تشويه صورة الكورد في الإعلام العربي .. جريمة وعي لا خطأ مهني
جلال شيخ علي
لم يعد تشويه صورة الكورد في بعض المنابر الإعلامية العربية مجرد انزلاق مهني أو سوء تقدير تحريري، بل بات نمطًا متكررًا يرقى إلى مستوى الفعل الواعي والمقصود.
فحين تتكرر اللغة نفسها، والزوايا ذاتها، والاتهامات الجاهزة نفسها، يصبح من الصعب تصديق أن الأمر محض خطأ أو جهل بالسياق.
نحن أمام خطاب يُنتج صورة نمطية، ويعيد تدويرها، ويقدّمها للرأي العام بوصفها “حقيقة”، في تغييب متعمّد لتاريخ شعب، وتضحياته، وحقوقه المشروعة.
الكورد ليسوا رواية إعلامية قابلة للتشويه حسب المزاج السياسي بواسطة أقلام مأجورة ، ولا ملفًا أمنيًا يُفتح ويُغلق وفق حسابات آنية، ولا “مشكلة” تبحث عن شماعة لتبرير الفشل أو صرف الانتباه.
الكورد شعب، بكل ما تحمله الكلمة من معنى سياسي وقانوني وإنساني، لهم أرض وهوية وتاريخ ونضال طويل من أجل نيل حقوق حُرموا منها لعقود.
أن اختزال الاعلام العربي للكورد وحصرهم في صور العنف، أو ربطهم الدائم بالانفصال والفوضى، ليس تبسيطًا مخلاً فحسب، بل تزويرٌ للواقع.
المفارقة الصارخة أن كثيرًا من الأصوات الإعلامية العربية التي ترفع لواء الدفاع عن الحقوق الفلسطينية بل وحتى عن حقوق شعب جزر الواق واق وشعب المريخ و زحل، لكنها تمارس في الوقت نفسه خطابًا إنكاريًا بحق الكورد.
إذا كان من المشروع الدفاع عن حق شعب ما في تقرير مصيره وكرامته، فهو مشروع بالقدر نفسه للكورد، دون انتقاص أو ازدواجية.
التاريخ يعلّمنا أن الشعوب لا تُلغى بالحملات العسكرية كالأنفال و لا حتى بالقصف الكيمياوي، ولا تُكسر بالأكاذيب، ولا تُمحى بالتجاهل الإعلامي.
كل تجربة حاولت شيطنة شعب أو طمس هويته انتهت بالفشل، وبقيت الحقيقة حاضرة، وإن تأخرت.
الإصرار على تشويه الكورد اليوم لن يمر دون حساب غدًا، لأن الذاكرة الجماعية لا تنسى، ولأن الإعلام، مهما امتلك من أدوات، لا يستطيع قتل الحقيقة إلى الأبد.
إن أخطر ما في هذا التشويه أنه لا يسيء للكورد وحدهم، بل يضرب مصداقية الإعلام العربي نفسه، ويحوّله من سلطة رقابة وتنوير إلى أداة تبرير وتضليل.
الحقيقة، مهما أُخرست، لا تموت، وستبقى قادرة على الظهور، شاهدة على من خانها، وعلى من حاول أن يستبدلها بسرديات زائفة
