إدريس بارزاني.. نحّات جوهر الحراك القومي الكوردي(الكوردايتي) وسط صخور التأريخ
خاص- گولان العربي
عندما نقرأ إدريس بارزاني كـ «نص مفتوح» للحاضر، فإن ذلك يعني أننا أثناء قراءة هذا النص ننفصل عن كيفية كتابته أو من كتبه، بل إن تلك المتعة التي يخلقها النص من جديد داخل شقوق التاريخ تهزنا كالصاعقة. هذا النص الذي وُلد في خضم اللحظات الحساسة والتاريخية الصعبة، ووسط وحشية الأعداء وتشتت البيت الكوردي، لم يعد مؤلفه مجرد قائد ثابت، بل يصبح ذلك الإنسان السامي الذي يبحث عن مخرج وسط حسرة تشتت البيت الكوردي والإرادة الفولاذية للدفاع عن الوجود الكوردي؛ يصبح ذلك النحات الذي ينحت من بين صخور التاريخ جوهر «الكوردايتي» ونبذ التشتت.
داخل هذا النص، تجسد إرادة إدريس بارزاني نفسها كمشروع. وكما يقول سارتر، يتجسد «الإنسان الأكثر اكتمالاً» (The most complete man)، ويصبح هو نفسه المشروع الذي يقرر تنفيذه. لذا، في هذا الإطار، لا تعد إرادة إدريس بارزاني مجرد رغبة بسيطة، بل هي مشروع يتمركز في مفترق طرق «الدفاع الوطني ونبذ التشتت»، وهدفه هو تمتين خنادق الدفاع القومي واجتثاث التشتت من جذوره في تاريخ الحركة التحررية الكوردستانية. فإذا كان التاريخ يفرض أنّ أسمى واجب للإنسان هو النضال من أجل الوصول إلى الحرية، فقد فرض التاريخ على إدريس بارزاني أن يناضل في جبهتين في آن واحد: جبهة لدحر العدو، وجبهة لإعادة ترتيب البيت الكوردي. ومن هنا، وتحت ثقل هذين الواجبين التراجيديين، ألقى على عاتقه الجزء الأكبر من مسؤولية مستقبل الحركة التحررية الكوردستانية. وعندما وصل إلى القناعة بأن الكورد لن يحققوا أي نتيجة دون وحدة الصف ووحدة الخندق، اختار خياراً راديكالياً وقرر أنه مهما كان الثمن، يجب إعادة تنظيم البيت الكوردي وأن تضع الأطراف السياسية الكوردستانية خلافاتها جانباً وتصيغ معاً برنامجاً لمستقبل الحركة المشرق.
الحلم الذي كان يقف وراء ذلك الخيار الراديكالي، تحقق بشكل مباشر وعملي في خنادق البيشمركة في الأشهر الأخيرة من عام 1986، وقبل شهرين من رحيله الجسدي، من خلال توقيع اتفاقية السلام بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، حيث وُلدت «الجبهة الكوردستانية». لكن رحيل إدريس بارزاني وحملات الأنفال السيئة الصيت والقصف الكيمياوي لعموم كوردستان، كانت أسباباً في تأجيل الإعلان الرسمي عن الجبهة الكوردستانية حتى عام 1988. وهذا هو الجلال الذي توقف عنده «رولان بارت» في حديثه عن «لذة النص» حين قال: «إن عظمة لذة النص تكمن في أنه يظهر بشكل أكثر هيبة في غياب مؤلفه». لذا، فإن ذلك النص الذي أصبح إطاراً لإعادة تنظيم البيت الكوردي وتأسيس الجبهة الكوردستانية، زرع بذوره كنص حي في غياب إدريس بارزاني، وتجسد في ربيع عام 1991 ضمن إرادة انتفاضة شعب كوردستان، حيث نال جزء من كوردستان حريته لأول مرة في التاريخ، وعلى أرض هذا الجزء المحرر، وبعد إجراء الانتخابات، تأسس البرلمان وحكومة إقليم كوردستان لأول مرة في تاريخ الحركة التحررية الكوردستانية.
