• Saturday, 31 January 2026
logo

الانتفاضة الكوردية و الانعطافة التاريخية

الانتفاضة الكوردية و الانعطافة التاريخية
كوهدرز تمر –قامشلو (كتبت في الذكرى الأولى للإنتفاضة المجيدة 12\3\2005)

إذا كانت الحرب المنهجية التي تديرها السلطات السورية القوموية عبر أقانيم الترغيب والترهيب والحرمان والموت البطيء منذ نهاية خمسينات القرن الماضي قد أجدت في خلق إنسان كردي مكبوت مقموع مهمش. وإذا كانت الحرب النفسية التي تديرها الجهات الأمنية
بامتياز قد أجدت في خلق شخصية كردية قوامها اليأس والكآبة والإحباط ذو روح مهزومة تحسن الكلام ولا تحسن التـنفيذ تتباكى على الماضي البعيد وتؤرقها الخيبات المتـتالية والنكسات المؤلمة لماضيها القريب, عبر مسارب التسويغ والتضليل . وإذا كانت أحداث إحراق سينما عامودا وأطفالها الكرد حتى الموت عام /1960 / م ثم الإحصاء الاستثنائي العنصري وتجريد عشرات الألوف من الكرد من جنسيتهم وحقوقهم المدنية عام / 1962 / م ومن ثم إمرار الجيوش العربية أمام أنظارهم لضرب ثورة إخوتهم العادلة في جنوب كردستان بقيادة أبي الكرد مصطفى بارزاني عام / 1963 / م ,وبعدها حملات التعريب والاستيطان والتطويق و التجويع, قد مرت دون أن تقوم للكردي قائمة , براهين قاطعة على نجاح تينك الحربين الشوفينيتين ومن ثم دافعاً كبيراً لهذه السلطات المتزمتة للإمعان في سياساتها القمعية العدوانية الاستئصالية .
فإن الانتـفاضة الكردية الآذارية التي قادها الجيل الجديد من أبناء قامشلو الغيارى وسارت كالنار في الهشيم في جميع مناطق كردستان ومناطق التواجد الكردي في سوريا, كانت صفعة فولاذية على وجه تلك السلطات أخرجتها من طورها وأفاقتها من نعيم سباتها وأذهلتها, ورداً قاصما على السخافات التافهة الجبانة أربكتها وهلوستها و أثبتت أن الكردي لم يستنسَخ عربياً, ( وان الهروب نصف المرجلة ) ليست طبعاً كردياً, وان مقولة (شرطي يكفي لطردنا من الجزيرة) إبـتذال سوقي وضيع لم يجلب لأسياده سوى الهول والتخبط. كما أعطت بعداً جديداً ودولياً لا يمكن تغافله للقضية الكردية في هذا البلد وشكلت انعطافة تاريخية بكل ما تحمل الكلمة من معنى, غيرت جذرياً نظرة الكرد إلى النظام ونظرة النظام إلى الكرد إلى حد لا يمكن الرجوع عنه أو محاولة نفيه وتحويره مهما تعددت التبريرات والمناورات, وكما يقول الشاعر:
نـطق الرصـاصُ فـما يُبـاح كلام وجـرى الـقصاصُ فـما يُتـاح مُـلامُ
لقد وضعت الانتفاضة الحركة الكردية أمام جيل يبحث عن ذاته وهويته بعنفوان, ولا يقبل التفريط بحقوقه وكرامته, جيل ترعرع في كنف الملمات والنكبات القومية, وخضبته حلبجه والأنفال, وأثارت ثورته الهجرة المليونية في الجنوب, وشحنته دماء شهداء ثورة الشمال الإخوة والأقارب, وأذكت مشاعره تكنولوجيا العصر الحديث الاتصالاتية والإعلامية, وإذا كانت الحكمة الكردية المأثورة تقول: ( إذا بقيت الدنيا نفس الدنيا , فعشاء الذئب هو الشاة ) " فان الكردي يأنف أن يكون الشاة مرة أخرى " كما يقول عنه الكاتب الفرنسي"رينيه موريس "مؤلف كتاب{ كردستان أو الموت}. أنه مصر على تغيير واقع شعبه المأساوي الراهن مهما كلفه من ثمن, آذن بالحرب على كل الأنماط الرائجة القديمة من النضال السياسي الورقي التي لم تكن سوى مضيعة للوقت وتهرب من الواقع وحفاظ على مصالح فئة قليلة ارتضت بالخنوع والهوان لشعبها كما وضعت الحركة الكردية أمام واقع جديد " من الخطأ تجاهله " يشبه إلى حد بعيد واقع الستينات والسبعينات يمكن تصنيف الحركة فيه " تبياناً للحقيقة " إلى ثلاثة تيارات فكرية:

