• Saturday, 31 January 2026
logo

شبح البعث وتفعيل التحالف الشيعي الكردي

شبح البعث وتفعيل التحالف الشيعي الكردي
جرجيس كوليزادة
_pukmedia


حملة الاعتقالات التي قامت بها الاجهزة الامنية العراقية لكوادر بعثية متخفية ومنظمة في خلايا نائمة، أعادت الدفء الى العلاقات التاريخية بين الشيعة والكرد التي رافقها الفتور في السنوات الأخيرة بسبب التلكؤ في تنفيذ المطالب الكردستانية بخصوص الخلافات العالقة ومنها كركوك والمادة 140 الدستورية والبيشمركة والنفط والغاز والاحصاء السكاني، والاعتقالات جاءت نتيجة معلومات استخبارية كشفت عن اعداد البعثيين لخطة سرية للاستيلاء على الحكم في بغداد بتنسيق مع ضباط كبار وأكاديميين ورجال اعمال منسوبين للنظام البائد، وشملت الاعتقالات أغلب المحافظات العراقية عدا اقليم كردستان.

وبالرغم من الاعتراضات التي قدمتها القائمة العراقية الا انها لم تجد نفعا بسبب قوة وسرية تنفيذ الخطة الحكومية للسيطرة على المخطط البعثي للانقلاب على الوضع الدستوري في البلاد، والمعروف ان قائمة أياد علاوي التي دخلت العملية السياسية تتكون أغلب مكوناتها من بعثيين كانوا في مواقع ومناصب حزبية وحكومية في عهد النظام السباق والبعض منهم كان من الكوادر المتقدمة في حزب البعث البائد.

وضمن هذا السياق أشارت التقارير الى نجاح المباحثات التي اجراها برهم صالح مبعوث الرئيسين جلال الطالباني ومسعود البرزاني ورئيس الوفد الحكومي الكردستاني مع نوري المالكي رئيس الوزراء واسامة النجيفي رئيس مجلس النواب وعدد من قادة القوى السياسية العراقية، والمؤكد ان هذا النجاح لم يأت من اصرار مسبق لبغداد لحل الخلافات العالقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم، بل جاء بعد كشف الخطة البعثية وخطورتها على المستقبل السياسي للعراق، وهذا ما دفع المالكي الى الاتفاق مع صالح على اسس لحل الملفات العالقة والإسراع في تنفيذ المطالب الكردية من خلال الحاق قوات البيشمركة بالجيش وصرف نفقاتها من الموازنة العامة وتعديل مسودة قانون النفط والغاز واتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ المادة الدستورية 140 حول كركوك والمناطق المتنازع عليها في ديالى ونينوى وصلاح الدين.

لكن الأهم من هذا وبعد اكتشاف المخطط البعثي للانقلاب، هو اتفاق الطرفين على البحث الجدي في مسألة التوازنات الوطنية والمكوناتية والمناطقية وضرورة الالتزام بها، والإتفاق على تحديد الإطار العام لحلّ كل المشاكل العالقة تحت سقف زمني واحد، والالتزام بالدستور وبنوده كافة، وتفعيل حكومة الشراكة الوطنية مع الكرد، وتمثيل المكونات العراقية الأساسية، والعمل وفق مبدأ الشراكة والمشاركة في القرار. وحسب ما يستقرأ من هذا التقدم والتحول الجدي لرئيس الحكومة الاتحادية فان هذا الاتفاق مع حكومة اقليم كردستان يأتي ضمن اطار تولد قناعة تامة من قبل المكون الشيعي بقيادة المالكي بضرورة اشراك الكرد كشريك أساسي لادارة العملية السياسية وحكم الدولة العراقية لحمايتها من المخاطر الأمنية التي قد يلجأ اليها بعض الاطراف العراقية والاقليمية بسبب عدم قناعتهم بالعهد الجديد واصرارهم السير على نفس نهج نظام صدام البائد كما كشف عنه المخطط السري للمجموعات البعثية النائمة والتي نسقت فيما بينها من داخل وخارج العراق للقيام بانقلاب على الوصع السياسي الراهن.

