• Sunday, 01 February 2026
logo

كوهدرز تمر : البارزاني تاريخ أمة

كوهدرز تمر : البارزاني تاريخ أمة
هناك الكثير من القادة و الزعماء العاديين في العالم من مختلف الالشعوب و الدول ، و لكن هناك قادة نوعيون قلائل لا يظهرون إلا خلال قرن أو عدة قرون بين شعوبهم ، و البارزاني الخالد واحد منهم .
فمصطفى بارزاني الذي شاءت الأقدار أن يولد في بداية تنامي و صعود الفكر القومي التحرري الكوردي الذي قاده الشيخ عبيد الله النهري و أخاه الشيخ عبدالسلام بارزاني الذي أخمدت ثورته و أعدمه الأتراك في عام 1914م ، و يسجن مع أمه تسعة أشهر و هو في الثالثة من العمر ، أن يعيش في جو النضال و الكفاح و يساهم في ثورة شيخ بيران في الشمال و الشيخ محمود الحفيد في الجنوب و هو في العشرينات من العمر و في ثورة بارزان الأولى عام 1930-1932ضد الانكليز في العراق و ينفى مع عشيرته إلى السليمانية عشرة سنين ، ليعود ثائراً و يقود ثورتها الثانية ضد القوات العراقية و الانكليزية عام 1945م و تهجر العشيرة كاملة إلى كوردستان الشرقية تحت قصف الطيران الملكي البريطاني بعد معارك و ملاحم جعلت الحاكم البريطاني للعراق روان روبسن يطلق عليهم (خبراء الحرب الجبلية )، و تعتبر تلك الفترة بمثابة مخاض للشعب الكوردي و تجربة حية لصقل المواهب العسكرية لقائده الذي يأبى الاستسلام و الخنوع أمام أعتى الأعداء .
في مهاباد أيضا استمر في محاولاته التحررية و في إخراج الانتفاضات الكوردية من العشائرية و المناطقية الى الكوردستانية و ساهم بقواته في بناء جمهوريتها الفتية و أصبحت العمود الفقري لها و هو قائد أركانها ، و وقف صامدا لم يستسلم للدولتين العراقية و الايرانية بعد انهيار الجمهورية و استشهاد رئيسها قاضي محمد ، بل سحب مقاتلين و العوائل البارزانية الى الحدود العراقية في جو يقول عنها الألماني د.كونتر دشنر صقيعي درجته 40 تحت الصفر ، مكملا الطريق مع 500 من خيرة مقاتليه الى الإتحاد السوفياتي السابق مقاومين في طريقهم الجيوش العراقية و الإيرانية و التركية حتى اجتازوا نهر آراس سطروا فيها أروع الملاحم و الأمجاد حتى قال عنه قائد أركان الجيوش الإيرانية رزم آرا :( اعترف بأن مصطفى بارزاني أمهر قيادة من نابليون ) .
و بعد غربة دامت حوالي 12 عاماً في السوفييت درس فيها اللغة الروسية و الفنون العسكرية و علم الاقتصاد ، حيث سادت كوردستان هدوء خيم على كافة أرجائها ، ليعود مصطفى بارزاني إلى العراق بعد سقوط الحكم الملكي في 1958 و يلجأ إلى جباله مرة أخرى و يقود أعظم ثورة عرفها الكورد ( و العالم حسب الصحافي و المراسل العسكري الأمريكي دانا آدمز شميدت في كتابه رحلة إلى رجال شجعان في كوردستان ) في أيلول 1961م في عهد ثورات كوبا و فيتنام و الجزائر و حروب كوريا التي شاهدها شميدت كمراسل عسكري ، بعد تملص الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم من وعوده حول حقوق الكورد .
بيشمركة أيلول سطروا أروع الملاحم على سفوح جبال كوردستان و ملحمة هندرين – زوزك و الهزيمة التي ألحقت ب35 ألف جندي حكومي على يد 3500 من البيشمركة ، قال عنها الشاهد رينيه موريس الفرنسي في كتابه (كوردستان أو الموت ) : إنها أشنع هزيمة يتعرض لها جيش نظامي على يد قوات ثورية في التاريخ ، و المعسكران العالميان الشرقي و الغربي يتخذان منها دروسا في أكاديمياتهما العسكرية . حيث أوقع ثلاثة الاف قتيل بين صفوف العراقيين مقابل مئة و خمسين شهيداً من البيشمركة و تم طرد و ملاحقة المهاجمين من الجبلين حتى سهل رواندز .
تلك الملحمة قال عنها الخالد : (إنها أجمل ما في ستة و ثلاثين عاما من الكفاح .)
