بابان جعفر الناشط السياسي في السليمانية: التبعية السياسية التي يبديها الشتات للأحزاب في الداخل، شكلت عائقاً أمام إنتاج نظرية لمعالجة الأزمة الناسيوناليزم
يواجه الخطاب القومي الكوردي في المهجر راهناً مستويين متمايزين من التحديات الوجودية العميقة، يتصدرهما مأزقٌ نظريٌ حاد يعكس في جوهره حالة التشرذم والضبابية التي تكتنف مفهوم "الأهداف الناسيوناليزم " في الداخل الكوردستاني. فنحن، ككتلة بشرية وقومية، لم نصل بعد إلى عتبة الإجماع الوطني الشامل الذي يحدد ماهية تطلعاتنا المصيرية، فهل تكمن بوصلتنا في تشييد صرح دولة كوردستانية مستقلة ذات سيادة، أم أن سقف طموحنا يتوقف عند حدود استجداء حقوق المواطنة المنقوصة ضمن أطر الدول المركزية التي تقاسمت جغرافيتنا؟ ولما كان الشتات الكوردي امتداداً عضوياً لا ينفصل عن التجاذبات السياسية الداخلية، فقد ظل رهينةً لهذا الارتباك النظري، عاجزاً عن بلورة استراتيجية فكرية مستقلة تتجاوز الواقع المأزوم. ونتيجة لذلك، ظلت الجهود المضنية التي بُذلت في أوروبا وأمريكا طيلة القرن المنصرم، سواء في المضمار الفكري أو في أروقة صنع القرار الدولي، نتاج مبادرات فردية متفرقة، ولم ترتقِ لتكون ثمرةً لمؤسسة قومية منظمة وشاملة.
إن هذا الانسداد التاريخي يفرض اليوم، وأكثر من أي وقت، حتمية ولادة "المشروع الثالث" كبديل إنقاذي. إذ تبرهن دروس القرن العشرين أن نموذج الدولة الأمة لم يجد طريقه للتحقق كوردياً، في حين تكشف المعطيات الراهنة أن دول المنطقة، رغم صمود حدودها السياسية، باتت في جوهرها كيانات فاشلة ومفرغة من محتواها، بعد أن أخفقت نماذجها السياسية في بناء هوية وطنية جامعة. هنا يجد الكورد أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر: إما التماهي والذوبان في رحم تلك الدول المنهارة، أو الاستمرار في ملاحقة حلم قومي كلاسيكي افتقد لأدوات تحقيقه الواقعية. من هنا، تبرز "الطريق الثالثة" كضرورة تاريخية تقتضي صياغة عقد سياسي وفكري جديد عبر حوار استراتيجي معمق بين النخب في الداخل والشتات، يهدف لرسم أجندة قومية عابرة للأجزاء الأربعة. هذه الأجندة يجب أن ترتكز على مأسسة القطاعات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بما يكفل صيانة الهوية الناسيوناليزم وانتزاع موقع تأثير سيادي في التوازنات الإقليمية والدولية المعقدة.
وبالنظر ملياً في تجربة "روجآفا" الأخيرة، يتبين أن الزخم الدولي الذي حظي به الكورد كان مجرد استجابة عاطفية عابرة لا ترتكز على دعائم لوبي سياسي استراتيجي راسخ. فبعد أن كان الكورد رقماً صعباً في معادلة الأمن العالمي وشريكاً محورياً في دحر الإرهاب، تراجع دورهم اليوم إلى مستويات بروتوكولية شكلية، وباتوا يناضلون لتثبيت حقوق تعليمية أساسية، وهو تراجع بنيوي نراه يتكرر بمرارة في "باشور"، الذي تحول من ركيزة مؤسسة للدولة العراقية إلى طرف مهمش يعاني من تآكل صلاحياته الدستورية.
إن هذا التقهقر السياسي الشامل الذي نشهده في كافة الأجزاء، لم يكن وليد المصادفة، بل هو النتيجة المباشرة لغياب اللوبي القومي الواعي والأجندة الاستراتيجية الموحدة في المهجر والداخل. فلو امتلك الشارع الكوردي في الساحة الدولية مؤسسات سياسية وفكرية رصينة، لما سُمح بتبديد تضحيات روجآفا وباشور الكبرى في مهب اللحظات العاطفية الزائلة. لذا، فإن المهمة الجوهرية والملحة الملقاة على عاتق النخب اليوم، تكمن في القدرة على تحويل تلك الطاقة الوجدانية إلى قوة مؤسسية عقلانية صلبة، تستطيع إعادة تثبيت الكورد كشريك استراتيجي أصيل في الشرق الأوسط، وتكفل حماية الهوية الناسيوناليزم من محاولات التهميش أو المحو السياسي النهائي والشامل.
