دم الجبل لا يشيخ: الپيشمرگة الكوردية ومسيرة الكرامة
د. مهند الجبوري
ليس كل دمٍ يسيل يموت، فهناك دمٌ يتحول إلى ذاكرة، ويكبر مع الزمن، ويصير معنى قبل أن يكون تضحية. دم الپيشمرگة الكوردية من هذا النوع؛ دمٌ لم يُسكب ليُنسى، بل ليبقى شاهدًا على أن الكرامة حين تُحاصر، لا تجد ملجأها إلا في الجبل.
منذ البدايات الأولى لتشكّل الپيشمرگة، لم يكن حمل السلاح فعلًا عابرًا أو مغامرة سياسية، بل كان استجابة وجودية لظروف القهر والإقصاء. الپيشمرگة لم يخرجوا طلبًا للحرب، بل لأن السلام المفروض بلا عدالة لم يكن سوى وجه آخر للاستسلام. وهنا تكمن فرادة التجربة الپيشمرگية؛ فهي تجربة وُلدت من الضرورة الأخلاقية قبل الضرورة العسكرية، ومن الدفاع عن الحق قبل السعي إلى القوة.
الجبل، في الوعي الكوردي، ليس مجرد تضاريس قاسية، بل فضاء للحرية. فيه تعلّم الپيشمرگة أن الانحناء خيار، وأن الوقوف قرار. وعلى سفوحه تشكّلت علاقة استثنائية بين الإنسان والأرض، علاقة جعلت المقاتل جزءًا من المكان، لا دخيلًا عليه. لذلك لم يكن الجبل مأوى ضعف، بل منصة صمود، ومنه انطلقت فكرة أن الكرامة لا تُفاوض.
عبر مراحل تاريخية قاسية، واجه الپيشمرگة حملات قمع وإبادة، من القصف والتهجير إلى الأنفال والسلاح الكيمياوي. ومع ذلك، لم يتحول إلى قوة عمياء أو أداة انتقام. ظل جوهره دفاعيًا، مرتبطًا بحماية الإنسان قبل الأرض، وهو ما منح تجربته بعدًا أخلاقيًا نادرًا في تاريخ الصراعات. فالقوة التي تنفصل عن الضمير تفقد معناها، أما القوة التي يحكمها الوعي فتتحول إلى رسالة.
وفي أكثر اللحظات حرجًا في تاريخ العراق والمنطقة، حين تمدد الإرهاب وانهارت خطوط دفاع كثيرة، وقف الپيشمرگة بثبات. لم يكن حضوره مجرد واجب عسكري، بل موقفًا أخلاقيًا واضحًا. في سنجار ومخمور وكركوك، لم يدافع الپيشمرگة عن الكورد وحدهم، بل عن الإنسان أيًّا كانت هويته. هنا خرج من إطار القوة المحلية إلى فضاء المسؤولية الإنسانية، حين حمى الإيزيديين والمسيحيين والعرب، ووقف سدًا أمام مشروع الإبادة.
سر قوة الپيشمرگة لا يكمن في السلاح وحده، بل في المعنى الذي يحمله. إنه مقاتل يعرف لماذا يقاتل، ويعرف أن المعركة الحقيقية ليست فقط على الأرض، بل على القيم. لهذا لم تستطع الهزائم المؤقتة أن تكسره، لأن من يقاتل وهو يحمل قضية، لا تهزمه لحظة عابرة.
دم الپيشمرگة لا يشيخ، لأنه ليس دم أفراد، بل دم فكرة. فكرة تتوارثها الأجيال، لا بوصفها قصة بطولة فقط، بل بوصفها التزامًا أخلاقيًا. جيل يسلّم جيلًا معنى الكرامة، لا باعتبارها شعارًا، بل ممارسة يومية في مواجهة الظلم والخوف.
اليوم، وفي ظل تعقيدات السياسة وتبدل التحالفات، يقف الپيشمرگة أمام تحدٍ جديد: الحفاظ على نقاء الرسالة وسط ضجيج المصالح. والتحدي الحقيقي ليس في السلاح، بل في ألا تتحول التضحيات إلى مجرد أوراق تفاوض. أن يبقى الپيشمرگة قوة تحمي ولا تقصي، تدافع ولا تنتقم، وتذكّر الجميع بأن الأخلاق حين تغيب عن القوة، تتحول القوة إلى عبء.
في النهاية، الپيشمرگة ليسوا ذكرى تُستحضر في المناسبات، بل حضورًا حيًا في الوعي الجمعي. ما دام هناك طفل ينام آمنًا لأن هناك من اختار الجبل طريقًا، فسيبقى دم الجبل شابًا، عصيًا على الشيخوخة، لأن الكرامة لا تشيخ.

د. مهند الجبوري