سفين دزیی مسؤول دائرة العلاقات الخارجية في حكومة إقليم كوردستان: الدياسبورا ليست مجرد هجرة للمواطنين إلى الخارج، بل هي تحول تلك المجتمعات إلى ثقلٍ سياسي واقتصادي قوي
سفين دزيي مسؤول دائرة العلاقات الخارجية بحكومة إقليم كوردستان، دبلوماسي متمرس قدم خلال ندوة "حلقة الحوار" حول دور الشتات الكوردي في تعزيز الفكر القومي بالخارج، رؤى ومقترحات إستراتيجية تهدف لتمكين الهوية الوطنية دولياً، مستنداً لخبرته الطويلة في العمل الدبلوماسي لخدمة القضية.
أثمن عالياً جهود قسم الثقافة والإعلام بالحزب الديمقراطي الكوردستاني لتنظيم هذه الندوة الهامة بعنوان "الشتات الكوردي في فضاءات المهجر لتعزيز الناسيوناليزم". إن هذا الملف يتسم بتعقيدات وأبعاد استراتيجية متشعبة، لذا سأسعى لاستعراض ركائزه الجوهرية بإيجاز، منطلقاً من أهمية دور جالياتنا في الخارج لترسيخ الهوية الوطنية وإعلاء شأن قضيتنا العادلة في المحافل الدولية.
تعريف الشتات وخصوصية الهجرة الكوردية إلى المهجر
تعد قضية الشتات من أهم الملفات الاستراتيجية التي تتطلب توحيد الرؤى وصياغة تعريف دقيق وشامل وموحد. فالشتات لا يقتصر على مجرد هجرة المواطنين الفارين إلى الخارج، بل يتمثل في تحول تلك المجتمعات إلى مراكز ثقل سياسي واقتصادي فاعل، تشكل ركيزة أساسية داعمة للوطن الأم، تماماً كما جسدته بوضوح التجارب التاريخية لليونانيين والأرمن. لقد تميز الشعب الكوردي عبر التاريخ بارتباطه الوجداني العميق بأرضه المقدسة، ولم يسلك دروب الاغتراب بسهولة أو يتخلَّ قط عن ديار أجداده. لذا، يُعد عمر الشتات الكوردي ظاهرة حديثة نسبياً، فبينما كانت شعوب عديدة تهاجر بكثافة في منتصف القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، ظل الكورد متمسكين بترابهم. إن هذا التاريخ الطويل من التجذر يحدد التمايز الجوهري بين الجاليات الكوردية وغيرها، ويبرز ضرورة تنظيم هذه الطاقات البشرية حالياً كواجب قومي سامٍ وأخلاقي، لتتحول إلى قوة ضاربة تدافع عن الحقوق المشروعة لكوردستان في المحافل الدولية كافة، وتدعم مسيرة البناء والسيادة والكرامة الوطنية بفعالية واقتدار تامين ومستدامين لخدمة طموحات شعبنا المناضل.
تاريخ الهجرة ومساعي تنظيم الشتات الكوردستاني
تُعدُّ الهجرةُ ظاهرةً تاريخيةً وفطريةً متجذرةً في كينونة الوجود البشري، فمنذ انبثاق فجر الإنسانية، لم يفتر الإنسان يمم وجهه شطر البحث عن حياة كريمة، مغيرًا خارطته الجغرافية في ارتحال سرمدي طلباً للأمان والاستقرار النفسي والمادي. وتستفيض سجلات الحضارات الكبرى بشواهد حية على هذا الحراك الإنساني، بدءاً من نزوح شعوب آسيا الوسطى نحو هضبة الأناضول، وصولاً إلى هجرات الإسكندنافيين والأوروبيين صوب تخوم أمريكا الشمالية، وارتحال سكان شبه الجزيرة الأيبيرية نحو أعماق أمريكا اللاتينية. ورغم أن التهجير القسري للأفارقة واقتيادهم عنوةً كعبيد إلى القارة الأمريكية يمثل وصمة عار أبدية في جبين التاريخ المعاصر، إلا أن التوق البشري الفطري لتأمين سبل العيش والتحرر من ربقة الجور والاضطهاد يظل المحرك الجوهري للطبيعة الإنسانية عبر العصور. وحتى في صلب الثقافة الكوردية العريقة، يمتلك مفهوم الهجرة والارتحال الموسمي المتناغم بين كرميان وكويستان جذوراً ميثولوجية وضاربة في القدم، متجلياً كننمط عيش أصيل يعكس حركية هذا الشعب الأزلية.
