بافي رودي : دور الدول الكبرى في القضاء على الأحلام الكردية
الدور الأمريكي والسوفياتي في جرائم صدام في حلبجة وغيرها
الجزء الأخير من دور الدول الكبرى في القضاء على الأحلام الكورية , لعل من أهم الأحداث الملفتة للنظر والتي كسرت ظهر الكورد هو تأمر تلك الدول على الكورد من دون وجه حق والقضاء على الأحلام الكوردية في الحصول على حقوقهم وبناء دولتهم كباقي الشعوب الأخرى ,
فليعلم المراهنون على الدول الأجنبية من أحزابنا الحالية وقياداتها على أن تلك الدول ستقوم بمساعدة الكورد لنيل حقوقهم
هم مخطئون وسوف يعيد التاريخ نفسه مرة أخرى وتوضح بان تلك الدول كانت ومازالت تنتقم من الكورد نتيجة الحروب الصليبية مع صلاح الدين الأيوبي وكيف تم مرغ أنوفهم بالتراب ولأنه كوردي وجيشه اغلبه من الفرسان الكورد لهذا لم تنسى هذه الدول وخاصة فرنسا وبريطانية التي دحرت في القدس وكسرت شوكتها ؟ وإذا لم يكن صلاح الدين هو خلف تحالف هذه الدول مع أعداء الكورد فإذا ما هو السر خلف تأيد تلك الدول لتركية وإيران والعراق وسورية للقضاء على الأحلام والآمال والطموحات الكوردية في تأسيس دولتهم القومية الخاص بهم ولماذا جزئوا كوردستان إلى أربع أجزاء وضمت إلى أربع أبشع أنظمة بالتاريخ
طبعا ليس كل الحق على الغرب والدول المحتلة للكوردستان بل اغلب الحق والعلة هو بالكورد نفسهم , في الثورات الربيع العربي وخاصة الثورة في سورية تبين أن الكورد لا ينادون بأهداف ومطالب مشتركة وليسوا موحدين بل مجزئين إلى عشرات الأجزاء الصغيرة وكل طرفا وحزبا يحارب الأخر ويحاول أن يفرض نفسه فقط لاسمه ولمصلحة حزبه , لو كنا موحدين ومتحدين تحت سقف واحد وشعار واحد ومطالب موحدة وكان لنا جيش واحد وتحت قيادة موحدة لاستطاعوا أن ينال الثقة من كافة الأطراف واستطاعوا أن يفرض نفسه على كل الأطراف المتناحرة لان القوة هي التي تفرض نفسها في هذه الثورات , للأسف نحن مشتتون و متشرذمون كخلية النحل التي تموت ملكتها فتطفش العاملات كل مجموعة وكل نحلة إلى المجهول وإذا تريد أن يحترمك العدو قبل الصديق يجب أن تكون جسما واحدا وقوة واحدة عندها يتراكض نحوك الأجنبي قبل الصديق والعدو قبل الصديق ,
الحقوق لاتاتي بالنياح والبكاء ومطالبة العدو بان يمنحونا حقوقنا وانما الحقوق تاتي بالاتفاق والقوة والحقوق ابدا لا تعطى بل تؤخذ وكل ما اخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة فلا تنتظروا من يهديكم حقوقكم على طبق من فضة يا كوردو.
/ ح3 /
إذا كانت الولايات المتحدة قد زودّت نظام صدام حسين بالقدرات التي يحتاجها وغضّت الطرف عنه فيما يتصل بإنتاج الأسلحة الكيماوية في مواجهة إيران الخميني التي كانت تهدد خلال الثمانينيات من القرن العشرين منطقة الشرق الأوسط بتصدير ثورتها إليها , فإن صدام حسين الذي خرج منتصراً من الحرب العراقية –الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات قد شعر أن لديه هامشاً أكبر من الحرية في المنطقة , وبات يملك قوة كبيرة يهدد كل مناوئيه وجيرانه. وقد دفعه غروره إلى استخدام أفتك أسلحته ضد مواطنيه الكرد – المسؤول قانونياً وأخلاقياً عن حمايتهم – في حلبجة أولاً , وفي العمادية وبهدينان ثانياً .استخدم في حلبجة يومي 16و17آذار 1988 (أي قبل انتهاء الحرب العراقية –الإيرانية بنحو خمسة شهور ), وكانت نتيجة هجومه الكيماوي هذا قتل نحو (11540) في حلبجة وحدها, وتدمير المدينة بشكل شبه كامل, التي كان يسكنها قبل الهجوم نحو سبعين ألف نسمة, فضلاً عن تدمير البيئة وقتل الماشية والحيوانات والطيور وتلويث المياه والهواء وتدمير التربة والمزروعات ...
