أربيل.. بوابة واشنطن الجديدة
سامان بريفكاني
في حدث دبلوماسي بارز حمل رسائل تتجاوز حدود البروتوكول، افتتحت الولايات المتحدة قنصليتها الجديدة في أربيل، أكبر مقراتها الدبلوماسية على مستوى العالم. افتتاحٌ أرادت واشنطن من خلاله ترسيخ حضورها وتعميق شراكتها مع إقليم كوردستان، في وقت لفت الأنظار غيابُ مسؤولي الحكومة الاتحادية وقادة الأحزاب في بغداد، وسط ترجيحات بأن الدعوات وُجّهت بعناية واقتصرت على قيادات الإقليم فقط.
إنه إعلان سياسي واضح وصريح عن شكل الدور الذي تسعى الولايات المتحدة إلى ترسيخه في الإقليم والعراق خلال المرحلة المقبلة. ففي اللحظات الأولى للافتتاح، بدا أن واشنطن أرادت لهذه الخطوة أن تكون بمثابة خارطة طريق جديدة لعلاقتها مع كوردستان، تجدد فيها التزامها الطويل، وتعيد تثبيت معادلة الشراكة التي تأسست منذ عقود في منطقة تتداخل فيها التحولات والتحديات الأمنية والسياسية.
وبرز خلال الافتتاح غياب كامل لمسؤولي الحكومة الاتحادية في بغداد وقادة الأحزاب السياسية العراقية، وهو غياب أثار استغراب المراقبين وفتح باب التساؤل، لماذا لم يحضر أي مسؤول فيدرالي هذا الحدث الدبلوماسي الكبير؟ خصوصاً في ظل تداول معلومات تفيد بأن الولايات المتحدة قد تكون لم توجه دعوات رسمية لهم. هل أرادت واشنطن أن تبقي مراسم الافتتاح محصورة بإقليم كوردستان فحسب، لإرسال رسالة واضحة عن طبيعة العلاقة المباشرة التي تبنيها مع الإقليم بعيداً عن التعقيدات السياسية في بغداد؟ أم أن الأمر مجرد ترتيب بروتوكولي خاص بالافتتاح؟ أم يكون غيابهم قد يعكس خوفهم من ردود فعل شعبية أو اتهامات بالانحياز لقوى أجنبية، في ظل بيئة سياسية داخلية متوترة وحساسة.
هذا الغياب غير المعتاد يطرح علامات استفهام كبيرة حول كيفية مقاربة الولايات المتحدة لملف علاقتها المتوازنة بين بغداد وأربيل، وهل قد يشير إلى تحول في طريقة تعاملها مع المؤسسات الاتحادية مستقبلاً؟
إن افتتاح القنصلية الأميركية الجديدة في أربيل يأتي في لحظة حساسة من تاريخ العراق والمنطقة، ويشكل رسالة متعددة الاتجاهات. فهو رسالة لأربيل بأن واشنطن ترى في الإقليم ركيزة للاستقرار وشريكاً ثابتاً في ملفات الأمن والاقتصاد والتنمية. وهو في الوقت نفسه رسالة إلى بغداد بأن العلاقة الأميركية – الكوردستانية تتقدم بخطى ثابتة، ولكن دون المساس بوحدة العراق أو مكانة الحكومة الاتحادية. كما يحمل الافتتاح دلالات إقليمية واضحة، فهو يأتي في سياق تتنامى فيه التهديدات من الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، ليؤكد بأن حضور الولايات المتحدة في أربيل ليس طارئاً ولا قابلاً للتراجع، بل حضور طويل الأمد يرسم خريطة جديدة للقوة والنفوذ في شمال العراق.
والرسالة الأكبر تتجسد في حجم المشروع نفسه: مبنى ضخم بهوية معمارية ودلالات استراتيجية، يعكس اهتماماً متزايداً بملفات الاقتصاد والطاقة والاستثمار في كوردستان، ويحوّل القنصلية إلى مركز سياسي وأمني واقتصادي في آن واحد، قادر على إدارة ملفات تتجاوز الحدود الجغرافية للإقليم.
وبين تأكيد واشنطن على ثبات شراكتها، وخطاب قيادة الإقليم الذي شدد على نهج الاستقرار والتنمية والتعايش، تبدو القنصلية الجديدة بوصفها نقطة انطلاق لمرحلة مختلفة تماماً في العلاقة بين الجانبين. إنها ليست مجرد مبنى، بل عنوان لفصل جديد تُكتب صفحاته بهدوء، لكن بمعانٍ كبيرة… فصل تؤكد واشنطن فيه حضورها، ويعلن فيه الإقليم ثقته بأن المستقبل يُصنع بالشراكات لا بالصراعات، وبالإرادة لا بالمصادفات.