إن ثنائية «الدفاع الوطني ونبذ التشتت» هما رمزان (كودان) معقدان داخل هذا النص؛ لذا عندما نريد إعادة قراءة هذا النص، لن نفهم عظمة تلك الإرادة دون فك هذين الرمزين، حيث حول النص الإرادة ذاتها إلى مشروع لحل مشكلتين كبيرتين ومعقدتين ومتناقضتين في وقت واحد. ولكن عندما نفقد «كلمة المرور» لأحد الرموز ولا نستطيع فك شفرته، فإننا نضيع داخل النص ولا نستطيع قراءة حاضرنا من خلاله، أو نقف عاجزين عن إضافة هوامش جديدة للنص لنصبح نحن أيضاً، مثل إدريس بارزاني، أصحاباً لهذا النص المهيب. وهذا يعني أنه لو كان إدريس بارزاني بيننا الآن وقرأ ذلك النص مرة أخرى، فمن المؤكد أنه لن يرضى بأصل النص، بل سيعيد صياغته وفقاً لظروف ومتطلبات العصر الحالي، وربما أضاف إليه أجزاءً جديدة؛ ولكن لأننا أضعنا كلمة المرور لرمز «نبذ التشتت»، فإن هذا التشتت الحالي في البيت الكوردي أصبح كالنخر الذي يأكل فوهة بندقية حريتنا.
عندما يتحدث الرئيس بارزاني عن منطق وحكمة إدريس بارزاني، فإنه لا يتحدث عنه كأخٍ فحسب، بل كرفيقين في نهج واحد وخندق واحد للكوردايتي، وأكثر من ذلك يقول لنا بصراحة تامة: «لو كان القدر بيد الإنسان نفسه، لربما اخترتُ أنا ذلك القدر». هذه الكلمات الرفيعة للرئيس بارزاني، التي تشبه ما كتبه غاندي لـ طاغور، لا يوجد شخص آخر في هذا العالم يمكنه تعريف إدريس بارزاني لنا بهذا المستوى العالي سواه، وهو بذلك يؤكد حقيقة أكبر حين يقول: «إدريس كان يحمل كل صفات الجناب البارزاني».
الرئيس بارزاني وإدريس بارزاني، اللذان كانا بعد عودة الزعيم مصطفى بارزاني من الاتحاد السوفيتي السابق عام 1958 إلى أرض الوطن، تلميذين مقربين جداً بين يدي مصطفى بارزاني، ثم ناضلا كبيشمركة في مقره، وبعد النكسة حضرا معاً عند مصطفى بارزاني ونالا الرخصة لإشعال ثورة كولان، وظل كل منهما مكملاً للآخر حتى عام 1987؛ فمن المؤكد أنه لا يوجد شخص أقرب إلى إدريس بارزاني من الرئيس بارزاني. كان الرئيس بارزاني يدرك تماماً أنه برحيل إدريس بارزاني الجسدي، فإن مهام الأخير ستقع أيضاً على عاتقه، وأنه يجب أن يتحمل مسؤولية تلك الأمانة التي وضعها الزعيم مصطفى بارزاني على كاهلهما. لذا، وحده الرئيس بارزاني يعرف حجم الفراغ الذي تركه رحيل إدريس بارزاني، وكما رأينا في المؤتمر الرابع عشر للحزب الديمقراطي الكوردستاني عام 2022، عندما تحدث الرئيس عنه بعد 35 عاماً من رحيله، شعرنا وكأن أربعينية الفقيد لم تنتهِ بعد. هذا العطف والوفاء من الرئيس بارزاني لرفاقه في النضال هو بنفس مستوى عطفه ووفائه لأخيه، ولعل أبرز مثال هو مراسم دفن الدكتور روج نوري شاويس، حيث أظهر الرئيس بارزاني بدموع عينيه أسمى آيات الوفاء؛ وهذا يثبت لنا أنه بالنسبة للرئيس بارزاني، صحيح أن إدريس بارزاني كان شقيقه، ولكن الأهم من الأخوة هو أنهما كانا رفيقي نضال في نهج واحد وبيشمركة في خندق واحد للحركة التحررية الكوردستانية لمدة تقارب 40 عاماً.