ولما لم يجد صدام رادعاً يردعه, لامن الولايات المتحدة ولامن غيرها,تشجّع أكثر فاستخدم أسلحته الكيماوية مرة أخرى ضد مواطنيه الكرد في منطقة العمادية وبهدينان التابعة لمحافظة دهوك ما بين 23و25 آب 1988م, فقتل من قتل، وهرب نحو مئة وخمسين ألف إنسان إلى تركيا في ظروف صعبة جداً .
وبما أن صداماً قد سمّى عمليته البطولية هذه باسم "الأنفال-3" فقد استصدر فتوى من بعض الشياطين (أعني علماء السلاطين ) بجواز أخذ نساء الكرد سبايا، فكان تقسيم النساء على الجنود النشامى .
بالرغم من أن هذه الجريمة كبيرة بل فظيعة بكل المقاييس ؛ فإن أيّاً من الدولتين العظميين – الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي – لم تحرّك ساكناً، فالولايات المتحدة اكتفت بأخذ العلم أنّ صداماً قد استخدم الأسلحة الكيماوية ضد مواطنيه الكرد , والاتحاد السوفياتي,الذي كان قد صدّر للعراق ثلاثين خبيراً لصنع الأسلحة الكيماوية ولتدريب العراقيين على استخدام الغازات السامة ,لم يحرّك هو الآخر ساكناً.
جرائم صدام تلاحق الكرد في تركيا أيضا:
لم تقتصر جرائم صدام حسين ضد مواطنيه الكرد في العراق فحسب ؛بل امتدت إليهم بعد هربهم إلى تركياأيضا,فقد بثّ عملاءه بين صفوف هؤلاء اللاجئين, وقد قام هؤلاء العملاء بتسميم ألفي إنسان من نزلاء معسكر قزل تبه للاجئين الكرد قرب ماردين في بداية حزيران 1988،فقد كشفت شبكة(INT) التلفزيونية البريطانية,بالتعاون مع المؤسسة الطبية الدولية (IMP)أن عناصر المخابرات العراقية سمّمت البيشمركة الكرد العراقيين بمركبات الزئبق,كما تبيّن من فحوصات الدم والبول والخبز التي أثبتت وجود مركبات فوسفاتية،عضوية نجمت عن سميات من مركبات الزئبق .
تواطؤ تركي :
أما السلطات التركية فقد تواطأت مع صدام حسين وغطّت على جرائمه بأن طوت ملفّ قضية تسميم اللاجئين الكرد لديها، فلم تقم بالتحقيق مع أصحاب المخابز التي تزوّد هؤلاء اللاجئين بالخبز المسموم بمركبات الزئبق،كما تطوّعت بتبرئة نظام صدام من استخدام أسلحة كيماوية ضد مواطنيه الكرد؛فقد جاء في بيان صادر عن الحكومة التركية ونشرته صحيفة (MILLIYET) يوم 14ـ15/ 9/1988أنه بعد التحقيقات التي أجرتها تركيا في العراق،لم يعثر على أي دليل على استعمال الأسلحة الكيماوية .
ولم يقف التوطؤ التركي مع صدام حسين في هذه الجريمة عند هذا الحدّ, بل امتدّ ليشمل رفض طلب هيئة الخبراء فحص اللاجئين الكرد في تركيا .
وإذا كان صدام بريئاً فلماذا رفض منح سمات الدخول للعراق لهيئة من الخبراء الدوليين لإجراء تحقيق في شمالي العراق حول مزاعم الكرد هذه, بزعم أن هذا تدخل في الشؤون الداخلية, بالرغم من مناشدة اثنتي عشرة دولة أوربية الأمم المتحدة بإرسال هؤلاء الخبراء ؟ .
نعود بعد هذا الاستطراد إلى الحديث عن دور الدول الكبرى في الحيلولة دون وصول الكرد إلى إيجاد كيان خاصٍّ بهم. ولما كانت حرب الخليج الثانية عام 1991 وما تلاها من أحداث قد شكّلت حدّاً فاصلاً بين عالم متعدد الأقطاب وعالم تنفرد فيه الولايات المتحدة بزعامة العالم – لاسيما في منطقة الشرق الأوسط – دون منازع,فقد عاد الكرد العراقيون أصحاب التجارب المريرة مع أمريكا إلى وضع بيضهم في السلة الأمريكية مرة أخرى, بالرغم من أن جروح الأمس التي تسببت بها للشعب الكردي هذه الدولة لم تندمل بعد .
حصار أمريكي مزدوج على كردستان العراق :
الحصار الأمريكي المحكم على العراق – تحت غطاء الشرعية الدولية – منذ دخول القوات العراقية الكويت عام 1990حتى سقوط نظام صدام حسين عام 2003كان بمنزلة حصار مزدوج على كردستان العراق, الحصار الأممي من ناحية, وحصار صدام حسين من ناحية ثانية .