وفيما يخص تبلور الشتات الكوردي، كان الوجود الكوردي وراء البحار في الحقب الخالية يسيراً ومحصوراً غالباً في أغراض طلب العلم الأكاديمي. ويشير الباحث الرصين محمد قاضي في دراسته التاريخية العميقة الموسومة بـ الكورد في أمريكا إلى أنه رغم استيطان عائلات كوردية معدودة هناك منذ مطلع القرن التاسع عشر، إلا أن الانعطافة الكبرى والموجة العارمة من اللجوء السياسي تشكلت فعلياً في أعقاب انتكاسة ثورة أيلول المجيدة عام 1975، والتي مثلت بداية تأسيس وعيٍ جمعي في المهجر.
لقد شهد تنظيم الكورد في المنافي تحولاً بنيوياً ونوعياً في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في مطلع الخمسينيات الصاخبة. فكان تأسيس جمعية الطلبة الكورد في أوروبا عام 1956 بمدينة فيسبادن الألمانية، بمثابة وضع حجر الأساس المتين للمأسسة السياسية والوعي القومي في الخارج. نشأت هذه الجمعية تحت رعاية الأمير كاميران بدرخان، وبقيادة كوكبة من الرموز الفكرية التاريخية أمثال نوردين زازا وعصمت شريف فانلي، وبرزت ضمن صفوفها هامات نضالية كـ فوزي أسعد الذي ترك بصمة فكرية واضحة في الأوساط الثقافية الأوروبية.
إن هذا التاريخ المثقل بمرارة الاغتراب كان مزيجاً تراجيدياً من المعاناة الإنسانية والطموح القومي، حيث لم تكن تلك الجمعية مجرد إطار طلابي أكاديمي، بل استحال دورها إلى دينامو فاعل لإيصال أنين المظلومية الكوردية وعدالة قضيتها الوجودية إزاء المحافل الدولية والمراكز الغربية المؤثرة حتى عام 1975. وقد جسد مناضلون من طينة كمال فؤاد، سيامند بنا، طارق عقراوي، جمال علمدار، دارا عطار، ولطيف رشيد، أدواراً بطولية فريدة في هذه المنابر الناسيوناليزم ، مكرسين جلَّ جهودهم لصون الهوية الكوردية في المهجر، وبثِّ ترانيم الحرية لتصل إلى مسامع العالم أجمع، في ملحمة إنسانية خالدة عكست إرادة شعبٍ يأبى الانكسار ويروم الانعتاق نحو فجر الخلاص القومي المنشود.
