انتصار كبير للكورد في البيت الأبيض
وطرأت تغييرات كبيرة على المنطقة خلال السنوات الثلاث الماضية، بعد الزيارة الأخيرة التي قام بها البارزاني إلى البيت الأبيض، وتحول العراق إلى ساحة رئيسية للحرب التي تخوضها الولايات المتحدة، ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" داعش.
وواجهت العلاقات الأمريكية - الكوردية نوعا من التعقيد، بعد الزيارة الأخيرة للبارزاني إلى واشنطن في شهر حزيران من العام 2012، حيث امتنعت الولايات المتحدة عن دعم مساع بذلها البارزاني في شهر أيار من العام نفسه، بمشاركة ممثلي العديد من المكونات العراقية، لإبعاد نوري المالكي عن منصبه كرئيس للوزراء، ونجم عنها قيام المالكي بإرسال قوة عسكرية مدججة بأسلحة أمريكية إلى الحدود الإدارية لإقليم كوردستان، وقال لجنرالاته إن الجيش العراقي سيتوجه إلى أربيل، بعد حصوله على طائرات (F16) الأمريكية.
ومن المقرر أن تصل تلك الطائرات إلى العراق، منتصف تموز القادم، لتبدأ بالتحليق في الأجواء العراقية الخريف القادم.
خشية الكورد من إرسال الأسلحة
وأثار مستوى المساعدات الأمريكية لقوات البيشمركة خلال الأشهر التسعة الماضية، حفيظة القادة الكورد، خصوصا في ما يتعلق بـ"صندوق تدريب وتسليح العراق" الذي تبلغ قيمة الأموال المخصصة له 1.6 مليار دولار، في حين تم تخصيص نسبة صغيرة منه للإقليم، حيث حصل الإقليم على 25 دبابة مضادة للألغام فقط، من أصل 250 منها خصصتها أمريكا للعراق.
ويشك الكورد في نوايا الحكومة الفيدرالية، معتقدين أن بغداد تتقصد التأخير في إرسال حصة الإقليم من الدبابات الناقلة للجرحى، إضافة إلى تعطيل الدبابات المضادة للألغام، قبل إرسالها إلى الإقليم.
واتخذت الإدارة الأمريكية من جانبها، عدة تدابير للحفاظ على الحصة العادلة للكورد من الأسلحة الأمريكية، ومنها زيادة بعض الأحكام على "قانون إقرار الدفاع الوطني" السنوي (ميزانية وزارة الدفاع).
وتم تعديل "قانون إقرار الدفاع الوطني" للعام المالي 2016، حيث تمت إضافة البند 1223 على النسخة المعدلة وغير المصدفة من القرار، ويقضي باعتبار البيشمركة قوة حامية للأمن، وضرورة حصولها على 25% من المساعدات السنوية التي تمنحها الإدارة الأمريكية للعراق، أي ما يقدر بنحو 715 مليون دولار.
إلا أن القرار لا يوضح ما إذا كانت حكومة الإقليم قادرة على الاستفادة من المساعدات الأمريكية بشكل مباشر، في حال أخلت بغداد بشروط القرار.
ومن الواضح ان الزيارة الأخيرة للبارزاني إلى أمريكا، كان فصلا جديدا من الصراع الاخذ بالتعقيد بين واشنطن وأربيل، إلا أن الكورد هذه المرة اختاروا طريقة مختلفة، وتراجعوا عن تحولهم إلى تهديد مباشر على السياسة الداخلية في أمريكا، من خلال القراءة العقلانية للمؤشرات التي تأتي من واشنطن.
وأبدت بغداد استياءها من لغة القانون المذكور، في حين قال نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن، قبل أيام من وصول الوفد الكوردستاني إلى واشنطن، إن "كافة المساعدات الأمريكية في المعركة ضد داعش، ستكون بناء على طلب من الحكومة العراقية وتنسيق مباشر معها".
وزار الكورد واشنطن لإبداء حسن النية وتمتين علاقاتهم مع الحكومة الأمريكية، وكانت لغة الوفد الكورد إيحابية على مختلف الأوجه، حيث استغل البارزاني كافة الفرص لتثمين دور أمريكا حكومة وشعبا، على حمايتها للعاصمة أربيل من هجوم تنظيم داعش في شهر اب من العام الماضي.
وفي مسألة التسليح، تمكن البارزاني بطريقة ذكية، من النأي بنفسه عن الأمور الخلافية على مشروع إقرار الدفاع الوطني، من خلال قبول الضمانات الأمريكية بتأمين وصول "الأسلحة الضرورية" إلى الإقليم، دون اللجوء إلى فرض شكل معين يشكل ضغطا والتزاما قسريا على الإدراة الأمريكية.
وأعتقد أن المرونة التي أبداها الوفد الكوردي، أثمرت عن تمديد لقاء الرئيس الأمريكي مع الوفد الكوردستاني في قاعة روزفيلت بالبيت الأبيض، من 5 دقائق كما كانت مقررة إلى ساعة كاملة، للحديث أكثر عن العلاقات الثنائية بين الكورد وأمريكا.
واستمع الوفد الكوردي باهتمام إلى الجانب الأمريكي، بخصوص كمية الأسلحة المخصصة للبيشمركة، مع ضمان محاولة أمريكا قدر الإمكان تسريع وصول المساعدات العسكرية إلى الكورد.
وأبدى رئيس إقليم كوردستان، مسعود البارزاني، قدرا كبيرا من الإيجابية والمرونة تجاه رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، حيث قال: "مستمرون في التعاون"، ولم يفصح عن الشكوك الكبيرة لدى الجانب الكوردي حول جدية العبادي في تنفيذ تعهداته المالية والسياسية للكورد.
وبخصوص العملية العسكرية المقررة للسيطرة على الموصل، أبدى الكورد موافقتهم على تقديم المساعدات المطلوبة منهم، باستثناء السيطرة على المناطق العربية.
وكان أسلوب البارزاني واداء الكورد في أمريكا متأنيا وهادئا، وهذا يعود إلى أن البارزاني يعتبر أكبر مرجع لاتخاذ القرار بين الكورد في العراق، وليس مسؤولا مهمشا ملحقا بسلطة أعلى في مكان ما.
