من يستحق جائزة نوبل العالمية للسلام؟
د. سيروان عبدالله إسماعيل
في زمنٍ يتسع فيه نطاق العنف، ويتصاعد فيه خطاب الكراهية والإقصاء، تبرز الحاجة الماسّة إلى نماذج قيادية تُعيد تعريف القوة لا بوصفها قدرة على الإخضاع، بل باعتبارها التزامًا أخلاقيًا بحماية الإنسان، وصون الكرامة، وتغليب السلام على منطق الصراع. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة تجربة الزعيم الكوردي مسعود مصطفى محمد بارزاني بوصفها نموذجًا سياسيًا–أخلاقيًا تتقاطع في مسيرته عناصر جوهرية تنسجم بعمق مع روح جائزة نوبل للسلام: بناء السلم الأهلي، حماية المدنيين، ترسيخ التعايش، وتقديم المصالحة على الانتقام.
أولًا: ذاكرة الألم ومسؤولية القيادة
على امتداد ما يقارب قرنًا من الزمن، خاض الشعب الكوردي نضالًا مريرًا من أجل حريته وحقوقه الأساسية، ودفع أثمانًا إنسانية باهظة نتيجة سياسات القمع والتهجير والتجريف الثقافي. وقد بلغت هذه السياسات ذروتها في ثمانينيات القرن الماضي عبر جرائم مروّعة، من بينها الهجمات الكيميائية وحملات الأنفال، التي شكّلت جرحًا عميقًا في الوعي الجمعي الكوردي والعراقي على حدّ سواء، بما رافقها من قتل جماعي، وتدمير ممنهج للقرى، وتشريد قاسٍ للمدنيين.
ورغم ما حملته تلك المرحلة من خسائر شخصية جسيمة طالت آلاف العائلات الكوردية، ومن بينها عائلة البارزاني نفسها، فإن المسار الذي اختاره مسعود بارزاني لم يكن مسار الثأر. بل على العكس، جسّد مفارقة أخلاقية نادرة في سياقات ما بعد الإبادة، حين حوّل الألم الجمعي إلى مسؤولية وطنية، وضبط الغريزة السياسية للانتقام لصالح مشروع الاستقرار والسلم المجتمعي.
ثانيًا: قرار العفو… حين ينتصر القانون على الضغينة
في لحظات التحول الكبرى، غالبًا ما تنفلت غرائز الانتقام، وتُدار مراحل ما بعد الصراع بمنطق “المنتصر والمهزوم”. غير أن إحدى أبرز السمات التي ميّزت قيادة مسعود بارزاني تمثلت في تغليب مبدأ العفو، وضمان سلامة الجنود والضباط وأفراد مؤسسات الدولة المرتبطة بالنظام السابق، وإعادتهم إلى مدنهم بكرامة واحترام، بدلًا من تحويلهم إلى وقود لصراعٍ أهلي طويل الأمد.
إن هذا القرار لم يكن إجراءً ظرفيًا، بل تعبيرًا عن فلسفة حكم واعية، هدفت إلى منع تفكك النسيج الاجتماعي، وقطع سلسلة الثأر، وحماية فكرة الدولة من الانهيار الداخلي.
ثالثًا: كوردستان كملاذ إنساني قبل أن تكون جغرافيا
مع اجتياح تنظيم داعش مساحات واسعة من العراق، واجهت البلاد واحدة من أكبر موجات النزوح في تاريخها الحديث. وفي تلك اللحظة الفاصلة، اتخذ إقليم كردستان—بتوجيه سياسي واضح—مسارًا إنسانيًا استثنائيًا، تمثل في:
ــ استقبال ملايين النازحين من مختلف المحافظات، ولا سيما من المناطق المنكوبة.
ــ فتح المدارس والمرافق العامة وتحويلها إلى مراكز إيواء.
ــ التعامل مع الوافدين باعتبارهم مواطنين في محنة إنسانية، لا عبئًا سياسيًا أو أمنيًا.
وقد ترسخت في الوعي العام مقولة ذات دلالة عميقة: «فُتحت القلوب قبل البيوت»—وهي توصيف دقيق لنهجٍ اجتماعي وسياسي في وقتٍ كانت فيه المنطقة تتفكك على أسس طائفية وقومية حادة.
رابعًا: حماية الأقليات بوصفها معيارًا للدولة
في أزمنة الفوضى، تكون الأقليات أولى ضحايا العنف. غير أن إقليم كوردستان احتضن مكونات عراقية متعددة، من المسيحيين والكلدان والآشوريين والإيزيديين وغيرهم، وساهم في حمايتهم وصون كرامتهم وحقوقهم الدينية والثقافية والاجتماعية.
وتكمن أهمية هذا الدور في أنه تجاوز منطق “الاستضافة المؤقتة” إلى تثبيت مفهوم المواطنة المتعددة، وإرسال رسالة عملية مفادها أن قوة الدولة لا تُقاس بأغلبيتها العددية، بل بمدى الأمان الذي توفره لأضعف مكوّناتها.
خامسًا: خطاب سوريا ومنع الاحتراب القومي
في خضم التوترات الدامية التي تشهدها الساحة السورية، وما رافقها من انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، ومنهم الكورد، برز خطاب مسعود بارزاني بوصفه خطابًا ضابطًا للاشتعال. فقد دعا بوضوح إلى وقف الحرب، وتجنّب الانزلاق نحو مواجهة قومية عربية–كوردية، وتقديم لغة العقل والتعايش على خطاب التحريض والاستئصال، رغم الاستفزازات السياسية والإعلامية المتكررة.
وهنا تتجلى قيمة القيادة الأخلاقية: حين تُستفَزّ الشعوب، تصبح كلمة “لا للحرب” موقفًا شجاعًا قبل أن تكون خيارًا سياسيًا.
سادسًا: لماذا ينسجم هذا المسار مع روح جائزة نوبل للسلام؟
لأن الحديث لا يدور حول رمزية سياسية فحسب، بل عن سلوكٍ قيادي متكرر يحقق جوهر الجائزة، من خلال:
ــ ترسيخ المصالحة ومنع الانتقام بعد الصراعات.
ــ حماية المدنيين واحتضان النازحين في ذروة الانهيار الإقليمي.
ــ صيانة التعددية والدفاع عن حقوق الأقليات كمعيار لشرعية الدولة.
ــ الدعوة المستمرة لوقف الاحتراب وتجنيب المنطقة صراعات قومية مفتوحة.
ــ تحويل التعايش من شعار سياسي إلى ممارسة مؤسسية ومجتمعية.
خاتمة ترشيحية
إن مسعود مصطفى محمد بارزاني، في قراءة موضوعية لمسيرته، يمثل مدرسة قيادية تُعيد الاعتبار لفكرة أن السلام ليس ضعفًا، بل هو أسمى أشكال القوة الأخلاقية. وفي عالمٍ تُكافَأ فيه أحيانًا حسابات النفوذ على حساب قيمة الإنسان، فإن السيرة التي تنقذ الأرواح، وتمنع الحروب، وتحمي الأقليات، وتُقدِّم العفو على الانتقام، هي سيرة جديرة بأن تُطرح بجدية على طاولة جائزة نوبل للسلام.