موجات الهجرة في أعقاب عام ١٩٧٥
أعقب نكسة عام 1975 وانهيار ثورة أيلول تبلورُ واقع سياسي مغاير تماماً في فضاء النضال الكوردي المعاصر، حيث برزت منظمات ميدانية فاعلة كـ "أكسا" و"سوكس" لملء الفراغ المؤسساتي القائم. ومنذئذ، استحال الشتات الكوردي قضيةً جوهرية مع تضخم أعداد المهاجرين بشكل غير مسبوق. انطلقت شرارة الهجرة الأولى بعيد تلك النكسة، إذ استقبلت النمسا وهولندا وأمريكا أفواجاً كبيرة من اللاجئين. ثم توالت الموجات البشرية إبان حرب الثماني سنوات الضروس بين العراق وإيران، ففرت نخبٌ ومواطنون نحو شمال أوروبا، وتحديداً السويد، اتقاءً لموتٍ محتوم وضغوط عسكرية قاهرة، مستفيدين من تسهيلات اللجوء المتاحة حينها. بحلول التسعينيات، تضخمت ظاهرة الاغتراب نتيجة تشابك الدوافع السياسية والأمنية والاجتماعية وحتى التقليد الجمعي السائد، ليتجاوز الوجود الكوردي في المهجر اليوم ملايين الأشخاص. في سياق متصل، حملت هجرة كورد الشمال والغرب في الستينات صبغة اقتصادية بحتة تلبيةً لاحتياجات ألمانيا من اليد العاملة، لكن المشهد تحول جذرياً نحو التسييس عقب الانقلاب العسكري التركي عام 1980. إن هذا التحول التاريخي العميق يعكس بوضوح مرونة الهوية الكوردية وقدرتها الفائقة على التأقلم مع المتغيرات الدولية والسياسية الصعبة عبر عقود من الكفاح المرير المتواصل لإثبات الذات وسط تحديات العصر الراهن.
تحديات تنظيم الشتات ودور الأحزاب والحكومة
يتسم واقع المجتمع الكوردي بتعقيد بنيوي ناتج عن انقسامات أيديولوجية سياسية عميقة، فهذا الاستقطاب الذي بلغ ذروته بين عامي ١٩٩١ و٢٠٠٣ لا تزال آثاره الجوهرية ماثلة في هيكلية القوى السياسية المعاصرة. وغالباً ما يُطرح تساؤل جوهري حول إخفاق ممثليات حكومة إقليم كوردستان في دول كألمانيا وفرنسا في تقديم دعم فعال للجالية الكوردية. والحقيقة تكمن في أن هذه الممثليات تمثل كياناً سياسياً رسمياً، بينما يحمل جلّ المغتربين جنسيات تلك الدول وتخضع منظماتهم لقوانينها المحلية، مما يحول دون قدرة الحكومة على التدخل المباشر في شؤونهم أو احتوائهم تحت مظلتها الرسمية، لكونهم مقيدين بالأطر القانونية المضيفة. ومن منظور آخر، تمتلك الأحزاب السياسية نفوذاً طاغياً على الجماهير، ففي حين يستجيب الأنصار والمؤيدون بحماسة واسعة لنداءات أحزاب كالديمقراطي الكوردستاني أو الاتحاد الوطني لتنظيم تظاهرات أو فعاليات ميدانية، نجد أن التفاعل مع النداءات الحكومية المؤسساتية يبدو أقل تأثيراً. وهذا يجسد الفجوة الجوهرية والتباين الواضح بين طبيعة الواجب الحكومي الرسمي وآليات العمل الحزبي التعبوي، حيث تتداخل الولاءات الأيديولوجية مع الهوية السياسية في تشكيل الوعي الجمعي للمواطنين بالخارج، مما يعقد دور المؤسسات الرسمية في توحيد الجهود تحت إطار وطني جامع بعيداً عن التحزبات الضيقة التي تعيق تطور الكيان السياسي.
الجيل الجديد والاندماج ومستقبل كوردستان
نشهد اليوم انبثاق جيل جديد وواعد من النخب الكوردستانية المثقفة في دول المهجر الغربي، يمثلون المرآة العاكسة والنموذج الحي لتحضر المجتمعات المتقدمة والنظم السياسية الديمقراطية المعاصرة. لقد استطاع هذا الجيل الاستثنائي، عبر مشاركة سياسية فاعلة في العمليات الديمقراطية، انتزاع مكانة مرموقة ومستحقة داخل أروقة البرلمانات الوطنية والمجالس البلدية المحلية ومراكز اتخاذ القرار السيادي في الأحزاب السياسية الكبرى. وما يبعث على الفخر والاعتزاز هو أنه رغم تمسكهم القانوني بجنسيات دول كألمانيا وفرنسا، والتزامهم الأخلاقي الكامل تجاه تلك الأوطان، لا تزال الروح الناسيوناليزم الكوردية الأصيلة تنبض بقوة وحيوية في أعماق وجدانهم. إن هذا التوازن النوعي الفريد بين قيم المواطنة الحديثة والحفاظ على الهوية الناسيوناليزم الجوهرية يوفر فرصة استراتيجية ذهبية لتحويل الجالية الكوردية إلى جسر دبلوماسي متين يربط كوردستان بالمجتمع الدولي الواسع.