داخل هذا الشعور العالي للرئيس بارزاني، يتجسد نوع من الإعجاب بشخص إدريس بارزاني، ولكنه ليس إعجاباً بسيطاً، بل هو إعجاب بالمعنى الذي جسد فيه «جاك دريدا» إعجابه بمانديلا. بمعنى أنه إذا كان مانديلا قد فكك قوانين نظام الفصل العنصري داخل السجن، وحول نفسه إلى قاضٍ في المحكمة وحول القضاة إلى متهمين، فإننا نرى في إعجاب الرئيس بارزاني بإدريس بارزاني تلك الإرادة في كيفية قيام إدريس بارزاني، كزميل مخلص ومع الرئيس بارزاني من داخل كهوف الجبال، بتفكيك ثنائية «الدفاع الوطني ونبذ التشتت»، وجعلا «التشتت» العدو رقم واحد والألد للكوردايتي داخل إطار الحركة التحررية، وجعلا المحتلين عدواً ثانوياً ورقم اثنين. إنه معجب بكون الحركة التحررية الكوردستانية في أجزاء كوردستان الأربعة ليس أمامها اليوم أي طريق آخر سوى أن نهتف جميعاً بصوت واحد «تباً للتشتت»، وكما أعلن الرئيس بارزاني قبل أيام من روما للعالم أجمع: «سنبذل كل جهودنا لحل قضية غرب كوردستان مع سوريا سلمياً، ولكن إذا كان هدفهم الاعتداء على الكورد وإبادتهم، فلن نقبل ذلك وسنصبح جميعاً يداً واحدة». والأهم من ذلك، فإن انسجام الرأي العام في أجزاء كوردستان الأربعة مع هذه الرسالة الوطنية للرئيس بارزاني، يعني أن الرئيس بارزاني لا يزال هو نفس ذلك البيشمركة في عام 1962، وعهده الأول هو «نبذ التشتت»، وعهده الثاني هو الدفاع عن حقوق الكورد في جميع الأجزاء مهما كان الثمن والتضحيات. وهذا هو الأمل الذي ناضل من أجله إدريس بارزاني وضحى بروحه في سبيله.
اليوم ونحن نحيي الذكرى التاسعة والثلاثين لرحيله الجسدي، من المهم جداً أن نقرأ إدريس بارزاني كـنص مفتوح لحاضرنا. وبشكل أكثر صراحة، لا ينبغي أن نبحث عما كان يقصده أو كيف اتخذ قراره، بل يجب أن نقرأه من زاوية كيف كان يريد تقاسم مهام الثورة مع الرئيس بارزاني وأن يكون عوناً وفياً لنهج بارزاني. تلك المهمة التي وضعها فكر وعقيدة بارزان كأمانة على عاتق الرئيس بارزاني وإدريس بارزاني، وعلى عاتق كل بيشمركة وأتباع هذا النهج؛ تطالبنا ألا نخون الأمانة، وأن نكون جميعاً مثل إدريس بارزاني عوناً للرئيس بارزاني لكي نجتاز معاً هذه المنحدرات الصعبة ونحتفل معاً بالنصر والحرية فوق قمم الجبال.
في الوقت الراهن والمرحلة الحساسة التي تمر بها أمتنا، فإن ذلك العدو اللدود والوحشي الموجود داخل كل بيت كوردستاني وأصبح يهدد وجودنا وكرامتنا القومية، هو «التشتت». لذا فإن إدريس بارزاني يقول لنا: «ليكن خندقكم الأول هو نبذ التشتت، وخندقكم الثاني هو الدفاع الوطني. فإذا كنتم في الخندق الأول عوناً وسنداً للرئيس بارزاني لـ (نبذ التشتت)، فستنتصرون بسهولة في الخندق الثاني، وهو الدفاع الوطني، بقيادة الرئيس بارزاني».

گولان میدیا