• Saturday, 31 January 2026
logo

الديمقراطية ذات الأنياب في العراق: حماية من الداخل

الديمقراطية ذات الأنياب في العراق: حماية من الداخل

محي الانصاري

 

لا تنهار الديمقراطيات عادةً بصوتٍ مدوٍّ، بل تتآكل من الداخل، بصمت، على يد أولئك الذين يرفعون شعاراتها ويهدمون مؤسّساتها. كثير من الأنظمة الديمقراطية، خاصة الناشئة منها، تسقط ليس بفعل انقلاب عسكري، بل بسبب عجزها عن الدفاع عن ذاتها، وخوفها من الصدام مع المليشيات، أو تغاضيها عن تغول الفساد، أو سكوتها الطويل عن "الدين المسلّح".

الديمقراطية ليست ناعمة دائماً

ثمة صورة نمطية خادعة تُقدَّم عن الديمقراطية على أنها نظام ضعيف، مسالم، مفتوح على كل الفوضى. لكن الحقيقة أن الديمقراطيات الراسخة لا تبقى لأن شعوبها طيبة، بل لأنها تملك أنياباً قانونية ومؤسّساتية دستورية حاسمة تحمي النظام من التخريب والتغلغل والاستلاب.

في فرنسا، لا يسمح القانون لحزب لا يعترف بالجمهورية أن يترشّح للانتخابات. وفي ألمانيا، تُحظر التنظيمات التي تهدد النظام الدستوري، ويُلاحق خطاب الكراهية قانونياً، حتى لو أتى من نواب منتخبين. وفي تركيا، رغم الجدل حول التوازنات، فقد استخدم النظام الديمقراطي أدواته التشريعية والمؤسّساتية لحظر تنظيمات عُدّت تهديداً للنظام العام أو ذات ارتباط خارجي. هذه الدول تدرك أن الديمقراطية لا تُحمى بالحياد السلبي، بل بقدرة الدولة على الدفاع عن روحها الدستورية.

ديمقراطية بلا أنياب: النموذج العراقي

أما في العراق، فقد بُنيت ديمقراطية بلا مخالب، وبلا ذاكرة سياسية تستند إلى الدولة الحديثة. ديمقراطية قامت على المحاصصة لا على التمثيل الحقيقي، وعلى التغاضي لا على المحاسبة، وعلى الترضيات لا على المشروعية. ومنذ عام 2003، أخذت الدولة شكلاً هجيناً: سلطة سياسية مقيّدة بإرادات داخلية وخارجية، ومؤسّسات يُخترق بعضها بسهولة، ولا تملك غطاءً سيادياً موحّداً.

في هذا النموذج، صار من الطبيعي أن يُستهدف الناشط ولا يُعاقب الجاني، وأن يُهاجم القضاء حين يقترب من ملفات السّلاح، وأن يُمنح "الزّعماء" مساحة فوق القانون، بحجة الموازنة بين القوى. ومع تزايد هذا التآكل، أصبحت الديمقراطية واجهة لدولة رخوة، بلا أدوات ردع، بلا سيادة تنفيذية، وبلا قدرة على حماية ذاتها من التصدع.

الدولة على حافة الانهيار

اليوم، تقف الدولة العراقية على حافة الانهيار، لا بسبب مؤامرة خارجية فحسب، بل نتيجة هشاشة داخلية متراكمة. فشل مؤسّسات ما بعد 2003 في إنتاج حكم فاعل، وضياع الهوية الوطنية بين الطائفية والولائية، واستمرار تغوّل السلاح والمليشيات، كلّها عوامل دفعت النظام إلى نقطة اللايقين. لم يعد السؤال: كيف نطوّر ديمقراطيتنا؟ بل: كيف نمنع انهيار ما تبقى من الدولة؟

الديمقراطية ذات الأنياب: الضمان الوحيد للبقاء

في مثل هذه اللحظة، لا يكفي أن ندعو إلى "إصلاح سياسي" أو "انتخابات شفافة"، تلك شعارات تفقد معناها ما لم ترتبط بإرادة حماية الدولة، وبنية مؤسّساتية قادرة على الردع، ومجتمع سياسي يقف مع القانون لا مع الزعيم.