هذا الحصار المزدوج عانى منه الكرد بشكل يفوق في فظاعته كل تصوّر, فقد اضطروا إلى "بيع كل مقتنياتهم للبقاء على قيد الحياة ", وصار كل كردي يملك خمس مئة دولار يسعى للسفر أو لإرسال ابنه إلى الخارج, للعمل ومساعدة أهله ببعض المال ..., ووجد مئات الأطباء والمهندسين والأساتذة الجامعيين وغيرهم من أصحاب المهن التي تحتاج إليها كردستان العراق بشدة, وجد هؤلاء أنفسهم مضطرين إلى الهجرة خارج بلادهم بحثاً عن لقمة العيش .
وقد أبدى مسعود البارزاني خلال زيارته لواشنطن في تموز 1992استياءه من التصلّب الأميركيّ في لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة, وإصرار واشنطن على عدم مساعدة الكرد الرازحين تحت عبء العقوبات الزدوجة .
هذا التصلب الأمريكيّ بلغ درجة أنه لم يسمح للكرد باستيراد قطع الغيار اللازمة لتشغيل لوحة المفاتيح في مركز هاتف مدينة دهوك, التي لاتتجاوز قيمتها أربعة آلاف دولار أمريكي . بل وصل الإمعان في إلحاق الأذى بالكرد أن لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة – بقيادة أمريكا – رفضت السماح للكرد باستيراد الوقود وقطع الغيار الضروريين لضمان استمرار عمل المصانع القليلة الموجودة في شمالي العراق, كما رفضت السماح باستيراد الآلات اللازمة لبناء مصفاة صغيرة لتكرير ما تبقى تحت سيطرة الكرد من كميات بسيطة من النفط الخام . وذهبت تركيا إلى حدّ منع شركة بريطانية متخصصة في تفكيك ما خلّفته الحرب العراقية-الإيرانية من ألغام تعدّ بالملايين, خوفاً من أن يتمكن حزب العمال الكردستاني من الاستفادة منها بطريقة ما .
وكان إصرار أمريكا وحلفائها الغربيين منذ بداية الحصارعلى العراق رفض السماح بإقامة أي مشروع قد يؤدي إلى تطوير الاقتصاد الكردي وجعله قادراً على الحياة, خوفاً من أن تتهم تركيا عندئذ كلاً من واشنطن ولندن وباريس بتشجيع الكرد على إقامة البنى الضرورية لإقامة دولة كردية مستقلة في شمالي العراق .
وتوريط للكرد وخذلان :
ليت معاداة أمريكا للكرد توقفت عند هذا الحدّ, بل تطورت وتوسعت لتصل إلى درجة توريطهم في معارك ومواقف أكبر من طاقتهم على مواجهتها ثم تنسحب هي في اللحظة الأخيرة ليواجهوا مصيرهم الأسود وحدهم, وكأنهم حقول تجارب لاختيار خططها وقوة خصمها, حدث هذا مرتين على الأقل ؛ مرة عندما شجّعت وكالة A.I.Cالمؤتمر الوطني العراقي عام 1995 على إقناع مسعود البارزاني وجلال الطالباني وحزبيهما بشنّ هجوم مشترك ضد مواقع الجيش العراقي في كركوك والموصل, يكون بمنزلة إشارة الانطلاق لوحدات عسكرية عراقية تتولى تنفيذ انقلاب يطيح بصدام حسين .لكن الولايات المتحدة تراجعت عن دعم هذه الخطة في آخر لحظة .
ومرة أخرى عندما تُرك الكرد يواجهون مصيرهم على يد القوات العراقية التي اجتاحت أربيل يوم 31آب 1996بشكل مباغت ووضعت يدها على كمية كبيرة من المعدات الالكترونية المتطورة وما جمعته C.I.Aمن معلومات عن المعارضة العراقية في محفوظاتها .لقد قُدّم الأكراد المتعاونون مع الأمريكان على طبق من ذهب لصدام حسين, "بالرغم من الوعود التي أغدقت عليهم في السابق, وما تبلّغوه رسمياًعن وجود خطّة أميركية مفصّلة لإجلائهم عند الضرورة .{كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ }الحشر16.
وبعد:
كم من اللدغات يصاب بها الإنسان الكرديّ من جحر واحد؟وإلى متى سيتعلّق بعض الكرد بالقشّة الأمريكية والغربية ؟ وهل كانت مصائب الكرد إلا على أيديهم ؟ أيّ خير يرتجى من عدوّ ظاهر العداوة؟ أرأيتم لو أن الذئب قد تجمّل بجلد حمل أيصير حملاً .
