حزب العمال الكوردستاني وتحوّلات الرموز الكوردية
لوند حسين
شهدت الحركة السياسية الكوردية خلال العقود الماضية تحولات بنيوية مست الخطاب والرموز والأهداف الاستراتيجية. ويُعدّ حزب العمال الكوردستاني أحد أبرز الفاعلين الذين أسهموا في إعادة تعريف عدد من الرموز القومية الكوردية؛ ففي الوقت الذي ظلّ فيه علم كوردستان، واسم البيشمركة، ومطلب الدولة الكوردية المستقلة عناصر مركزية في الوجدان القومي الكوردي، اتجه الحزب إلى تبنّي مسار فكري وتنظيمي مختلف أعاد من خلاله تأويل هذه الرموز ضمن إطار أيديولوجي خاص به، مشكوك في كورديته.
يُمثل علم كوردستان، بألوانه الأحمر والأبيض والأخضر، تتوسطهُ الشمس الذهبية بـ 21 شُعاعاً، رمزاً قومياً جامعاً ارتبط تاريخياً بالحركات التحررية والثورات والانتفاضات الكوردية في العراق وسوريا وتركيا وإيران؛ وقد اكتسب هذا العلم شرعية رمزية واسعة في الوسط الشعبي الكوردي بوصفه معبّراً عن الهوية القومية المشتركة للكورد في كافة أجزاء كوردستان.
غير أن حزب العمال الكوردستاني لم يعتمد هذا العلم مُطلقاً، مُدعياً أنًّه علم خاص بإقليم كوردستان (العراق)؛ بل تبنى راية خاصة به لا علاقة لها بتاريخ العلم الكوردستاني المعروف؛ ويمكن قراءة هذا الخيار بوصفهِ تعبيراً عن رغبة الحزب في التمييز بين مشروعه الأيديولوجي المشكوك في كورديته وبين التيار القومي الكوردي المُلتزم بِمُقدسات الشعب، ما أفضى إلى جدل داخل الأوساط الشعبية الكوردية حول مسألة «التمثيل الرمزي» ومن يملك شرعية التعبير عن الهوية القومية الكوردية.
ارتبط مصطلح «البيشمركة» تاريخياً بالمقاتلين الكورد في مختلف الثورات الكوردية، ويحمل دلالة قومية واضحة تعني «مواجهة الموت»؛ وقد شكّل هذا المصطلح جزءاً من الذاكرة الجمعية الشعبية الكوردية، بما يحملهُ من رمزية التضحية والفداء. في المقابل، تجنّب حزب العمال الكوردستاني اعتماد هذا المصطلح في بنيته العسكرية، مفضّلاً تسميات بديلة مثل «قوات الدفاع الشعبي- HPG» أو الـ«گريلا»؛ هذا الابتعاد يعكس تمايزاً سياسياً عن التجربة القومية في كافة أجزاء كوردستان، وسعياً لبناء هوية قتالية مرتبطة بعقيدة الحزب لا بالرمزية القومية الكوردية المعروفة.
طرأ تحول فكري جوهري على الخطاب السياسي الكوردي؛ فبعد أن كان مطلب الدولة الكوردية المستقلة جزءاً من أحلام الشعب الكوردي، التزم هذا الحزب في بدايات تأسيسه بمطلب الدولة الكوردية لكسب التعاطف الشعبي، لينتقل تدريجياً إلى طرح بديل بمفاهيم طوباوية كالأمة الديمقراطية وأخوة الشعوب ضمن كيان كونفدرالي للشرق الأوسط، ورفض نموذج الدولة القومية باعتباره مطلب متخلف لا يُناسب المرحلة، تجلى ذلك في معظم تصريحات قادة حزب العمال الكوردستاني وفروعه في كافة أجزاء كوردستان، ولاسيما قادة حزب الاتحاد الديمقراطي في الجزء الكوردستاني المُلحق بالدولة السورية؛ حيث قالوا: أنّنا رمينا بفكرة الدولة القومية في الحاويات، مُتهمين أيضاً أن تأسيس أيّ كيان كوردي، سيكون خنجراً في خاصرة الشعوب التُركية، الفارسية والعربية.
تعكس إعادة تعريف الرموز – من العلم الكوردستاني إلى المُصطلح العسكري «البيشمركة» وصولاً إلى الهدف السياسي– صراعاً أعمق حول طبيعة المشروع السياسي الكوردي؛ فبينما يتمسك تيار قومي بمطلب الدولة المستقلة بوصفه التعبير الأسمى عن حق تقرير المصير، يطرح تيار آخر (PKK) نموذجاً عابراً لفكرة الدولة القومية، لا يستند إلى أيّ أفكار أو مفاهيم موضوعية وواقعية.
يمكن القول في الختام إن حزب العمال الكوردستاني لم يلغِ الرموز الكوردية فحسب، بقدر ما أعاد تأويلها ضمن رؤيتهِ الفكرية الخاصة، والتي تخدم الأنظمة الغاصبة لكوردستان؛ غير أن هذا التأويل ظل محل نقاش وانقسام داخل الساحة الكوردية، حيث تبقى الرموز القومية – وعلى رأسها علم كوردستان – حاضرة بقوة في الوعي الجمعي الكوردي، مهما اختلفت القراءات السياسية حولها والمخططات المشبوهة لإلغائها أو تغييرها.