إنّنا بحاجة إلى ديمقراطية ذات أنياب، لا تهاجم الناس، بل تحمي النظام. لا تقمع، بل تمنع القمع. لا تخضع لمن يرفع السلاح، بل تعيد السلاح إلى مكانه الوحيد: تحت سلطة الدولة، التي تحتكر العنف المشروع.

وهنا، يصبح جوهر الديمقراطية العراقية الجديدة هو القدرة على:

ـ محاسبة كل من يتجاوز على القانون، بغضّ النظر عن صفته أو مكانته أو مرجعيته.

ـ ضبط العلاقة بين الدين والسياسة، ورفض تغليف السلاح بخطاب مقدّس.

ـ تحرير الأمن الوطني من الولاءات الثنائية أو المناطقية.

ـ ترسيخ قضاء مستقل لا يتأثر بالضغوط السياسية أو تحالفات اللحظة.

تجارب مقارنة: بين التماسك والانهيار

ليست هذه أفكاراً مثالية. خذ مثلاً تجربة تونس بعد الثورة، حين كادت الدولة تنزلق إلى الفوضى بسبب هشاشة مؤسّساتها أمام الاغتيالات السياسية، لكن بعض الأدوات الصلبة في النظام، مثل المحكمة الدستورية وهيئة الانتخابات، استطاعت أن تُبطئ الانهيار، ولو مرحلياً.

في المقابل، فشلت ليبيا ولبنان في حماية الديمقراطية الهشة فيهما، لأنّ مؤسّسات الدولة فيهما تُركت بلا حماية، وتحوّل النظام إلى رهينة لسلاح خارج القانون.

العراق اليوم أقرب إلى السيناريو اللبناني، لا من حيث الشكل الطائفي فحسب، بل من حيث تآكل الردع، وشلل الدولة أمام القوى الموازية، والعجز المستمر عن فرض القانون بالتساوي.

ما الذي نحتاجه في العراق؟

لعلّ أهم ما يمكن أن تستعيده الدولة العراقية اليوم هو قدرتها على القول والفعل: أن تقول "لا" لمن يبتز النظام بالسلاح، وأن تفعل وفق القانون، لا وفق موازين التهديد أو الولاء.

ولتحقيق ذلك، نحن بحاجة إلى:

ـ تطبيق قانون الأحزاب الحالي، المعطّل، أو تشريع قانون أحزاب جديد يمنع تشكيل أو تمويل أو تسليح أي كيان سياسي خارج الأطر الدستورية، ويجرّم التبعية للخارج.

ـ إعادة هيكلة المنظومة الأمنية لتكون خاضعة تماماً للقيادة المدنية المنتخبة.

ـ تأسيس مركز سياسات وطني يحمي الدستور من التأويلات الخبيثة، يتفرع عنه نظام عدالة انتقالية يضمن محاسبة من تلطخت أيديهم بدماء أو أموال العراقيين.

ـ إعلام حر ومستقل يستطيع كسر احتكار الرواية، والرد على التضليل، وبناء وعي وطني جامع.

من أجل بقاء الدولة لا النظام فحسب

الديمقراطية ليست صناديق اقتراع ومجالس نواب فحسب، إنها القدرة على حماية النظام من العبث، فالحريات لا تُحمى بالنيّات الطيبة، بل بالمؤسّسات الصلبة. والدول الحرة لا تبقى حرّة إلّا إذا امتلكت الأدوات التي تردع بها من يسعى إلى تقويضها.

إن ديمقراطية لها أنياب لا تضمن حماية الحقوق فحسب، بل تحفظ وجود النظام نفسه من الانهيار. نحتاجها الآن، أكثر من أي وقت مضى، لمنع لحظة الانفجار القادمة. ولإعادة تعريف العراق بصفته دولةً لا ساحة، ووطناً لا فراغاً دستورياً قابلاً للنهب.

 

 

 

 

Top