• Saturday, 31 January 2026
logo

السياسة على دروب الشعر: ملا جزيري إلى البارزاني هويّة لا تعرف الحدود

السياسة على دروب الشعر: ملا جزيري إلى البارزاني هويّة لا تعرف الحدود

شفان ابراهيم

في صباحٍ يتوشّحُ بألوان الجبال الكوردية، وصل الرئيس مسعود بارزاني إلى شرناخ، تلك المدينة التي طالما شكّلتها الريحُ على صورة مقاومة، وتخطّت تاريخها حدود الخرائط. جاء ليشارك في مؤتمرٍ يُخلّد اسم ملا جزيري، الشاعر الذي تحوّلت كلماته إلى وطنٍ بديل حين كان الوطن محاصراً بالغياب.

هذه الزيارة ليست بروتوكولاً عابراً، ولا حدثاً سياسياً يُسجَّل في نشرات الأخبار. إنّها عودة الروح إلى جسد الجغرافيا الكوردية الممزّقة بين الأسلاك والأسوار. حين يخطو البارزاني نحو شرناخ، فإنّه يمشي في ذاكرة شعبٍ ما زال يرفع أغنياته على جسور الفرات والخابور ودجلة، ويريد أن يقول: نحن هنا باقون ما بقيت الجبال.

شرناخ ليست مدينة فقط؛ إنّها فصلٌ كامل من حكاية الكورد. فيها عرفوا معنى البعد، ومعنى القرب. فيها تحدّثت الأمُ بالكوردية خلسةً كي لا يسمعها الحارس، وفيها كتب الطفل على جداره الاسم الذي ورثه دون أن يتعلّمه من كتاب.

لكن خلف الحضور العاطفي، تكمن رسائل سياسية واضحة، عميقة ومتجذّرة:

أولتها: تأكيد وحدة الأمة الكوردية عبر حدودٍ لم يرسمها الكورد يوماً. زيارة البارزاني لشرناخ هي إعلان أنّ الجبال لا تعترف بالفواصل، وأنّ الثقافة قادرة على اختراق الجغرافيا ونسف القيود.

ثانيتها: دعم الهوية الكوردية في المناطق التي واجهت أشدّ أنواع التذويب والاضطهاد. الرسالة هنا تقول: من أراد محو الصوت الكوردي… فها هو اليوم يرتفع أعلى من أي زمنٍ مضى.

ثالثتها: ردّ اعتبار للأدب والفكر كجزء من النضال القومي. ملا جزيري كان فقيهاً وعاشقاً ومقاتلاً بالحرف. تكريمه يعني حماية الذاكرة، وتحصين المستقبل بتراثٍ لا يمكن مصادرته.

رابعتها: فتح نافذة سياسية جديدة بين الكورد والكورد، بين الجنوب والشمال، بين أربيل وشرناخ. فالتواصل ليس ترفاً؛ بل ضرورة لحماية المصير المشترك.

خامستها رسالة ثقة للشعب بأنّ القضية أكبر من الأحزاب والحكومات، وأنّ من يحمل إرث بارزاني الأب لا ينسى أي شبرٍ من أرض الروح.

سادستها: أن البارزاني الأبن لا ينسى كورده دوماً وأبداً، وعملية السلام ستمضي، وسيذود عنها.

وربما يحمل الرئيس في خطوته تلك معنى آخر: أنّ السياسة دون جذور ثقافية تتحوّل إلى رياحٍ تضلّ الطريق، وأنّ حماية الأرض تبدأ من حماية القصيدة، وأنّ الأوطان التي تُبنى على الذاكرة لا تهزمها العصور ولا المتغيّرات.

إنّها زيارة احتضانٍ للغائب، وتصالحٍ مع جراحٍ ما زالت تنزف صامتة في أعماق القلوب. وهي أيضاً وعدٌ بأنّ إرث ملا جزيري لن يبقى بين صفحات الكتب فقط، بل سيظل حياً في اللغة والهويّة والأغاني التي تورّثها الجدّات لأحفادهنّ.

البارزاني في هذه الأرض هو ابنٌ عائد إلى بيته القديم. لم يأتِ ليصنع صورةً أمام العدسات، بل ليقول إنّ الثقافة ليست ترفاً قومياً، بل سلاحاً من نور. ملا جزيري لم يكن رجل شعرٍ فحسب؛ كان معبراً نحو الذات الكوردية، نحو ذلك الحلم الذي لا يزال ينتظر اكتماله. حين يحتفى بذكراه في شرناخ، فإنّ الشعر يستعيد دوره كراية، والكلمة تعود لتكون جسراً بين كوردستان المقسّمة، شرقاً وجنوباً وغرباً وشمالاً.

وربما يحمل الرئيس في خطوته تلك رسالة أعمق:
أنّ السياسة دون جذور ثقافية تتحوّل إلى رياحٍ تضلّ الطريق.
وأنّ حماية الأرض تبدأ من حماية القصيدة.
وأنّ الأوطان التي تُبنى على الذاكرة، لا يمكن لأي جدار أن يحجب نورها.

هذه الزيارة احتضانٌ للغائب، وتصالحٌ مع جراحٍ ما زالت تنزف صامتة في صدور الأمهات. وهي أيضاً وعدٌ للجيل الجديد بأنّ إرث ملا جزيري سيبقى حيّاً، لا في الكتب فقط بل في ملامح وجوههم ولهجتهم وضحكاتهم.

في شرناخ اليوم، امتزجت السياسة بالشعر، وتلاقت العاطفة مع العقل القومي. ارتفع اسم البارزاني إلى جانب اسم ملا جزيري، كأنّ التاريخ يكتب فصلاً جديداً، لا يكون فيه الماضي مجرّد ذكرى، بل رفيقاً يمشي إلى جانب المستقبل.

وهكذا تتحول زيارة إلى عُمق قومي ثقافي، وبرسالة واضحة: لا مشروع قومي دون بُعد وعُمقٍ ثقافي إعلامي.

 

 

 

Top