• Friday, 08 May 2026
logo

الملا مصطفى: رجلٌ بحجم أمة

الملا مصطفى: رجلٌ بحجم أمة

محمد خضر شنكالي

في سجلّ الرجال العظام تقف بعض الأسماء كأنها قممٌ لا تُقاس بغيرها، ومن تلك القمم اسم البارزاني الخالد؛ رجلٌ لم يكن قائداً عابراً في صفحات التاريخ، بل ظاهرة إنسانية نادرة، كأن الزمن بخل بمثله فلم يُنجب منه إلا نسخةً واحدة.

لم يكن الملا مصطفى قائد بندقية فحسب، بل قائد معنى. ففي ميادين الحرب كان شديد البأس، كأن الجبال التي نشأ بينها قد أودعت في قلبه صلابتها، وفي عزيمته شموخها. غير أنّ هذه الشدة لم تُلغِ في داخله إنسانًا رقيق القلب؛ فإذا وضعت الحرب أوزارها رأيت فيه أباً عطوفاً، يفيض رحمةً وحناناً، كأن في صدره وطناً كاملاً يسكنه شعبه قبل أن يسكن الأرض.

لقد جاء في زمنٍ كانت فيه القضية الكوردية تمرّ بأشدّ لحظاتها قسوةً والتباساً، حين كانت الرياح السياسية تعصف بالمنطقة، والخرائط تُرسم بمداد المصالح لا بدموع الشعوب. هناك، في تلك اللحظة العصيبة، حمل الرجل إرث الأمل الكوردي على كتفيه، ومضى به عبر طريقٍ محفوفٍ بالخذلان والمخاطر. لم يكن الطريق معبّداً، بل كان أشبه بممرٍ جبليٍّ وعر، لكنّه سار فيه بإيمانٍ لا يعرف التراجع.

ومن أعجب ما يلفت في سيرته أنّه استطاع أن يضع اللبنات الأولى لكيانٍ كورديٍّ قويّ في واحدة من أعقد مناطق العالم سياسياً وجغرافياً. منطقةٌ تتشابك فيها الحدود كما تتشابك المصالح، وتتنازعها القوى كما تتنازع الأمواج سفينةً في بحرٍ هائج. ومع ذلك استطاع أن يغرس فيها بذرة مشروعٍ سياسيٍّ ظلّ ينمو حتى صار حقيقةً يراها الناس اليوم.

وكانت شخصيته من القوة بحيث تفرض حضورها على الأعداء قبل الأتباع. فخصومه، قبل أن يخشوا سلاحه، كانوا يشعرون بثقل حضوره وهيبة إرادته. كان الرجل من طينةٍ تجعل القائد فكرةً قبل أن يكون منصباً، وتجعل الزعامة أثراً في النفوس قبل أن تكون سلطةً على الأرض.

ومع كل هذه الصلابة، بقيت واحدة من أبهى صفاته هي العفو والصفح. لم يكن عفوه وليد ضعفٍ أو عجز، بل كان كرماً أخلاقياً رفيعاً، ينبع من نفسٍ كبيرة تعرف أن القدرة الحقيقية ليست في البطش، بل في القدرة على تجاوز الأذى. ولهذا لم يكن الملا مصطفى مجرد قائد عسكري أو زعيم سياسي، بل كان مدرسةً في الأخلاق، يتعلم منها الناس قبل أن يتبعوه.

وهكذا أصبح في الذاكرة الكوردية أكثر من اسمٍ في التاريخ؛ صار رمزاً للأبوة الوطنية، ومعلمًا للأخلاق قبل أن يكون زعيماً. ولعلّ أعظم ما تركه خلفه لم يكن مجرد إنجازٍ سياسي، بل نموذج الإنسان الذي جمع بين صلابة المقاتل ونبل القلب… فصار أباً للكورد، وواحداً من أولئك الرجال الذين إذا مرّوا في التاريخ تركوا فيه أثراً لا يزول. 

 

 

 

 

Top