فرهاد محمدعضو حلقة الحوار: تسعى الناسيوناليزم الوطنية إلى صهر كافة الاختلافات الناسيوناليزم والدينية ضمن إطار كيان سياسي موحد
فرهاد محمد عضو "حلقة الحوار" وعضو قسم الثقافة والإعلام في الحزب الديمقراطي الكوردستاني ورئيس تحرير مجلة "گولان"، استعرض في هذه الحلقة من «حلقة الحوار» والموسومة بـ (دور الشتات الكوردي في الفضاءات الخارجية لإعلاء شأن الناسيوناليزم )، رؤاه وتصوراته على النحو الآتي:
تشكل الناسيوناليزم وجغرافيا الوطن ثنائياً بنيوياً متلازماً، يتشابك في أطوار ممتدة مع نشوء وتطور فلسفة "الدولة-الأمة" في التاريخ الحديث. ففي مضامين العلوم السياسية الرصينة، يتجسد جوهر الناسيوناليزم الحقيقي في صون الهوية الناسيوناليزم وحماية الكرامة الإنسانية لجميع المكونات الإثنية والدينية المتنوعة التي تتعايش وتتفاعل داخل حيز جغرافي وسياسي موحد. هذا المنظور الفلسفي والفكري العميق تجلى واقعياً وميدانياً في تاريخ الحركة التحررية الكوردستانية، وتحديداً عبر الموقف الاستراتيجي والمبدئي للزعيم الوطني مصطفى بارزاني تجاه بنود دستور عام 1958، حينما جرى تعريف العراق بوصفه وطناً مشتركاً يجمع بوفاق تام بين "العرب والأكراد". ولو قدر لهذا الدستور أن يترجم إلى واقع عملي وفق نصوصه الأصلية، لكان شعب كوردستان قد أظهر استعداداً وطنياً فائضاً لحماية تراب الوطن من خلال الانخراط في الخدمة العسكرية الطوعية وبإرادة حرة نابعة من الشعور بالمسؤولية، ولأضحى هذا الانتماء الاختياري الركيزة الصلبة والأساسية لمفهوم الناسيوناليزم الوطنية، ورمزاً جلياً للتضحية السامية في سبيل رفعة البلاد، حيث يغدو "ضريح الجندي المجهول" أسمى التعبيرات الرمزية عن هذا العطاء. وبناءً على هذا المسار، تصبح الناسيوناليزم هنا مظلة وطنية جامعة وشاملة لحماية كرامة سائر المكونات، بدلاً من كونها أداة إقصاء وتهميش، وذلك ضمن إطار دولة المواطنة التي ترتكز فيها الحياة العامة على مبدأ سيادة القانون المطلقة وقيم المساواة والعدل.
عقب الانتفاضة الملحمية الكبرى في ربيع عام 1991 وصدور القرار الأممي رقم 688 القاضي بإنشاء "المنطقة الآمنة"، بادرت الجبهة الكوردستانية بأولى خطواتها الدبلوماسية الشجاعة عبر استئناف جولات التفاوض مع النظام البعثي القائم حينذاك. كان الهدف الاستراتيجي من تلك الجهود السياسية الحثيثة هو إعادة هيكلة الدولة العراقية على أسس "اللامركزية" الإدارية والسياسية، وتفعيل بنود اتفاقية الحادي عشر من آذار التاريخية لعام 1970، لكي يشعر المواطن الكوردي بأنه شريك حقيقي في الوطن، ويمتلك حقوقاً دستورية كاملة تعزز انتماءه الوطني الصادق. بيد أن النظام الحاكم واجه تلك المساعي السلمية بقرار عدائي تمثل في الانسحاب المفاجئ للمؤسسات الإدارية من إقليم كوردستان، مما أوجد فراغاً مؤسساتياً هائلاً وضع الشعب الكوردستاني أمام تحديات إدارية ومعيشية جسيمة.
في تلك المرحلة التاريخية الحرجة والمفصلية، برزت القيادة الحكيمة للرئيس مسعود بارزاني كقائد كاريزمي ضمن صفوف الجبهة الكوردستانية، حيث أصر بصلابة على ضرورة العودة المطلقة إلى إرادة الشعب عبر الاحتكام لصناديق الاقتراع. كانت هذه المبادرة التاريخية هي المنطلق والأساس لتأسيس أول برلمان وحكومة منتخبة لإقليم كوردستان في العصر الحديث. ومنذ عام 1992 وحتى نهاية عام 2002، انخرطت القيادة السياسية الكوردستانية في حوارات وطنية مكثفة مع قوى المعارضة العراقية، بهدف صياغة مشروع بناء دولة اتحادية تقوم على أسس "الفيدرالية، والديمقراطية، والتعددية السياسية". هذه الرؤية نالت الإجماع في مؤتمر لندن عام 2002، وأصبحت لاحقاً حجر الزاوية في كتابة الدستور العراقي الدائم لعام 2005. ومع ذلك، وبسبب التنصل المتعمد من تنفيذ المواد الدستورية وإهمال الحقوق الناسيوناليزم الأساسية من قبل السلطة المركزية في بغداد، اختار الفكر القومي الكوردستاني في عام 2017 خيار الاستفتاء الشعبي لتقرير المصير.
واليوم، وبسبب عدم تحول هيكلية الدولة العراقية إلى نظام فيدرالي حقيقي يستند إلى ثلاثية "التوازن، والشراكة، والتوافق"، خيمت حالة قلق عميقة واضطراب سياسي على مجمل العملية السياسية في العراق. هذا المشهد المأزوم لم يعقد العلاقات البينية فحسب، بل أوجد تهديداً استراتيجياً للسلم الأهلي والتعايش المجتمعي، مما يستلزم بالضرورة العودة الجادة للالتزام بالدستور لضمان حقوق كافة المكونات، إذ يبرهن لنا التاريخ دائماً أنه لا يمكن تحقيق أمن واستقرار دون ترسيخ قيم العدالة الشاملة.
وعلى النقيض التام من تاريخ الدولة العراقية خلال العقود الماضية، والذي حول الوطن لبعض المكونات الأصيلة إلى جحيم سياسي، انتهج إقليم كوردستان منذ تأسيسه استراتيجية مغايرة قائمة على "الناسيوناليزم الوطنية" الجامعة، ساعياً لصهر كافة التنوعات في بوتقة كيان سياسي يحترم الاختلاف. ولحماية الأقليات من هيمنة الأغلبية، تم إقرار نظام "الكوتا" لضمان تمثيل الكلدان والآشور والسريان والتركمان والأرمن في مراكز القرار السياسي.
يشير المفكر "أندرياس ويمر" في أطروحاته إلى أن الناسيوناليزم تصبح وقوداً للصراعات عندما تمارس الجماعة السائدة سياسات الإقصاء، لكنها تتحول إلى نموذج استقرار حين تصبح مظلة تحتضن الجميع كما في النموذج السويسري. وهنا يبرز إقليم كوردستان كنموذج مشرق للتعايش، وهو ما عبر عنه المطران بشار وردة حين أكد أن وجود الرئيس بارزاني يمثل ضمانة أمان لبقاء المكونات المسيحية في هذا الوطن. إن هذه الرؤية الوطنية العميقة بنيت على منطق راسخ مفاده أن طمأنينة المكونات الصغيرة هي المقياس الحقيقي لنجاح الناسيوناليزم الوطنية، مما جعل من كوردستان ملاذاً آمناً وحصناً لكافة الهويات التي واجهت تهديدات الوجود، وهذا هو الفخر السياسي الأسمى لتلك التجربة التاريخية الملهمة في المنطقة.
