• Saturday, 31 January 2026
logo

دفاعية الفكر الكردي المنظم ..

دفاعية الفكر الكردي المنظم ..
فتح الله حسيني
_pukmedia


ظلت أرض كردستان على مدار العهود والعصور المختلفة أرضاً تعبرها الموجات البشرية الباحثة عن العيش الكريم أو الباحثة عن السيطرة واخضاع غيرها واستمر تدفق الموجات البشرية بشكل منظم من الشرق بصورة خاصة وفي بعض الاحيان من شمالها وجنوبها وغربها، فخلق في هذه الأرض تنوع مميز وظلت الأفكار والثقافات والتأثيرات الحضارية مستمرة، ونظراً لكون كردستان واقعة على الطريق الرابط بين الشرق والرغب فنلاحظ منذ القدم وبشكل واضح التأثيرات اليونانية القديمة، فالفكر اليوناني وجدا حيزأ رحباً بعد دخول الاسكندر المقدوني الى الشرق وحكمه للأرضي الشاسعة ومن ضمنها أرض كردستان الحالية، ثم كانت التأثيرات الرومانية والصراع الايراني - الروماني الكلاسيكي الذي استمر لقرون طويلة حاضرة في ربوع كردستان، فقد كانت أرض كردستان منطقة رحبة لنشوب الصراع الفكري والسياسي والعسكري للحضارات المتتالية.

ظلت كردستان تصارع الفكر العثماني والصفوي معاً، مستعملة كافة السبل للدفاع عن النفس الا أن الكرد لم ينجحوا في ابعاد تاثير ذاك الفكر عليهم وذلك بسبب السياسة الصفوية والعثمانية المنظمة البعيد كل البعد عن الاخلاقية في تصفية الحضارة الكردية، لذلك ظل المجتمع الكردي مجتمعاً منقسماًَ، متشرذماً على ذاته تجاه واقع سطوة الحكومات المستعمرة لكردستان، ومع ذلك كانت كردستان أرض الثورات والاتنفاضات في وجه السلطات والحكومات التي حكمت كردستان بالقوة.

تاريخية الواقع الفكري في كردستان:

تمثل الواقع الفكري في كردستان خلال القرون الوسطى بفكرة توحيد الأمة المؤمنة، فقد عمل الكرد خلال قرون طويلة ضمن هذا الهدف وكان تعاونهم وعلاقاتهم وسياساتهم جلها منصبة على تحقيق هذا الهدف السامي، لتتحول فيما بعد الى مفهوم الوحدة الكردية مدفوعة بواقع الضغوطات العثمانية والصفوية الكثيرة.

وقد مر حال الكردي، آنذاك، بست مراحل سياسية واجتماعية مختلفة، أولها: المرحلة الأممية، أي الأمة الاسلامية، التي تمثلت بتوجيه كافة الطاقات نحو التأثير العقائدي الديني من أجل نشر وحماية الاسلام كدين، والمرحلة الثانية: وهي المرحلة التي سعى فيها الأمراء والمفكرون الكرد الى تشكيل تحالف قوي بين الامارات الكردية تحت مظلة قومية واحدة، والمرحلة الثالثة: وهي مرحلة دفاع الامارات الكردية عن نفسها وعن مكتسباتها وأصبغت على هذه المرحلة ألوان الحروب الكردية – العثمانية والحروب الكردية - الفارسية، المرحلة الرابعة: وهي مرحلة الثورات والانتفاضات االكردية لمسلحة والعمل السياسي والدبلوماسي للاقطاعيين والأمراء السابقين ورؤساء القبائل وعلماء الدين والارستقراطيين واتصفت هذه المرحلة بصفة العمل الفردي والجماعي معاً، ومن أهم معالم هذه المرحلة محاولات رجال الدين في قيادة الثورات من أجل تأسيس دولة كردية، المرحلة الخامسة: وهي مرحلة اتسمت بتحول فكري ونوعي ويمكن تمييزها عن المراحل السابقة في أنها تمثلت بتأسيس جمعيات وأحزاب سياسية وجماهيرية من الوسط الثقافي وظهور البرجوازية الوطنية في ساحة النضال كقيادات مهمة نخبوية في الحركة التحررية الوطنية الكردستانية كما وتتميز هذه المرحلة بالنشاط السري والاتصالات الدبلوماسية لتبدأ الحركة التحررية بالنشاط الاعلامي وصدور عدد كثير من المنشورت والجرائد الموجهة، لتوحيد الخطاب الجماهيري الكردي، أما المرحلة السادسة: فكانت مرحلة تقسيم كردستان وفق المعاهدات الدولية بين الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، ومن هذه المرحلة انبثقت مرحلة ظهور الحركة التحررية الوطنية في كردستان العراق مستمدة جذورها التاريخية والفكرية من الحركة التحررية الوطنية الكردستانية.