في الحقب الزمنية الماضية، ظل جزء كبير من المهاجرين واللاجئين منزوياً داخل أحياء اجتماعية مغلقة بسبب عوائق اللغة والتباين الثقافي الشاسع، مما أعاق بشكل ملحوظ عملية اندماجهم الحقيقي والفاعل. أما اليوم، فمن الضروري جداً إعادة صياغة هذا الواقع الاجتماعي لخلق انسجام تام مع البيئات الجديدة، دون التفريط بالأصالة الكوردية والقيم الإنسانية الرفيعة التي يحملونها. وحينما نخاطب الدوائر العالمية بشأن قضايا الأمن القومي والهجرة غير النظامية، يتعين علينا التأكيد بوضوح بأن المعالجة الجذرية تبدأ من إصلاح الأوضاع في دول المنبع. فالمهاجر يحمل معه غالباً تراكمات الأزمات الاقتصادية والسياسية المنهكة، والتي قد تتحول في أوروبا إلى شعور باليأس والاغتراب، كما رأينا إبان الحرب المريرة ضد تنظيم داعش الإرهابي، حيث سقط بعض الشباب ضحية للأيديولوجيات الظلامية المتطرفة نتيجة غياب الشعور الحقيقي بالانتماء وفجوة الهوية الوطنية العميقة لديهم.
إن تطلعنا الاستراتيجي لبناء جالية كوردستانية قوية يجب أن يندرج حصراً ضمن إطار المصالح الناسيوناليزم العليا للأمة، بعيداً كل البعد عن الحسابات الحزبية الضيقة والمنافع السياسية العابرة. لقد برهن التاريخ المعاصر أن الجالية في المنعطفات المصيرية الكبرى، كاستفتاء الاستقلال عام ٢٠١٧، تجاوزت كافة الانقسامات الأيديولوجية المصطنعة ووقفت وقفة رجل واحد دفاعاً عن سيادة الوطن وحلم الدولة. واليوم، في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة والقلق المحيط بمستقبل الدولة العراقية عقب الانسحاب المرتقب لقوات التحالف الدولي ومعضلة انتشار سلاح الميليشيات خارج سلطة القانون، تبرز الحاجة الملحة لتأسيس منصة وطنية جامعة. منصة قادرة على استقطاب كفاءات الشباب الكورد في الخارج، ليكونوا الصوت الصادق المدافع عن حقوق شعبهم في المحافل الدولية والحصن المنيع لحماية كيان إقليم كوردستان الدستوري أمام أية تحديات مستقبلية طارئة.
لئن كان إيصال رسالة كوردية بسيطة لوسائل الإعلام العالمية أو تأمين لقاء رسمي مع مسؤول أجنبي رفيع في الماضي يُعد ضرباً من الخيال، فإن أبواب قصر الإليزيه وداونينغ ستريت والبيت الأبيض والفاتيكان غدت اليوم مفتوحة بكرامة واعتزاز أمام القيادة الكوردستانية الرشيدة. ولكن، وبما أن النظام العالمي يمر بمتغيرات جيوسياسية متلاحقة وشديدة التعقيد، فإنه من الواجب القومي تحويل ذاك الحماس المتوقد لدى المبدعين والرياضيين الكورد، حين يرفعون العلم القومي عالياً في المحافل الرياضية، إلى طاقة مؤسساتية مستدامة تخدم الاستراتيجية الكبرى للدولة. يجب أن يوقن هؤلاء الشباب المبدعون أن طاقاتهم الجبارة تُسخر حصراً لخدمة قضية مقدسة وهدف وطني عام، وليس لمجرد استغلال سياسي دعائي مؤقت.
