سياسة حكومة بغداد تجاه المناطق المستقطعة من إقليم كوردستان
_pukmedia
في 22 من كانون الثاني عام 1922 خاطب رئيس الوزراء العراقي عبدالمحسن السعدون (1889-1929) مجلس النواب قائلاً: "إذا أراد العراق أن يعيش، فعليه تأمين حقوق جميع الكيانات العراقية، لأننا شاهدنا جميعاً تشتت و إنهيار الدولة العثمانية التي قامت بإغتصاب حقوق الكيانات التي كانت تتشكل منها وتمنعهم من التطور". أما ملك العراق، فيصل الأول (1883-1933)، فقد نصح رعاياه عام 1926 بأن "أحد أهم وظائف كل عراقي مخلص هو تشويق أخية الكوردي العراقي أن يحافظ علی عنصره و جنسيته و لايحيد عنها". الملك بدهائه كان يعرف بأن الكوردي لا يصبح عربياً، مثلما الأسكوتلندي لا يصبح إنجليزياً.
هذه الفلسفة كانت بداية ظهور شراكة الإعتراف، بإستدعائها مفهوم التعددية وإستبعاد مفهوم المطابقة والإنفراد أو الأحادية، والتعددية تعني بكون الآخر مختلفاً ولكنه مساوٍ في الحقوق أو الفرص. أما الإعتراف فلا يقوم فقط علی الإقرار بحقوق الآخر السياسية أو الإجتماعية، وإنما يمکن توسيعه ليشمل الإعتراف بالآخر معرفياً. للأسف لم تدم هذه الفلسفة طويلاً کي تنقذ العراق من مخاطر الإستبداد و التخلف والفقر. ففي عهد الملك غازي الأول بدأت حكومة ياسين الهاشمي (1884-1937) أواسط الثلاثينات من القرن الماضي بإتباع سياسة معاكسة لنهج السعدون تجاه الكيانات الأخری. فقد قامت مثلاً بتغيير الواقع الديموغرافي في كركوك و کان "مشروع أراضي الوحدات الإستثمارية" الخطوة الأولی لفرض السيادة القوموية والفكر الشوفيني علی الآخر المختلف.
سياسة تغيير الواقع الديموغرافي أصبحت إستراتيجية أتبعتها الحکومات العراقية المتعاقبة وظلت مستمرة الی يومنا هذا، بالرغم من أننا نعيش اليوم زمن "الديمقراطية والفدرالية و حکومة الشراكة الوطنية والتعددية". فكيف لا تولد عند الكورد و الإخوة التركمان إذنْ التوجس والريبة من نوايا حكومة دولة رئيس الوزراء المالكي إزاء هذه المدينة والمناطق المستقطعة الأخری وکيف لا تتعقد الأوضاع في تلك المناطق.
في السابق فرضت الدكتاتورية الفاشية بتهويلاتها الإيديولوجية و قيودها الانتروبولوجية ومنطقها القدسي و نزعتها العسکرية و حروبها المدمرة نفسها، حيث نشرت بالعنف أفكارها المسمومة بين الجماهير و قامت برفع الشعارات والإدعاءات القومية الزائفة في سبيل کبت الحركة الكوردستانية، التي كانت تهدف الی نشر الأفكار التحررية والديمقراطية داخل عموم العراق و كوردستان بشكل خاص.
بعد سقوط الطاغية صدام عام 2003 كان أمل الأکثرية الساحقة في العراق، و التي أيدت الدستور، أن تعمل الحکومة المستقبلية في هذا البلد من أجل صناعة الحياة المشترکة وتخلق مجالات تتوسع معها حريات التفكير والتعبير ولا تتماطل في تنفيذ حقوق الشعب الكوردي الدستورية المعطلة في بعض بنودها، منها المادة 140 لحل الخلافات العالقة بينها و بين إقليم كوردستان، کي تترسخ أخيراً جسور المحبة والتعايش. إن قواعد الديمقراطية تفرض علی الحکومة إحترام الدستور، الذي صوت علیها أكثر من 78 بالمائة من العراقيين و التي تعتبر المرجعية الأساسية لكل عراقي و إن حل قضية كركوك سوف يكون مفتاح لبناء الديمقراطية والسلام في العراق.
السؤال هو، هل يتعظ الساسة العراقيون من أخطاء الماضي و يتجنبون الكوارث بتركهم عقلية نفي الآخر وإزدراء الوقائع و الإنفراد والإستئثار والهيمنة والإحتكار والعقليات الإستبدادية أو الشمولية اللاهوتية منها والناسوتية ويتبعون طريق الحوار في إدارة مشاريعهم السياسية بإستخدام عقلية التضامن والشراكة وإحترام القانون والرجوع الی المرجعية الدستورية والقانونية. وإذا لم ينزع الساسة العراقيون عباءتهم القومية أو الأصولية ولم يتحرروا من تهويماتهم الإصطفائية ولم يحسنوا التداول فيما بينهم لوقف موجات العنف فسوف تتركهم الحظ کي يلعبوا دورهم كوسيط فعّال في إستحداث آفاق جديدة للتعايش السلمي و تعزيز مبادیء الفدرلية و الديمقراطية وقواعد الحياة المدنية في الواقع العراقي المعولم.
وختاماً: لنطلق و نشغّل قوانا الحية والخلّاقة التي تکبحها الإفكار الشوفينية والعقائد المغلقة والنخب الفاشلة والإدارات الفاسدة والعقليات الكسولة والثقافة الفقيرة والنماذج الإرهابية القاتلة، لجعل الممتنع ممكناً والعصيّ قابلاً للتناول و لکي نخلق الأفكار الخصبة والأطر الملائمة أو المعالجات الناجحة والتدابير الفعالة و نبتكر و نغيّر و نشارك في بناء عراق فدرالي ديمقراطي تعددي يشوّق بقية أطياف الشعب العراقي في الوسط والجنوب و حتی في المنطقة الغربية، بأن تقتدي بنموذج إقليم كوردستان الناجح."
