وهل كانت امريكا مديونة للجولاني؟
سردار هركي
يثير تصريح المبعوث الأمريكي توم باراك، القائل إن الولايات المتحدة «ليست مديونة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) لكي يكون لها كيان أو حكم مستقل في سوريا»، قدراً كبيراً من الدهشة والاستغراب، بل ويبدو في جوهره تصريحاً مبكياً ومضحكاً في آن واحد. فبعيداً عن اللغة الدبلوماسية الباردة، يطرح هذا الموقف سؤالاً أخلاقياً وسياسياً عميقاً: لمن تدين أمريكا فعلاً في سوريا؟
قوات سوريا الديمقراطية لم تكن قوة عابرة أو فصيلاً هامشياً في المشهد السوري، بل كانت في طليعة القوى التي واجهت تنظيم داعش، وقدّمت آلاف الضحايا دفاعاً عن العالم بأسره، لا عن مناطقها فقط. حاربت الإرهاب بشراسة، وملأت فراغاً دولياً في وقت ترددت فيه قوى كبرى عن التدخل المباشر. ومع ذلك، يُقابل هذا الدور بتجاهل سياسي، وكأن التضحيات لا تُحتسب في ميزان المصالح.
في المقابل، يظهر مشهد آخر شديد التناقض: أبو محمد الجولاني، الذي غيّر اسمه إلى أحمد الشرع، في محاولة تجميلية لا تخفى على أحد. الرجل الذي كان، ولا يزال في ذاكرة السوريين، عنواناً للتطرف والإرهاب، ارتبط اسمه بعمليات ترويع المدنيين وفرض أنماط قمعية متشددة. وهو شخص صدرت بحقه قرارات قضائية وتصنيفات دولية تتعلق بارتكاب جرائم ضد المدنيين. لكن، وبقدرة قادر، مُسح تاريخه، وأُعيد تقديمه في مشهد إقليمي ودولي مريب، وكأنه “خيار واقعي” لإدارة الحكم في سوريا.
الأكثر خطورة أن الجرائم والانتهاكات التي تُرتكب اليوم بحق العلويين والدروز، وتارة بحق الكورد، تمرّ في كثير من الأحيان بصمت دولي لافت، بل ويجري أحياناً تبريرها تحت عناوين الاستقرار أو الأمر الواقع. هذا الصمت لا يشرعن فقط القمع، بل يبعث رسالة قاسية مفادها أن حقوق الأقليات ودماء المدنيين يمكن تجاوزها متى ما انسجمت مع حسابات النفوذ.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل أصبحت أمريكا مديونة للجولاني؟ أم أن منطق السياسة الدولية بات يكافئ من يفرض نفسه بالقوة، ويعاقب من قاتل الإرهاب باسم القيم المشتركة؟ إن السماح ببناء دولة على مزاج جماعات متطرفة، وقمع مختلف المكونات السورية دون اعتراض جدي، لا ينسف فقط مبادئ العدالة، بل يقوّض أي أمل بسوريا تعددية مستقرة.
إن تجاهل هذه المفارقة الصارخة لا يضر بسوريا وحدها، بل يضرب مصداقية الخطاب الدولي حول مكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان في الصميم.
