بيان "هدى بار" الاسلامي لحل القضية الكوردية
شيروان الشميراني
"هدى بار - الحياة الحرّة"، هو حزب إسلامي كوردي في تركيا، يستند الى المرجعية الإسلامية في العمل، متحالف مع الحزب الحاكم في المحطات الرئيسة، دخل معه في ائتلاف انتخابي سابق، مع التصويت لتجديد ولاية رجب طيب أردوغان، يعتمد الحل الإسلامي المدني الجامع بين الوطن والقوم في معالجة المسألة الكوردية في تركيا والمنطقة، يترأسه عضو البرلمان ورئيس فريقه النيابي "زكريا يابيجي أوغلو"، علاقته سيئة مع حزب العمال الكوردستاني.
في 21 شباط 2025، وفي تجمع أكاديمي في مدينة "آمد" التاريخية بحضور شخصيات من حزب العدالة والتنمية الحاكم، وللبحث عن مشروع السلام الذي أطلقته الحكومة التركية بالتعاون مع مؤسس حزب العمال المسجون في جزيرة إيمرالي، أصدر الحزب رؤيته عن الجهود الجارية والعامة لحلّ القضية، أعلنها في عدة نقاط، وهي رفد ومساندة وتأييد لتلك الجهود التي تبذل على المستوىين الرسمي والسياسي في تركيا للمضي نحو السلام الدائم، وهي فرصة على حدّ تعبير البرلماني لحزب العدالة والتنمية "محمد مفيد" في أنقرة إن ضاعت لن تعود على الأقل في المدى المتوسط وليس القريب فحسْب، في هذا المقال نرسم المحاور الجامعة للإطار المفاهيمي الذي يتبناه الحزب عن الموضوع:
- إن القضية الكوردية في تركيا والمنطقة ليست نابعة من الاحداث الجارية في الوقت الراهن ولا وليدة تلك التي خلقت هذه الاحداث، إنها تعود الى 100 سنة، أي قرناً كاملاً وزيادة عليه بسنوات، الوقت الذي بدأت الدولة التركية العثمانية بالإنحراف على يد جمعية الاتحاد والترقي عن مبادئها الدينية الجامعة التي قامت عليها، ومن ثم على يد الكماليين عقِبَ خلع السلطان عبدالحميد وتبني العلمانية القمعية لكل دين وقوم في تركيا، الحرب والصراع الناتج عن الفكر الكمالي والذي أدى الى مقتل الآلاف لا يحل القضية عمر هذه القضية تعود الى تحركات الشيخ سعيد بيران الشهيد الرافض لفكّ آصرة الدين والعقيدة بين الشعوب التي جمعته اتفاقية سايكس - بيكو داخل جغرافية تركيا الحديثة، ورد في النقطة الثامنة: "يجب أن تعتذر الدولة عن الظلم الذي تعرض له العلماء الكورد، وفي مقدمتهم الشيخ سعيد بالو (الشيخ سعيد بيران)، والكشف عن مواقع قبورهم"، الحزب في هذه النقطة يريد أن يقول أن لا ربط بين الحركات اليسارية التي تعمل في الساحة الآن ربطاً يزيح الجهود السابقة في هذا المجال، او ربطاً جذرياً بين المطالبة بالحقوق والحركات التي تتحرك خارج الدين ومبادئه. فكل حلّ خارج الاطار الإسلامي مرفوض من الحزب.
- لا ينبغي العمل على هذا الملف من منطلق محاربة الإرهاب، "فهي ليست مجرد قضية أمنية وعنف وإرهاب بل هي قضية تاريخية وسياسية وقانونية واقتصادية واجتماعية وإقليمية ودولية"، وعليه فإن الحل العسكري الأمني مرفوض، ويجب قطع الطريق على الذين يؤيدون الحرب والقوة المسلحة، أن يعاقب المجتمع والمؤسسة السياسية الفكر الذي يرى في السلاح حلاً، كما أن عنوان حلّ القضية الكوردية هو المؤسسة السياسية والأنشطة المنسجمة معها، وعلى هذا الأساس يطرح الحزب على الدولة الاعتذار عن الظلم الذي تعرض له العلماء الكورد، وفي مقدمتهم الشيخ "سعيد بيران - بالو" والكشف عن مواقع قبورهم، وما لم يرد ذكره في البيان كثيرون من العلماء الذين تعرضوا للإضطهاد ويتصدر القائمة الامام المجدد سعيد النورسي والذي قبره مازال مجهولاً مكانُهُ.
