• Thursday, 07 May 2026
logo

كوردستان العراق والأمل المفتوح‎....خالد السينو

كوردستان العراق والأمل المفتوح‎....خالد السينو
إن وجود الشعب الكوردي في منطقة شرق المتوسط تاريخي يمتد لآلاف السنين. لم يكن غازياً من وراء الجبال كالغزاة الذين احتلوا المنطقة لفترات تاريخية كثيرة، واندحروا، واندحر معهم ثقافتهم ولغتهم وأثارهم وتاريخهم المليء بالدم وتلال من الجماجم تأففت منها الأرض والسماء. بالرغم من أن الشعب الكوردي أقام على مر تاريخه القديم امبراطوريات وممالك ودويلات دامت بعضها قرون وأخرى عشرات السنين.

أما في العصر الحديث انتكست أغلب انتفاضاته وثوراته على مذبح مصالح الدول الكبرى المتحكمة بالمفاصل السياسية والاقتصادية لمنطقة شرق المتوسط..

هذا لم يثنه ولم تنطفئ جذوة النضال لدى حركته التحررية التي ظلت شعلة متقدة في أكثر من بقعة ومنطقة على امتداد جغرافية كوردستان. فحقق في محطات نضالية مهمة نجاحات زمانية قصيرة مع أنها لم تدم، إلا أنها رسخت في التربة النضالية الكوردية آمال كانت مقدمات لظهور كيانات واتفاقيات بخصوص وجود الشعب الكوردي وحقوقه القومية العادلة. البداية، البدرخانيه كانت خطوة مهمة في منتصف القرن التاسع عشر.
تلتها اتفاقية سيفر كأول إقرار دولي بالحق الكوردي في تأسيس كيان في ولاية الموصل التي لم ترَ النور بسبب التآمر الفرنسي الانكليزي والتركي الوليد على أنقاض الامبراطورية العثمانية. ثم كانت جمهورية ( كوردستان ) مهاباد بعد الحرب العالمية الثانية التي دامت 11 شهراً قدمها إمبراطورية ستالين مهراً وعيونها ترنو لآبار النفط الإيرانية.

أما الانتصار الذي حققته ثورة أيلول في كوردستان العراق بإلزام حكومة بكر / صدام على توقيع اتفاقية 11 آذار كانت نتيجة طبيعية لثورات بارزان الأولى والثانية والثالثة، فكانت اتفاقية آذار عام 1970 أول وثيقة رسمية موقعة بين الثورة الكوردية وحكومة بغداد تعترف بالحق الكوردي في الحكم الذاتي لكوردستان. إن عدم استمرارية الاتفاقيات والكيانات الكوردية المختلفة كانت نتيجة طبيعية لاختلال موازين القوى وتنازع المصالح وتقاسم مناطق النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية، أو نتيجة الانقلابات الداخلية في تلك الدول. لكن بعد اندحار وسقوط الدكتاتورية الصدامية في العراق تغيرت الموازين، وفتحت آفاق جديدة أمام الحركة التحررية الكوردستانية في العراق التي استوعبت دروس التاريخ وفهمت حركته، فاستطاعت بقواها وحنكة قيادتها التاريخية التي تمرست في النضال، والمساعدة الدولية على تأسيس كيان فدرالي اثبت القدرة السياسية على استيعاب المتغيرات السياسية في المنطقة والعالم. إن تجربة كوردستان العراق النضالية التي توجت بالفدرالية لم تكن طفرة سياسية عابرة، بل كانت نتيجة طبيعية لخبرات سياسية وثورية عرفت كيف تخطو بخطواتها النضالية وسط حقول الغام سياسية وثنية ومصالح دولية وإقليمية متضاربة. لقد طورت النخبة السياسية الكوردية في كوردستان العراق، وفي المقدمة كان الحزب الديمقراطي الكوردستاني الشقيق وقيادته التاريخية المتمثلة بالرئيس مسعود البارزاني نظرتها السياسية ومفهومها للحقوق القومية للشعب الكوردي في كوردستان العراق. كانت أولاً الحكم الذاتي لكوردستان بعد انطلاقة ثورة أيلول، ثم الحكم الذاتي الحقيقي لكوردستان العراق والديمقراطية للعراق بعد الانتكاسة الآذارية وانطلاقة ثورة 26 أيار عام 1976، ثم الفدرالية بعد اندحار الدكتاتورية..

لقد اصبحت الفدرالية في كوردستان العراق واقعاً سياسياً في المنطقة لها وزنها السياسي والدبلوماسي، وتحظى باحترام دولي لما لتجربتها السياسية والديمقراطية من تأثير في الواقع المحلي العراقي والإقليمي. داخلياً خطى الإقليم الفدرالي خطوات مهمة نحو ترسيخ الديمقراطية الداخلية وحرية التعبير لجميع المكونات السياسية والقومية فيها. كما أن تصديه ودحره مؤخراً لقوى الإرهاب المنظم الدواعش في الإقليم وكوباني بالتعاون مع القوات الكوردية فيها، مثال على ما تقدم. إن الإقليم بات يستطيع الذود عن حدوده وأمن أبنائه إذا توفر الدعم، وتشير ايضاً إن المعادلة السياسية والعسكرية في المنطقة باتت تحمل في طياتها عوامل التغيير. كما أن التعاطي الكوردي المرن بعلاقته مع المركز في بغداد قد اكسبه مصداقية سياسية داخلية وإقليمية ودولية، وما تطور العلاقات التركية ـ الكوردية في كوردستان العراق، ودور الإقليم الكوردستاني الايجابي في التقارب بين حزب العمال الكوردستاني والحكومة التركية إلا مثالاً أخراً على الدراية العميقة لقيادة الإقليم في إدارة الملفات السياسية بعقلية منفتحة ومتطورة..

كما أن الزيارة الدبلوماسية الناجحة التي قام بها الرئيس مسعود بارزاني مؤخراً إلى الولايات المتحدة الامريكية وبعض الدول الأوربية كان تتويجاً واعترافاً من القوى الدولية بأهمية الإقليم الكوردي في المعادلة السياسية والعسكرية في المنطقة الملتهبة أمنياً وعسكرياً وسياسياً.

أن الآمال في كوردستان العراق مفتوحة، وترنو نحو ترسيخ واستقرار التجربة الفتية.
Top