ويبدو ان مصارد كشف المخطط يؤل تفسيرها الى مصدرين، أولهما الزيارة التي قام بها محمود جبريل رئيس المكتب التنفيذ الليبي لاعلام نوري المالكي بالعملية من خلال الوثائق التي عثرت عليها في السفارة العراقية في طرابلس والتي كانت تدار من قبل البعثيين وعلى علاقة باتباعهم وانصارهم في العراق وبالخارج، وثانيهما النظام السوري عرفانا لموقف الحكومة العراقية بتأييد ودعم نظام بشار أسد المائل للسقوط ماديا ومعنويا، ولكن هناك مصدر معلوماتي خاص يؤكد ان عملية كشف المخطط البعثي جهد استخباراتي عراقي صرف ولا علاقة له بليبيا ولا بسوريا.

وعلى العموم وكما هو معروف فان العلاقة بين الشيعة والكرد تعود بجذورها الى عقود طويلة من الزمن بسبب سياسة الاضطهاد والقمع والابادة التي مورست ضدهما من قبل نظام صدام حسين والحكومات التي تعاقبت على حكم بغداد من العهد الملكي الى العهد الجمهوري بسبب سيطرة المكون السني على دفة الحكم من بداية سقوط الدولة العثمانية والى نهاية حكم البعث في عام الفين وثلاثة، وليس بخاف ان الملك فيصل الأول عند تأسيس الدولة العراقية من الولايتين بغداد والبصرة في عام 1921 قد لجأ الى الحكومة البريطانية لالحاق ولاية الموصل ذي الأغلبية الكردية بالعراق لضمان زيادة نسبة المكون السني من عرب المناطق الغربية والكرد مقابل الأغلبية التي كان يتمتع بها المكون الشيعي في الجنوب والفرات الاوسط وبعض اجزاء بغداد، ونتيجة لهذا الالحاق فقد ذهب الكرد ضحية للمخطط الذي اقدم عليه الملك غير العراقي المستقدم من الجزيرة العربية مع بريطانيا لتأسيس عراق مصنع من ولايات البصرة وبغداد والموصل تركة الدولة العثمانية الخاسرة في الحرب العالمية الاولى.

وبطبيعة الحال فان تفعيل وتجديد العلاقة التاريخية بين الشيعة والكرد في العراق الجديد وضمان استمراريتها من خلال الاتفاقيات التي من المؤمل انجازها خلال الشهرين المقبلين بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان، ستشكل بادرة أساسية لاعادة التوازن الى العملية السياسية وتفعيل الشراكة التي يجب ترسيخها بثبات وتواصل بين الكرد وشريكه العربي الشيعي والسني لتحقيق الاستحقاقات القومية والوطنية لكل المكونات، وهذا العمل يعتبر الضمان الرئيسي للحفاظ على العراق الموحد الاتحادي التعددي البرلماني، و سيكون الضامن الرئيسي لحماية البلاد من الأجندات الاقليمية ومن مخططات اصحاب النوايا السيئة التي تحاول ضرب العراق بشتى انواع الأساليب.

ولابد من القول بالرغم من اهمية التحالف الشيعي الكردي، لكن الاحداث برهنت ان العراقيين على مستوى المسؤولية والوطنية لحماية بلادهم من المخططات الاقليمية والارهابية والبعثية الاجرامية التي حاولت ان تدمر العراق طوال السنوات التي تلت عام سقوط صنم الاستبداد، والعراقييون يدركون جيدا انه مهما طال شبح البعث المقبور وفاق خلاياه النائمة فان وجوده قد انتهى في البلاد والتحالف الشيعي الكردي كما أثبتت الاحداث كفيل بالحفاظ على العهد الجديد، ولكن لو حاول المكون السني الانضمام الى التحالف بجدبة ونية صادقة فان الأمر سيكون أكثر ضمانا لاقامة الستار الواقي لحماية العراق.
Top