التيار الأول : يقف على رأسه أناس مائعون يتزلفون للطغاة السفاحين قتلة أخوتنا وأبنائنا يأملون فيهم الخير والصلاح. وهم يصطنعون التوازن والحلم والأناة ويسعون إلى تلاشي مظاهر الصمود والكرامة والى إحلال مظاهر التخاذل والوضيعة محلها والى أن يقتفى الكردي آثار أسلافه القريبين ليستقر فيه العقم والشلل والتيه من جديد. هذا التيار أداة طيعة بيد الأجهزة الأمنية يعمل على إعادة التاريخ إلى الوراء وعلى تخوين كل جهد ثوري وضربه في الصميم كما فعل سابقاً مع المناضل الكبير" أوصمان صبري "وأفكاره الثورية الناجعة .
التيار الثانـي : تيار حائر أسميه تجاوزاً (( الحياد )) تقوده فئات من الجيل القديم الذي تركت الحرب النفسية القذرة التي أديرت باقتدار آثاراً عميقة في نفسياتها فتحس بالضعف والخور وعدم المقدرة على مجابهة الخصم المقتدر وغير الآبـه بالديمقراطية والإنسانية ومن ثم إرغامه على إعادة الحقوق إلى أهلها. وتنساق وراء حجج وذرائع واهية كانتظار الظروف المواتية..
التيار الثالث : مؤمن بالكفاح العملي وضرورة تطوير أساليبه, مناهض للأساليب القديمة التي أثبت الدهر عدم جدواها وفاعليتها, مراهن على إرادة الشعب وقدرته الخلاقة على التصدي لكل المشاريع اللاإنسانية المطبقة بحقه,وعلى إحقاق حقوقه المشروعة. ويقف في مقدمته أحزاب تناضل بروح ثورية متـقدة وتتخذ من شهداء الانتفاضة رموز عزة وكبرياء لها ومن معتقليها مناضلي كرامة قومية. هذه الأطراف المتقاربة أيدلوجيا مطلوب منها أكثر من أي وقت مضى الشجاعة والإيثار, والإحساس بالمسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها وتكريس كل الجهود الخيرة من أجل قبر الأنا الفردية والمصالح الآنية والإشكاليات الثانوية. وبالتالي ترتيب صفوفها والتوحد فيما بينها وفاءاً لدماء شهدائنا الأبرار ولجرحانا ومعتقلينا الأبطال . كي تشكل قوة حقيقية وضاربة, وذخراً لشعبنا المضطهد الجريح, ولترتقي بمستوى التطلعات الملحة والتحديات الراهنة والملمات القادمة, وما تخفيه لنا الأيام في عصر عالمي لا يخلو من المفاجآت وفي ظل حكومة طغيان قومي عنصري تقتل الكردي الآمن بالرصاص الحي والمتفجر الممنوع دولياً وتحت التعذيب الفظيع, وتحرض الغوغاء على سلب ونهب ممتلكاته وإباحتها, هكذا نظام لن يكون مستبعدا منه أن يجيش عصابات (( الجنجويد! ؟ )) ضده كما فعلت أختها في السودان ضد شعب دار فور الأعزل.
Top