء الهويات التاريخية. ويمكن توضيح ذلك من خلال مثالٍ مقارن: إن وجود كثافةٍ سكانيةٍ كورديةٍ في مدينة دمشق لا يدفع إلى نفي طابعها العربي التاريخي، لأن الهوية الغالبة تُحدَّد وفق سياقها التاريخي والثقافي الممتد، لا وفق التوزع السكاني الآني فحسْبُ. وبالقياس ذاته، فإن وجود العرب أو غيرهم في المناطق الكوردية تاريخياً لا ينفي عنها صفتها الكوردستانية، بل يعكس تعدديتها ضمن إطارها التاريخي.
في هذا السياق، تكتسب تصريحات بعض الفاعلين السياسيين، ومنهم سيپان حمو، في مقابلةٍ أجراها مؤخراً أهميةً خاصةً، إذ تطرح رؤيةً تنفي إمكانية توصيف أي منطقةٍ سوريةٍ بأنها كوردية. غير أن هذا الطرح، عند إخضاعه للتحليل، يُفضي إلى نتائج إشكالية، إذ يفتح المجال أمام تهميش البعد التاريخي للهوية الكوردية في هذه المناطق، ويُمهّد، بصورةٍ غير مباشرةٍ، لإعادة تعريف الجغرافيا بما يتعارض مع معطياتها التاريخية.
ترتبط هذه الرؤية، في جانبٍ منها، بالإطار الأيديولوجي الذي تتبناه بعض الجهات التي سعت، منذ عقودٍ، إلى إعادة صياغة الهوية الكوردية ضمن مشروعٍ يتجاوز القومية التقليدية. وقد تجلّى هذا التوجه في ممارساتٍ متعددةٍ تمسّ الرموز الأساسية للهوية الكوردية. فمن جهةٍ، لم يجرِ تبنّي العلم الكوردي بوصفه رمزاً قومياً جامعاً، بل تم في كثيرٍ من الأحيان محاربته والتضييق على من يرفعه، وهو ما يعكس موقفاً سلبياً من أحد أبرز تجليات الهوية القومية.
من جهةٍ أخرى، طال هذا التحول مسمى پيشمرگه، الذي يحتل مكانةً رمزيةً عميقةً في الوعي الكوردي، باعتباره مرتبطاً بتاريخٍ طويلٍ من النضال والتضحيات. إذ جرى استبدال تسمياتٍ بديلةٍ ذات طابعٍ أيديولوجيٍّ أو تنظيميٍّ، بهذا المصطلح، الأمر الذي يمكن تفسيره ضمن سياق محاولة إعادة تشكيل الذاكرة النضالية بما يتوافق مع الرؤية الفكرية لهذه المنظومة، لكنه في الوقت ذاته يثير تساؤلاتٍ حول أثر ذلك على استمرارية الرموز التاريخية في الوعي الجمعي.
ولا يقتصر هذا المسار على الرموز فحسبُ، بل يمتد إلى إعادة تسمية الجغرافيا ذاتها، حيث جرى استبدال تسمياتٍ مثل روجآفا وشمال وشرق سوريا، بمصطلح كوردستان، ويُقدَّم مصطلح روجآفا بوصفه تعبيراً جغرافياً عاماً يعني «الغرب»، وهو توصيفٌ يُطرح دون تحديد مرجعه المكاني بدقة، ما يفتح إشكاليةً دلاليةً حول طبيعة هذا «الغرب»، الأمر الذي يسمح بإعادة تأويل المجال الجغرافي بعيداً عن دلالته القومية المباشرة. غير أن هذا التوجه، وبغض النظر عما يحمله من توجهاتٍ سياسيةٍ، يؤدي إلى تهميش البعد التاريخي للهوية الكوردستانية، وإضعاف العلاقة الرمزية بين الشعب وأرضه.
تزداد حدة هذه الإشكالية عند النظر إلى التناقض بين هذا الخطاب وبين تاريخٍ طويلٍ من تعبئة الشباب الكوردي تحت شعاراتٍ قوميةٍ، مثل "تحرير وتوحيد كوردستان". فالتضحيات التي قُدّمت في سياق هذا المشروع لا يمكن فصلها عن الإطار الرمزي والمفاهيمي الذي أُنتجت ضمنه، وأي محاولةٍ لإعادة تعريف هذا الإطار تستدعي نقاشاً نقدياً حول مدى الاتساق بين الشعارات والممارسات.
في المحصلة، فإن مقاربة هذه القضية تقتضي التمييز بين مستويين: مستوى الواقع الديموغرافي المتداخل، ومستوى الحقيقة التاريخية المتجذرة. فالتعددية السكانية لا تُلغي الامتدادات القومية، كما أن المشاريع السياسية المعاصرة لا ينبغي أن تؤدي إلى طمس الذاكرة التاريخية. إن المناطق الممتدة من ديريك إلى عفرين تحتفظ بكوردستانيتها بوصفها نتاجاً لتراكمٍ تاريخيٍّ طويلٍ، في حين يبقى الحفاظ على الرموز القومية، من علمٍ ومصطلحاتٍ نضاليةٍ، عنصراً أساسياً في صون الهوية الجماعية وضمان استمراريتها في مواجهة التحولات السياسية المتسارعة.
في ضوء ما سبق، يتضح أن إشكالية الهوية في غرب كوردستان لا يمكن اختزالها في مقارباتٍ نافيةٍ أو إقصائيةٍ، بل تتطلب قراءةً تاريخيةً نقديةً تُوازن بين ثبات الامتداد التاريخي وتعددية الواقع الراهن، بعيداً عن التوظيفات الأيديولوجية التي تعيد إنتاج الجغرافيا بمعزلٍ عن سياقها التاريخي.
روداو
