• Sunday, 11 October 2026
logo

د. يوسف حسن الأستاذ الجامعي في أربيل: التشرذم السياسي والسطوة الحزبية، فايروسٌ يفتكُ بجسد الشتات الكوردي

د. يوسف حسن الأستاذ الجامعي في أربيل: التشرذم السياسي والسطوة الحزبية، فايروسٌ يفتكُ بجسد الشتات الكوردي

يُعد مفهوم "الشتات الكوردي"، أو ما يُصطلح عليه بـ "الناسيوناليزم  العابرة للحدود"، أحد أكثر الأبعاد حيوية في جسد القضية الكوردية، وهو ما يفرض ضرورة ملحة لتأطير فلسفي وسياسي جديد لهذا الوجود. إن الاغتراب الكوردي لم يكن مجرد ارتحال فيزيائي أو نفي للجغرافيا، بل هو انتقال للجسد نحو المنافي بينما تظل الروح، الهوية، والذاكرة مستقرة في رحم الوطن الأم. هذا الفضاء المهجري، وإن بدا خارج التخوم السياسية، يمثل في جوهره خندقاً نضالياً متقدماً لحماية المكتسبات الناسيوناليزم ، ومركزاً سيادياً لبلورة الخطاب الكوردي وتسويقه في المحافل الدولية الكبرى.

التساؤل الجوهري هنا: هل يستطيع هذا الفضاء النظري التحول من حالة التشتت البنيوي إلى قوة نظامية مؤسساتية فاعلة؟ تاريخياً، نجد أن الدياسبورا جسدت دور "الصوت الثاني للوطن" بامتياز، ففي المنعطفات الوجودية، استطاعت هذه الكتلة ممارسة ضغوط دبلوماسية هائلة على مراكز القرار العالمي، مما ساهم في تحصين الكيان السياسي لإقليم كوردستان ونقل مأساة الشعب الكوردي إلى الضمير الإنساني. علاوة على ذلك، مثل الدعم المالي واللوجستي من المهجر شريان حياة ومحركاً للمقاومة الداخلية أثناء الأزمات. ومع ذلك، بقي تأثير الشتات رهين اللحظات الانفعالية والموسمية، ولم يرقَ ليكون قوة مؤسساتية قادرة على تقويم الاعوجاج في المسارات السياسية الداخلية وتوجيهها نحو أفق قومي رحب.

إن أبرز العوائق التي تحول دون نضج هذا الدور يكمن في "عدوى أمراض الداخل" التي انتقلت إلى المهجر، إذ بات التشرذم السياسي والاستقطاب الحزبي بمثابة فيروس ينخر جسد الاغتراب. ففي الوقت الذي ينعم فيه الكورد في الخارج بمناخات ديمقراطية، نراهم يقعون ضحية للولاءات الضيقة، مما جعل رؤيتهم للقضايا المصيرية تابعة للمصالح الحزبية بدلاً من أن تكون ريادية ومستقلة. ويرافق ذلك غياب هيكلية قانونية تضمن مشاركة الدياسبورا في صنع القرار السيادي، فالوطن يستذكر المهجر في الأزمات فقط، ويغيبه في أوقات الاستقرار. لذا، تقتضي الضرورة تحرير الشتات من القيود الحزبية لصياغة "لوبي كوردي" موحد يقدس المصلحة الوطنية العليا فوق كل اعتبار ثانوي ضيق.

في الختام، يمتلك الشتات الكوردي طاقات استثنائية لتجاوز العقبات الجغرافية والتحول إلى قاطرة حقيقية للتغيير الشامل والتطور. وإذا ما تمكنت هذه القوة من حماية نفسها من التدخلات الاستخباراتية للدول المحتلة والمناكفات الحزبية الضيقة، فستتحول حتماً إلى قوة ضغط وفعل وصمام أمان حقيقي للقضية الكوردية على الصعيدين الداخلي والدولي على حد سواء. إن الانتقال الفعلي والجوهري من "رد الفعل العفوي المؤقت" إلى "الفعل الاستراتيجي المنظم والمستدام" هو السبيل الوحيد الذي سيمكن الشتات من صياغة واقع سياسي جديد يخدم تطلعات الأمة الكوردية المشروعة نحو الحرية والعدالة والسيادة الوطنية. يجب أن تكون هذه القوة هي الناظم الأخلاقي والسياسي لكل تحرك كوردي عالمي، بحيث تفرض إرادة الشعب في المحافل الدبلوماسية وتعيد ترتيب البيت الكوردي من الخارج لتصحيح أخطاء الداخل، وصولاً لتحقيق ذلك الحلم المشترك المنشود لكافة أجزاء كوردستان.

Top