الفكر القومي في الحركة التحررية الوطنية لكردستان العراق المعاصر:

الحركة التحررية القومية الكردية، حركة تاريخية موضوعية منبثقة من صميم مجتمع كردستان، تلبية لضرورات تطور ذلك المجتمع ومستلزمات تقدمه، فهي حركة تحررية لأنها تستهدف التحرير وتحقيق الأماني القومية المشروعة وحق تقرير المصير للشعب الكردي، وهي حركة ثورية لأنها حركة معادية للقوى التي تعرقل التطور الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع في كردستان، والثورة الكردية ثورة وطنية لأنها ثورة تناضل من أجل الحكم الوطني وممارسة حق تقرير مصيره بنفسه.

عرفت الحركة الوطنية الكردية بمجموعة من الأحزاب السياسية الكردستانية، التي ولدت في ظروف متشابهة ومن رحم بعضها البعض، وارتكزت على قضية التحرير الوطني وعملت وناضلت وفق سياقات فكرية واقعية واعتدالية، ولديها علاقات ونشاطات دبلوماسية متشابهة، إذ عرفت الحياة الحزبية في كردستان العراق، أصناف متعددة حتى تبلورت الى جانب أحزاب سياسية كردية، أحزاب كلدو آشورية وأحزاب تركمانية، والحقيقة أن أكبر الأحزاب السياسية من حيث العدد والأكثر تأثيراً وثقلاً في المعادلة السياسية لما لها من درو قيادي بارز في كردستان العراق وعمق تاريخي، هما: الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وهما حزبان يهيمنان على النشاط السياسي في سائر أنحاء اقليم كردستان، وهنا حزبان كليا القدرة وشعبيتا الطابع.

الخلفية الفكرية للحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني الكردستاني:

يعد الحزب الديمقراطي الكردستاني وليد تطور الحركة التحررية الوطنية لكردستان العراق بعد تجارب متعددة خاضها ضد الاستعمار البريطاني والحكومات العراقية المتعاقبة لنيل الحقوق المشروعة للشعب الكردي، وهو تلبية لواقع المرحلة التاريخية واستجابة حية لأوضاع المجتمع الكردستاني المتشتت، والحزب عبارة عن جبهة تكونت بفعل تحالف واتفاق مختلف التيارات السياسية والفكرية في كردستان، تلك التيارات التي تجاوزت حدود تضارب المصالح من أجل انجاز التحرر الوطني الكردي، وتعود الخلفية الفكرية للحزب الديمقراطي الى نشوء مجموعة من الحوافز الفكرية، حيث ظلت النخبة الكردستانية العاملة في مجال الفكر والسياسة كثيرة العمل والتفكير في ايجاد الوسائل الممكنة لتحرير شعبها وتفكيك المعادلات المعقدة التي ركبت حول القضية الكردية ليصبح العمل الجبهوي التقدمي أحد بواعث الفكر الكردي الجديد، أما الخلفية الفكرية للاتحاد الوطني الكردستاني فهي عبارة عن جبهة مشكلة من عدة تيارات متكاملة الخواص، اتحدت في جبهة واحدة عريضة ذات ملامح فكرية يسارية مع الاحتفاظ بالتوجهات الفكرية والتنظيمية لكل تيار، وقد أعلن عن تأسيسه في 1 حزيران من العام 1975 وأطلق شرارته المسلحة الأولى في 1 حزيران من العام 1976 والتي أطلق عليها تسمية "الثورة الجديدة" أو "شورشي نوي".

يصنف الحزب الديمقراطي الكردستاني بأنه حزب ليبرالي قومي وطني تترسخ فيه قواعد ديمقراطية تميل الى انشاء نظام ديمقراطي، أما الاتحاد الوطني الكردستاني فهو جبهة عريضة من الأحزب والحركات المستقلة والشخصيات لتنفيذ تحولات اجتماعية وسياسية وفكرية، يؤمن بالمنظور الكردي للاشتراكية، والبحث عن مجتمع متحرر وحياة أفضل للفرد وحرية أكبر للاأفراد وتتناغم اشتراكيته مع مكنوناتها الديمقراطية.

الفكر الدفاعي الكردي:

يؤكد كتاب "الفكر السياسي للأحزاب السياسية في كردستان العراق" لمؤلفه عبدالرحمن كريم درويش، أن الفكر السياسي في كردستان تاثر بشكل كبير بالحروب وعمليات الابادة الجماعية وتعرض أبناء وبنات الشعب الكردي من تاريخه القديم والمعاصر الى صنوف المقع والقتل والاسلحة البشعة حيث تضررت الكثير من الخصائص القومية بسبب الضربات المتتالية التي شنت عليه وضده، فظلت الحركة التحررية في حالة دفاع عن الذات، تستثمر كل فرصة سانحة في سبيل التقاط الأتفاس وترميم ما تحطم من حضارة كردية، لذلك تمثلت مرتكزات الفكر الكردي على الدوام بأنه فكر دفاعي يمثل انبثاقاً ذاتياً كرد فعل على محاولة التحرر غير المكتمل بعد.
Top