• Saturday, 31 January 2026
logo

مسعود البارزاني سفينة السلام العالمية

مسعود البارزاني سفينة السلام العالمية

 بقلم الدكتور مهند الجبوري

يمثل مسعود البارزاني في التجربة السياسية المعاصرة حالة فريدة تتجاوز حدود الجغرافيا الكوردية لتلامس فضاءً إنسانيًا أوسع، قوامه البحث الدائم عن السلام بوصفه خيارًا أخلاقيًا واستراتيجيًا في آن واحد. إن توصيفه بسفينة السلام العالمية ليس توصيفًا بلاغيًا عابرًا، بل قراءة تحليلية لمسار طويل من القيادة المتزنة التي واجهت أعاصير الحروب والتناقضات الإقليمية والدولية دون أن تنكسر بوصلتها أو تنحرف عن وجهتها الأساسية، وهي صون كرامة الإنسان وبناء الاستقرار.

تتجسد في شخصية مسعود البارزاني معادلة نادرة تجمع بين الإرث النضالي التاريخي لعائلة البارزاني ومتطلبات الدولة الحديثة التي تقوم على الحوار والمؤسسات واحترام التعدد. لقد ورث قضية مثقلة بالدم والجراح، لكنه اختار أن يعيد تعريف الصراع من كونه مواجهة دائمة إلى كونه مسارًا تفاوضيًا عقلانيًا يهدف إلى تحويل الألم الجمعي إلى مشروع سياسي قابل للحياة. من هنا تبدو قيادته كالسفينة التي تحمل ذاكرة المعاناة لكنها تمخر عباب المستقبل بثبات وحكمة.

في المحطات المفصلية من تاريخ العراق والمنطقة برز دور مسعود البارزاني بوصفه صمام أمان لا طرفًا في إشعال الأزمات. ففي أحلك لحظات الانقسام الطائفي والسياسي كان صوته يميل إلى التهدئة والدعوة إلى الوفاق الوطني، مؤمنًا بأن استقرار كوردستان لا ينفصل عن استقرار العراق وأن السلام الحقيقي لا يتجزأ. هذا الفهم العميق للعلاقات المركبة جعله فاعلًا مقبولًا إقليميًا ودوليًا وقادرًا على نسج علاقات متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل لا على التبعية.

ويكتسب توصيفه كسفينة سلام بعده الإقليمي الأوضح في موقفه من الأزمة السورية. فمنذ تعقّد المشهد السوري أدرك مسعود البارزاني أن انزلاق البلاد إلى حرب مفتوحة سيحمل أثمانًا كارثية على شعوبها، وفي مقدمتهم الكورد. لذلك تبنى خطابًا يدعو إلى التهدئة وضبط السلاح وتقديم الحل السياسي بوصفه الخيار الأكثر عقلانية. لم يسعَ إلى توسيع رقعة الصراع، بل عمل على تحييد المجتمع الكوردي السوري عن مسارات الاستنزاف الدموي.

أما موقفه من الحقوق الكوردية السورية فقد اتسم بالوضوح والاتزان. إذ أكد باستمرار أن الكورد السوريين مكوّن أصيل من الدولة السورية وأن حقوقهم القومية والثقافية والسياسية لا تتحقق عبر التفكيك أو القطيعة، بل من خلال الاعتراف الدستوري والحوار الوطني الشامل. هذا الموقف منح خطابه مصداقية عالية وكرّس صورته كقائد لا يوظف القضية الكوردية في مشاريع صدامية، بل يسعى إلى إدماجها ضمن أفق الدولة المستقرة.

وفي أكثر مراحل الصراع السوري حساسية لعب مسعود البارزاني دورًا محوريًا في تقريب وجهات النظر بين القوى الكوردية السورية المختلفة، داعيًا إلى تجاوز الانقسامات الأيديولوجية الضيقة وبناء موقف سياسي موحد يحفظ كرامة الشعب الكوردي ويمنع استخدامه وقودًا لصراعات الآخرين. كما أسهمت مساعيه السياسية الهادئة في تهيئة مناخ مناسب للحوار بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية، انطلاقًا من قناعته بأن الصدام المباشر لن يخدم أي طرف وأن التفاوض هو السبيل الواقعي لتجنيب شمال وشرق سوريا مزيدًا من الدمار وعدم الاستقرار.

إن البعد العالمي في تجربة مسعود البارزاني يتجلى في قدرته على مخاطبة الضمير الدولي بلغة الحقوق لا بلغة السلاح. فقد نجح في نقل القضية الكوردية من هامش الصراعات المنسية إلى دائرة الاهتمام الدولي بوصفها قضية شعب يسعى إلى العيش بسلام ضمن منظومة القيم الإنسانية. ولم يكن ذلك عبر خطاب عاطفي مجرد، بل عبر ممارسة سياسية مسؤولة أثبتت أن الكورد قادرون على بناء نموذج نسبي للاستقرار في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا.

وعلى المستوى الفلسفي يمكن قراءة مشروع مسعود البارزاني بوصفه محاولة لإعادة تعريف القوة السياسية. فالقوة في رؤيته لا تختزل في التفوق العسكري، بل في القدرة على تجنب الحرب حين يكون السلام أكثر نجاعة. هذه المقاربة جعلت من كوردستان مساحة تلاقٍ لا ساحة صدام وملاذًا نسبيًا للأقليات والنازحين ومنحت التجربة بعدًا أخلاقيًا يتجاوز الحسابات البراغماتية الضيقة.

إن وصف مسعود البارزاني بسفينة السلام العالمية يكتسب معناه العميق من كونه قائدًا أدرك أن الشعوب المتعبة من الحروب تحتاج إلى من يقودها بثقة لا بعصبية وبحكمة لا بمغامرة. لقد حمل مسؤولية تاريخية جسيمة واستطاع أن يوازن بين الثوابت القومية ومتطلبات السلم الإقليمي والدولي، مثبتًا أن القيادة الحقيقية هي التي تعبر بالناس من زمن الصراع إلى أفق الأمل. وهنا تكمن عظمة التأثير في أن تتحول التجربة من سيرة سياسية إلى درس إنساني عميق في معنى السلام الممكن.

 

Top