- وإذا كان الدستور الذي يعمل بأساسياته منذ ما يقرب قرن من الزمان، وإن الحلّ السياسي المؤسساتي لن يكون إلا دستورياً، يطرح الحزب العمل على الدستور بتغيير المواد التي تنكر وجود قوميات غير تركية ضمن حدود الدولة، إعداد دستور جديد في إطار المواطنة، والتخلي عن الفكر القائل بأن جميع مواطني الجمهورية التركية هم أتراك، وذلك من أجل تقوية الجبهة الداخلية، وفي هذا النطاق يرى الحزب الإسلامي الكوردي في تركيا أنه ومن أجل إنهاء التمييز العرقي بين الشعوب التركية، يجب عدم تعليق تعديل الدستور بشروط سياسية معينة، ورد في النقطة السادسة: "يجب عدم ربط منح الحقوق والحريات الأساسية بأي شروط" والمقصود هنا هو أما لا حقوق وأما ترك العنف، لأن العنف وإن كان مرفوضاً له علاقة وجودية بهضم الحقوق، وأن توفير الحقوق والحريات لا ينبغي أن يربط بشروط خارجة عن واجب المسؤولية، لأن المسؤولية الدينية والقانونية هي التي توجب العمل بما يرضي الله وهو ما يرضي الشعوب الباحثة عن تلك الحقوق، أي أن من أداء المسؤولية إزالة التمييز العرقي وهو مبدأ أساسي في أداء الواجب وليس إستجابة لحالة مشروطة. بمعنى حتى لو لم تنجح الجهود المبذولة حالياً من أجل إنهاء دورة العنف، فإن الواجب الديني والقانوني يستوجبان توفير الحقوق والحريات تحقيقاً لمبدأ المساوة والعدالة.
- أما الإطار الثقافي يرى الحزب أنه ينبغي العمل عليه كذلك، فالحالة الثقافية الاجتماعية التي كونت إرثاً متراكماً للعداء ونكران وجود الآخر القومي هي التي تمنع الى الان البدء بالخطوات التطبيعية بين الإخوة داخل الدولة الواحدة، وسببت الكثير من المناوشات والمواجهات في الأسواق والمؤسسات الحكومية داخل المجتمع، أنتجت كُرهاً مستداماً وكراهية مستمرة لم تتوقف لحد اللحظة، وبما أن التعليم هو الباب الذي تبتت من خلاله جذور الكراهية القومية والنكران يرى حزب "هدى بار" أن يشمله مشروع الإصلاح والسلم المجتمعيين، يقول: "يجب التخلي عن الفكر القائل بأن جميع مواطني الجمهورية التركية هم أتراك. يجب حذف جميع الخطابات الإنكارية والتمييزية والعنصرية المستخدمة في المناهج التعليمية والمصادر العلمية، يجب حذف المواضيع المخالفة للحقيقة في كتب الأدب والتاريخ تحت مظلة وزارة التربية"، لأنه يرى أن "الأخوة التي تم التعامل معها حتى اليوم في إطار شكلي، يجب أن تتحول إلى ممارسة عملية"، فالأخوة الدينية كانت أم وطنية هي عمل وممارسة وليست ترديداً للكلمات فحسْب.
كانت عمليات حل المشكلة في السابق تقف في طريقها نوعان من العنف، العنف الفكري والعنف المباشر، وكلاهما من ثمرات التعليم الذي يخلق شخصية منغلقة، وعليه لابدّ من عدم تكرار الأخطاء التي حدثت في عملية الحل السابقة، يجب التخلي عن كل أنواع الخطاب والمواقف والسلوكيات التي تؤثر سلباً على ثقة المجتمع في الحل.
إن المجتمعات في الشرق الأوسط عانت كثيراً من العصبية العرقية، وعرقلت تقدم دولها، وتأتي القضية الكوردية بعد فلسطين، هما الشعبان اللذان يعانيان مع الاختلاف في النوع والدرجات، ولن تحلّ سوى بالاعتراف بالحقوق المنصوص عليها ديناً ودنيا.
روداوو
