الجولاني قاتل لحماية الرأس وترك الجسد مكشوفاً
سامان بريفكاني
بينما يتوغل الجيش الإسرائيلي في عمق محافظة القنيطرة، تظل الأنظار مشغولة بصراعات داخلية يديرها الجولاني وأزلامه، الذين يركزون على استهداف الكورد والدروز والعلويين بدلاً من مواجهة الخطر الحقيقي على الأرض السورية. هذه المعادلة تكشف خطة واضحة: حماية رأس التنظيم وامتيازاته، وترك بقية جسد سوريا مكشوفاً أمام التهديدات الخارجية. فالهجمات على الكورد ليست سوى ستار لتغطية مكاسب إسرائيلية في الجنوب، وتحويل المعارك إلى صراعات جانبية تُستنزف فيها الموارد والطاقة، بينما تتقدم القوى الإقليمية وفق مصالحها دون رادع.
وهكذا يجد الكورد أنفسهم مرة أخرى في قلب مواجهة لم يفتعلوها، يحمون أرضهم وهويتهم، بينما تُدار اللعبة الكبرى على حدود مكشوفة لم تتحرك أي قوة لحمايتها. من القنوات الرسمية إلى مقالات الرأي المتشنجة، إلى جيوش الحسابات المنظمة، تُبنى سرديات متشابهة: تصوير الكورد كطرف غريب عن هوية المنطقة، رغم أن الوقائع والتاريخ والجغرافيا تقف كلها في صف الحقيقة. خطاب يتجنب مواجهة فشل الأنظمة، ويصنع بدلاً من ذلك أعداء داخليين، وفي مقدمتهم الكورد، لإدامة الخوف والتحشيد القومي.
وفي المشهد السوري الأكثر التباساً، تتجلى هذه اللعبة بأوضح صورها، فبينما تُرك الجنوب السوري مفتوحاً أمام التقدم الإسرائيلي من دون مقاومة حقيقية، كان أبو محمد الجولاني ينشغل بمعارك داخلية تستهدف الكورد والدروز والعلويين، وكأن وظيفة تنظيمه ليست حماية البلاد، بل خلق صراعات داخلية تنهك الجميع. كانت الخطة واضحة: حماية “منطقة الرأس” الخاصة بتنظيمه، وترك بقية جسد سوريا مكشوفاً، مع الهجمات على الكورد كستار لإخفاء مكاسب إسرائيل في الجنوب وصرف الأنظار عن المناطق التي يجدر أن تكون أولويات وطنية قبل أي حسابات أخرى.
إن معادلة ترك الحدود الجنوبية بلا حراسة وافتعال معارك مذهبية وقومية تستنزف المجتمع وتشتت بوصلة البلاد جعلت الكورد مرة أخرى في قلب معركة لم يفتعلوها، بينما تُدار الصفقات على حدود تركت بلا حراسة. ومع ذلك، أثبت الكورد مرة بعد مرة أن قوتهم لا تنبع من رد الكراهية، بل من بناء نموذج يناقض كل هذه السرديات الشوفينية.
تجربة إقليم كوردستان العراق أصبحت برهاناً حيّاً على أن الكورد قادرون على إدارة أنفسهم وبناء نموذج مستقر ومنفتح، لا يشكل تهديداً لأحد، وقد فضح نجاح الإقليم كل الادعاءات التي صوّرت الكورد خطراً على وحدة المنطقة، بينما هم في الحقيقة قوة توازن واستقرار فيها. إن دفاع الكورد عن قوميتهم اليوم ليس صراعاً مع الشعوب العربية، ولا عداءً لأحد، بل هو مواجهة عادلة مع تيارات سياسية وإعلامية جعلت من الكوردي هدفاً دائماً. نحن لا نقاتل الشعوب، بل نقاتل الأفكار التي تسيء إلى الشعوب وتستخدمها وقوداً لمعارك الحكام.
لقد حاولت التيارات الشوفينية إنكار الحقيقة، لكن هذه الحقيقة اليوم باتت واضحة: عاد الكورد إلى مكانهم الطبيعي في الشرق الأوسط، أمة صاعدة، فاعلة، وراسخة، مهما تغيّرت خرائط السياسة، والكورد في كوردستان سوريا، رغم الغدر والتهميش، يثبتون يومياً حقهم الكامل في العيش على أرضهم بهويتهم، لغتهم، وكرامتهم، وإقامة مجتمع يتيح لجميع مكوناته التنوع والحريات والأمان.
الكورد أمة حيّة، وستظل صاعدة، حاضرة، ومؤثرة في إعادة رسم مستقبل الشرق الأوسط، مهما حاولت القوى الإقليمية أن تُخفّض من وهجهم، أو تحصرهم في الهامش.
