نوروز.. بعث النور وإطفاء الشموع: جريمة قتل د. البوطي وسياقها السياسي
علاء الدين آل رشي *
لطالما كان عيد نوروز رمزًا للخلاص والتجدد، يومًا تحتفي فيه الكورد بانتصار النور على الظلام، وتُشعل فيه النيران إعلانًا لميلاد عهد جديد.
لكنه في سوريا، البلد المعتم الذي أُريد له أن يظل أسير الطغيان والاستبداد، لم يُسمح للنور بالاستمرار، فكان لا بد من إطفاء إحدى شموعه الأكثر إشعاعًا: الشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله تعالى.
في مثل هذه الأيام من عام 2013، اغتيل د. البوطي في داخل مسجد الإيمان بدمشق، بعد تفجير قنبلة صوتية حيث قُتل وهو يلقي درسه، وذهب ضحية الحادث العشرات من طلابه ومريديه في نهاية غامضة حتى اللحظة.
ومنذ اللحظة الأولى، حاول النظام السوري استغلال الحدث، مقدمًا إياه كضحية لـ"الإرهاب"، بينما كان المستفيد الأول والأكبر من مقتله.
لقد أراد النظام أن يستفيد من جريمة قتل البوطي مرتين:
أولًا، عبر التخلص من عالم لم يكن مطيعًا بالكامل، ولم يكن قابلًا لأن يتحول إلى مجرد بوق دعائي له.
ثانيًا، عبر استخدام دمه أداةً لتشويه الثورة، والإيحاء بأن كل من يعارضه أو يقف على الحياد سيكون ضحية "الإرهاب الأعمى".
لم يكن الشيخ البوطي داعية حرب أو تحريض، ولم يكن في المقابل منخرطًا في مشاريع النظام بشكل كامل. كان يدعو إلى حقن الدماء ويرفض حمل السلاح، لكن هذا لم يكن كافيًا لينجو. ففي سوريا، إما أن تكون مع النظام بكل ما يعنيه ذلك، أو تكون عدوًا يجب تصفيته.
لقد كان البوطي، وفق ما بينت في كتابي "من قتل البوطي؟"، يمثل معضلة للنظام السوري:
فهو من جهة، عالم دين مرموق صاحب حضور كبير وتأثير واسع في الشارع، لا يمكن استبداله بسهولة بشخصية أخرى.
وهو من جهة أخرى، لم يكن على قدر الطاعة المطلوب، إذ كان يحاول أن يبقى في مساحة رمادية، لا يُصدر فتاوى تشرعن القتل، لكنه في الوقت نفسه لم يكن قادرًا على تبني خطاب الثورة.
هذه المعادلة جعلته مستهدفًا، وكان التخلص منه حلاً مثاليًا للنظام، الذي أراد أن يستخدم مقتله في حربه الإعلامية والسياسية، ليبرر المزيد من القمع، وليجعل من دمائه ورقة إضافية في استراتيجيته الدعائية.
منذ اللحظة الأولى، عمل النظام على ترويج سردية جاهزة بأن جماعات مسلحة هي التي اغتالت البوطي رحمه الله. لكن تحليل المعطيات يكشف عن تناقضات كبيرة في الرواية الرسمية، منها:
1. كيف استطاع منفذ التفجير الوصول إلى الصفوف الأمامية داخل المسجد، في وقت كانت فيه الحراسات الأمنية مشددة؟
2. لماذا لم يتم نشر أي تحقيق شفاف حول الحادث، رغم أنه استهدف شخصية دينية بارزة؟
3. كيف يكون المستفيد من اغتيال البوطي هو الطرف الذي استغل دمه مباشرة بعد مقتله في تصعيد القمع والاعتقالات؟
في الحقيقة، النظام السوري لم يكن بحاجة إلى د. البوطي بعد أن رسخ في ذهن الجهاز الأمني صعوبة اقتياد الشيخ إلى دور محدد كان يريد أن يظهره كـ"داعية رسمي" مؤيد له، لكنه في نفس الوقت لم يكن يريده أن يكون موجودًا كـ"رمز مستقل"، فكان الحل الوحيد هو التصفية الجسدية.
قد يتساءل البعض: لماذا نؤكد أن النظام السوري هو المسؤول عن مقتل البوطي رحمه الله، رغم أن بعض القوى التي تعارض النظام اليوم متورطة أيضًا في التصفية الجسدية لمعارضيها؟
الجواب واضح: نحن لا نسعى لتبرئة طرف على حساب آخر، ولا نهدف للتقرب من أي سلطة حالية، سواء داخل سوريا أو خارجها. إن ما يدفعنا لقول ذلك هو إيماننا بالحقيقة كما هي، لا كما يريد البعض أن يفرضها علينا. النظام السوري هو الجهة الأكثر استفادة من اغتيال البوطي، وهو الطرف الذي يملك الأدوات التي تمكنه من تنفيذ هكذا عملية دون مساءلة.
نحن نعرف جيدًا أن العديد من أدعياء الثورة استخدموا الاغتيالات وسيلةً لإقصاء خصومهم، لكن مقتل البوطي كان عملية مدروسة بيد النظام نفسه، لأنه كان يعلم أن بقاءه حيًا سيجعله أكثر إزعاجًا من موته، خاصة وأن الرجل كان يرفض الانجرار إلى خطاب الدم من أي جهة ، ويرفض إصدار فتاوى تفصيلية على مقاس الطغاة.
عيد نوروز هو احتفاء بالنور، بينما قتل البوطي كان امتدادًا لمنهج إطفاء النور في سوريا. النظام السوري، الذي يمنع الأكراد من الاحتفال العلني بنوروز، هو نفسه الذي اغتال البوطي لأنه كان يمثل صوتًا مختلفًا، حتى لو لم يكن معارضًا صريحًا.
إن قتل البوطي رحمه الله لم يكن حدثًا عابرًا، بل كان جزءًا من سياق طويل من عمليات التصفية التي قام بها النظام ضد كل من لم يكن جزءًا من ماكينة القمع. واليوم، بعد أكثر من عقد على مقتله، لا يزال السؤال مفتوحًا: هل كانت تصفية البوطي مقدمة لإطفاء أي صوت يحاول أن يكون وسطًا بين العنف والقمع؟
ليس من السهل الحديث عن اغتيال البوطي دون الاصطدام بجدران الصمت والتشويه والتخوين. البعض يريد تصويره كـ"ضحية الثورة"، والبعض الآخر يريد أن يجعله "رجل النظام الذي دفع ثمن ولائه"، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا من هذه السرديات المبسطة.
ما نقوله هنا لا يعني الدفاع عن البوطي رحمه الله بوصفه معصومًا عن الخطأ، بل هو دعوة لفهم كيف يعمل الاستبداد، وكيف يقتل حلفاءه وخصومه على حد سواء.
نحن لا نكتب هذا دفاعًا عن رجل لم يعد بيننا، بل دفاعًا عن حقائق يجب أن تُقال، حتى لو كانت مزعجة للكثيرين.
النظام السوري هو القاتل، ليس فقط لأنه المستفيد الأكبر من الجريمة، بل لأنه فعلها بنفس الطريقة التي قتل بها آلاف المعارضين، وادعى أنهم "ضحايا الإرهاب". وما أشبه اليوم بالأمس، حين يحاول المستبدون الجدد إعادة كتابة التاريخ، بينما تبقى الحقيقة، مهما حاولوا طمسها، واضحة لمن يريد أن يراها.
* مدير المركز التعليمي لحقوق الإنسان
