• Saturday, 31 January 2026
logo

متاهة البلاد ومتاهة المنفى

متاهة البلاد ومتاهة المنفى
فتح الله حسيني
_pukmedia


حدود شتى، ستفصل التحيات المعذبة، التي كانت الفاصل بين السوريين من منفى الى منفى، بعيد أو قريب، لتأمل حالة الكتاب والصحفيين والشعراء السوريين، في الداخل، بين بانياس واللاذقية ودرعا وجبلة والقامشلي ودمشق ودير الزور وحلب وحماة وحمص، تلك التحيات تتخطى تخوم الحدود، وهي تأتي عبر صفحات مرئية أو أوراق شبه مهمشة أو قناني مهشمة لتقدم قبلاتها الحارة، الحميمة الى عذابتنا في مهاجرنا المتناثرة، ونحن، السوريون، نتأمل واقعنا المضطرب، الذي كان لا بد أن يضطرب، بعد أن عصفت التغييرات بحدود وساحات وعواصم جيراننا، فكان لا بد من فرشّ خارطتنا المختلفة، المنقوشة في الحجر، والاستماع الى صوت أو اصوات تأتينا من بعيد، ومن قريب أيضاً، هي أصوات عذابات السوريين، الحالمين، الطامحين، الطيعين للحرية، الحرية فحسب، بعد كل تلك الهجرات الطوعية والقسرية بمنحييها: الكردي – العربي، ومن ثم ليكون السوري، أنما هاجر، ممنوعاً من الدخول الى بلده كأنه أضاع جواز سفره في محيط أو بحر أو في سراب صحراء كبرى.

تحيات تصلنا، كل صباح ومساء، وبلا تواريخ محددة، تسأل عنّا، عن غيابنا، عن حضورنا، من مبدعين وكتاب وأصدقاء شتى، مختلفين عنا في كل شئ إلا في أحلامنا الوردية، حتى كادت تلك التحيات والرسائل تبكيّنا من شدة ألفتها وحزنها علينا وعنا، ونحن نحّن الى أرض تركناها هناك، أرض باتت تختصر السواتر بدخول شوارع المدينة المدنية، وسماء زرقاء باتت ملبدة بالدخان والرصاص، وشوارع تعج برجال عسكريين ومدنيين لا نعرف عنهم شيئاً إلا أنهم فظين فحسب.

تحيات تحيّ فينا حنيننا ونوستالجيانا، تصلنا من أقلام وأفواه أصدقاء مشتتين من مصر، فلسطين، السودان، الأردن ومن اللبنانيين خاصة، وهم كثر،ت ماماً كما تصلنا من تركيا بطبيعة الحال هم أتراك، سلام ينهال علينا من الجو علانية، ومن على الحدود الترابية لتخومنا بشكل سري للغاية، كأنها تقدم أضحيات للإله والرّب لأننا ما زلنا أحياء نرزق بين متاهة البلاد ومتاهة المنفى.

تحيات تقّل لنا دفء الأصدقاء من مطارح نعرفها، ومطارح باتت تتذكرنا لأنها تذكرناها متى ما أستطعنا بألم شديد أيام الشدائد، بعد أن تركنا داخل حدود الوطن، الذي كان كفناً، تحيات تعلو وتسمو، ومن ثم تعيد فينا روح وحدة المنفى الأول أو مقاومة الموت بعيداً عن الوطن ربما.

تحيات تصلنا بألق وعذاب، وهي مرفقة برداءة الزمن الذي يأخذنا رغماً عنّا، لتكون تلك التحيات أغاني هادئة تريحّ فينا ضجيج أسفارنا وصخب حقائبنا المجتاحة لطرق السفر وعلب سجائرنا وأول اختيارنا للمنفى ربما، المقبل، المجهول على الدوام.

سلاماً لكم اولئك المتابعين لألمنا الاستثنائي راهناً وماضياً، لأنها تفسر مسارات اليقين، وتوزع بوصلة لنا لنعي مفترق الرحلة الى المجهول، أي مجهول كان، بعيداً عن الضغائن والأحقاد، تحيات تحضنا على الألم أكثر، رغم أنها تحيات مفعمة بأرواح وأنامل أصدقاء حالمين مثلنا.
Top