ختاماً، ينبغي الإدراك العميق بأن قوة الجالية الحقيقية لا تكمن فقط في الأرقام، بل في جودة رأس المال البشري المتمثل في الخبرات العلمية والسياسية والدبلوماسية التي اكتسبوها في الدول المتقدمة. إن مسؤولية المؤسسات الوطنية العليا في الإقليم هي إعادة تنظيم هذه الطاقات البشرية وحمايتها من التشتت والضياع. فمن خلال رؤية استراتيجية وطنية موحدة وبعيدة المدى، يمكننا تحصين كوردستان ضد الأزمات والنكبات القادمة، وضمان بقائنا كلاعب سياسي فاعل ومؤثر في المعادلات الدولية المعقدة. هذا هو الطريق الوحيد للنجاح.
دور ممثليات حكومة إقليم كوردستان في الخارج
تضطلع الممثليات الدبلوماسية التابعة لحكومة إقليم كوردستان في الخارج بدور جوهري كجسر تواصل حيوي يربط بين نسيج أرض الوطن الأم والعالم الخارجي، مؤديةً مهاماً استراتيجية في تسيير شؤون المواطنين وتقديم سلسلة من الخدمات الإدارية والمدنية والقنصلية المتكاملة. ورغم النجاحات الدبلوماسية في تذليل كافة العقبات والمعوقات أمام الجالية الكوردستانية، إلا أن المسارات المعرفية، المتمثلة في الجوانب الفكرية والعلمية والفنية ودعم النشر الأدبي، لا تزال تواجه محدودية في النشاط. ويعزى هذا الانحسار أساساً إلى غياب مخصصات مالية مستدامة للمشاريع الاستراتيجية الكبرى، وليس لتقصيرٍ في الأداء، إذ تتحرك الممثليات وفق أطر ميزانياتها المحدودة التي ترسم حدود المبادرات الممكنة.
ثمة جهود ثقافية وتاريخية تستوجب الإشادة، كالمشاركة الفاعلة لممثلية الإقليم في إيطاليا بمهرجان فينيسيا السينمائي، أو ترميم ضريح الشخصية الوطنية "شريف باشا"، وهي خطوات تعزز الهوية الناسيوناليزم في المحافل الدولية. كما تجلى الدعم في مساندة الوفود الرياضية، كمنتخبات الشطرنج والجمباز، عبر تسهيل التأشيرات والدعم اللوجستي. ومع ذلك، يظل تواصل الغالبية العظمى من المواطنين مع هذه الممثليات محصوراً في الدائرة القنصلية، مثل تصديق الوثائق وإتمام الإجراءات القانونية للمقيمين الدائمين.
في سياق متصل، وفرت الدول الأوروبية، ولاسيما منطقة إسكندنافيا، بيئةً خصبة للتعددية الثقافية ومبادئ الاندماج، مما سمح للأنشطة الكوردية بالنمو. لكن هذه الصورة المشرقة في دولة السويد بدأت تخبو مؤخراً، إذ بات ظهور جماعات إجرامية وتشكيلات مافيوية تنتسب للهوية الكوردية يشكل مصدر قلقٍ وإحراجٍ بالغ للجالية والمؤسسات الرسمية على حد سواء. إن هذا الواقع المتأزم يتطلب تحركاً جاداً من وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية، بالتنسيق الوثيق مع الممثليات، للتصدي لأي سلوك غير قانوني يلحق الضرر بالسمعة والمكانة الناسيوناليزم ، فالسلوكيات المنحرفة، مهما كان مرتكبها، لا تخدم عدالة قضيتنا ولا وزننا الدبلوماسي العالمي.
