عبدالوهاب روژبياني الأستاذ الجامعي في أربيل: إن التوزع الجغرافي لن يشكل عائقاً، بل يجب أن يغدو الشتات بمثابة الخميرة لتوحيد طاقات الناسيوناليزم
تقف الأمة الكوردية اليوم، بوصفها كياناً بشرياً ضخماً يضرب بجذوره الأصيلة في عمق التاريخ الإنساني، وبتعداد سكاني هائل يُقدر ما بين خمسين إلى ستين مليون نسمة، أمام منعطف تاريخي وجيواستراتيجي فاصل ومصيري للغاية. ورغم قسوة التوزيع الجغرافي والسياسي لهذا الشعب العريق بين أربعة أنظمة دولية متباينة في قلب منطقة الشرق الأوسط، فإن هذا الواقع المفروض قسراً لا ينبغي أن يشكل عائقاً بنيوياً أمام صياغة خطاب قومي موحد يتردد صداه بقوة في كافة المحافل والمنظمات الدولية. ومن هنا، يبرز الدور المحوري "للشتات الكوردستاني" كقوة محركة وفاعلة، قادرة على القفز فوق الحدود الاصطناعية، لتصبح النواة الصلبة لتوحيد الطاقات المبعثرة في سبيل خدمة أجزاء كوردستان كافة دونما استثناء أو تحيز حزبي.
إن إدراك حقيقة انقسامنا السياسي لا يبرر استمرار التشتت في بلدان الاغتراب، إذ لا تهدف التطلعات إلى صهر الشتات في كيان سياسي أحادي أو منصة جامدة، فالتعددية هي برهان الحيوية المجتمعية. إنما الغاية الحقيقية هي التوافق على "بوصلة قومية" ومعايير عليا تشكل "الخط العام" الذي يلتقي عنده الجميع. هذه المظلة الجامعة هي التي تضمن تحرك الكورد في الخارج برؤية موحدة وإرادة صلبة إبان الأزمات والتحولات الجيوسياسية الكبرى، صوناً للمصالح الوطنية العليا العابرة للحدود والمنظمة للجهود الجماعية.
إن تشكيل منصة مؤسساتية شاملة تمثل القوى السياسية والشرائح الاجتماعية للأجزاء الأربعة ليس من قبيل الأماني المستحيلة، بل هو ضرورة وجودية ملحة. فمتى ما تبلور هذا الإطار التنظيمي، سيتحول الشتات إلى قوة ضغط "لوبي" مؤثرة في مطابخ القرار العالمي، وقادرة على تغيير مسارات المواقف الدولية تجاه حقوقنا. ففي ملف "غرب كوردستان" مثلاً، رأينا حراكاً للشتات لكنه افتقر للزحم الكافي، والسبب يكمن في حداثة عهد الوجود الكوردي السوري في أوروبا، وتحديداً عقب موجة اللجوء عام ألفين وخمسة عشر بقرار من المستشارة "ميركل". هذا المجتمع لا يزال يصارع من أجل الاستقرار المعيشي والاندماج، وهي مرحلة تسبق بالضرورة التفرغ للعمل السياسي الممنهج والتأثير الفعال.
في المحصلة، لا بد للشتات الكوردستاني من مغادرة الهامش واقتحام مراكز التأثير وصناعة القرار الدولي. وهذا المسار يتطلب مأسسة عالية وتجاوزاً للولاءات الحزبية الضيقة لصالح الأهداف الوطنية الشاملة. فمتى ما استطعنا توظيف هذا الثقل البشري الهائل في الخارج وتوجيهه نحو غاية استراتيجية واحدة، سنكون قد أوجدنا سنداً حقيقياً وفاعلاً يدعم ديمومة القضية الكوردية وعدالتها في أجزاء كوردستان كافة، ويفرض صوتنا كقوة لا يمكن تجاوزها في صياغة مستقبل المنطقة واستقرارها المنشود وفق تطلعات شعبنا المشروعة في نيل الحرية والكرامة والاعتراف السياسي الكامل بحقوقنا الناسيوناليزم التي كفلتها القوانين والأعراف والمواثيق الدولية المعاصرة والعمل على حماية الأجيال القادمة وضمان عيشهم بسلام دائم وشامل في كوردستان المستقلة.