و أطلق عليه موريس لقب (أسطورة الظل ) بعد حادثة القصف الليلي لطائرة عراقية مقره و هو يودع الصحفي و ضيوفا آخرين ، حين احتمى الجميع بالصخور و أطفأوا النيران و ردوا على الطائرة ، أغمي على رينيه موريس –حسب قوله – خوفا و رهبة و حينما أدخله الشهيد سامي عبد الرحمن و بيشمركة آخر إلى المقر لحمايته رأى البارزاني واقفا صامدا لايتزعزع و لا يختبئ شاعلاً سيجارته ، دفعت تلك الجسارة بالصحفي لسؤاله ، فرد : ليس من أخلاقنا أن نختبئ و نترك ضيوفنا أمام الخطر و القصف .
لقد لقنوا بتلك العظمة جيوش الدعم العربية للسفاح البعثي دروسا في القتال و منها اللواء السوري بقيادة قائد الأركان فيما بعد فهد الشاعر حيث أسر و قتل جنوده و فروا و هم يجرون وراءهم أذيال الخيبة و الهزيمة .
و دفعوا بالبعث ليوقع و يقر بالحق الكوردي كأول مرة في التاريخ في كوردستان الجنوبية في اتفاقية 11 آذار 1970 حيث قال نائب الرئيس العراقي صدام حسين لم تبق لدي طلقة مدفع واحدة أحارب بها البارزاني . لكن عقلية الغدر و التآمر و الخيانة دفعتهم لتوقيع اتفاقية الجزائر مع شاه إيران في 6 آذار 1974و تنازلوا له عن الضفة الشرقية من شط العرب مقابل أن يضيق الخناق على الثوار الكورد ، و برعاية أمريكية و مباركة سوفياتية ، حيث حارب الشرق و الغرب الحق الكوردي و أجبروا في عام 1975 على الانسحاب و البدء بثورة حرب انصار جديدة قادها الرئيس مسعود بارزاني في 26 أيلول 1976م .
أصيب القائد الأسطوري بمرض السرطان العضال في ذلك العام و نقل إلى الولايات المتحدة للعلاج و توفي في مستشفى جورج واشنطن في نيويورك في 1-3-1979 م . و في آخر أيامه كان يرنو من النافذة و الدموع تنهمر من عينيه ، فسأله المرحوم محمد سعيد دوسكي صديقه و مرافقه عن السبب ، و إن كان الألم ، فرد بأن الألم الأكبر هو أن أرى كل تلك الأعلام للدول كبيرتها و الصغيرة و لا أرى بينها علم كوردستان و الكورد الذين يبلغون الملايين .
لقد عاش هذا الرمز على حب شعبه و رفضه للظلم و الطغيان و على تحرير شعبه و إحقاق حقوقه ، مناضلاً و مدافعاً حتى آخر أيام عمره ، لم يكن يركض نحو يبوأ مركز القيادة أو بمفهوم أوضح نحو السلطة ن بل أن واجب القيادة في الليل الكوردي كان يأتيه مفوضاً من فقراء الكورد ،من الفلاحين و الكسبة و العمال و الطلبة نساءً و رجالا الذين غرس فيهم الكرامة و الإباء و قيم الكوراديتي و رأوا فيه الشخص الذي يمكن أن يقودهم نحو الجرية و الديمقراطية و الحياة الأفضل ، كما يقول الدكتور عبدالوهاب طالباني .
فالغذاء الذي كان يقدم للبارزاني في مقر قيادته ربما كان أفقر من الطعام المستهلك في أية قرية كردية ، و مما يأكل بيشمركته و ينام حيث ينامون هم ، كما رآه دانا شميدت و سماه (الزعيم الأسطوري لشعب يأبي الإستکانة والخضوع( ، و قال عنه كونتر دشنر و رينيه موريس و كل ما عاشره أياماً أو أسابيع من الصحفيين و الكتاب و المراقبين .
لقد عاش متواضعأ و محباً ودواً للفقراء و المظلومين و حازماً صلباً في وجه الطغاة و المتجبرين و هو القائل : أنا فلاح مع الفلاح و عامل مع العامل ، و أعلى من كل رتب المتسلطين و المتعالين على الشعب .
و قال ايضاً بعد انهيار ثورة أيلول : نحن أقوى من الجبال ، سنعود نثور و نصمد مع صمود جبال كوردستان التي لا أصدقاء للكورد سواها .
رحل عنا البارزاني العظيم لكن نهجه و فكره و إباءه باقية فينا كأمة تعشق الحرية و الكرامة و الانعتاق ، و تسعى للعيش الكريم أسوة بكل الشعوب و الأمم ، لا اعتداء على أحد و نأبى أن يعتدى علينا و تهضم حقوقنا .. مدرسته تعلو شأناً عاماً بعد عام و عقداً بعد عقد .. و يذل و ينتكس الطغاة و العنصريون و الظلمة ..
Top