وفي الختام، ينبغي للممثليات في رؤيتها المستقبلية، وإلى جانب مهامها القنصلية التقليدية، أن تولي اهتماماً فائقاً بإعادة تنظيم طاقات الجالية الكوردستانية وتوظيف كفاءاتها لتحقيق التكامل المنشود، لتبرز كقوة ناعمة ومؤثرة في المراكز الفكرية والعلمية العالمية، بصورة تعكس الوجه الحضاري المشرق للأجيال القادمة الصاعدة، بما يضمن صون كرامة الإنسان الكوردي وتعزيز حضوره الدولي الرصين بكل فخر واعتزاز يليق بتضحيات شعبنا وطموحه نحو غدٍ أفضل.
التجربة التركية ودبلوماسية "نوروز"
خلال الحقبة الممتدة ما بين عامي 1992 و2003، إبان توليّ مهام تمثيل الحزب الديمقراطي الكوردستاني في الجمهورية التركية، كان المشهد السياسي والاجتماعي الكوردي في كل من شمال وغرب كوردستان يعيش أحلك فترات القمع والانغلاق والشدة. فبينما كانت العواصم الأوروبية تشهد فضاءات ديمقراطية رحبة تتيح الدفاع عن عدالة القضية الكوردية بشتى الوسائل، كان هذا الحق في الداخل التركي غائباً بصورة مطلقة، بل وكان مجرد الحلم به ضرباً من المحال والجنون. وبصفتنا بعثة دبلوماسية رسمية، كنا نشارك بانتظام وبحضور لافت في الاحتفالات والفعاليات الوطنية لمختلف دول العالم في كبرى فنادق العاصمة أنقرة، كفندقي شيراتون وهيلتون، لكن غصةً عميقة وشعوراً بظلم تاريخي مرير كانا يرافقاننا دوماً، فالكورد كأمة عريقة لم يكن لديهم يوم استقلال رسمي يزهون به أو يرفعون فيه لواءهم أمام المحافل الدولية كبقية الشعوب. غير أن عيد نوروز ظل يمثل الرمز الروحي والهوية الناسيوناليزم الجامعة التي يستشعرها كل كوردي، ورغم كل محاولات التهميش والتغييب، كنا نحييه في السابق بأسلوب محدود جداً خفيةً داخل منازلنا.
في ربيع عام 2000، اتخذت قراراً مفصلياً وشجاعاً اتسم بروح المغامرة التاريخية، إذ قررت تحطيم ذلك الجدار الفولاذي من الحظر، وتنظيم احتفالية كبرى ومهيبة لنوروز في قلب العاصمة التركية، وتحديداً في قاعة فندق شيراتون المرموقة. حضر المراسم حشد نخبوي ضم نحو 450 شخصية بارزة، شملت سفراء ودبلوماسيين وساسة كورد نافذين، أمثال أحمد تورك ورفاقه، بل وحضرها أيضاً وزير الداخلية في تلك الحقبة، عبد القادر أكسو. نُقلت وقائع الاحتفال بشكل واسع ومباشر، فكانت بمثابة زلزال سياسي مدوٍ هز أركان الإعلام التركي وتوجهاته. شنت الصحف الناسيوناليزم المتطرفة هجوماً إعلامياً شعواء بغير هوادة، مطالبةً بطردي الفوري وإغلاق كافة مكاتب الحزب، حتى تصاعد الموقف ليتم تصنيفي دبلوماسياً ضمن خانة الشخص غير المرغوب فيه (Persona Non Grata).
وفي تلك اللحظة التاريخية الحرجة، تزامنت الأزمة مع وصول وفد رفيع المستوى من إقليم كوردستان برئاسة السيد نيجيرفان بارزاني والسيد فاضل ميراني لإجراء مباحثات مع وزارة الخارجية التركية. وعند طرح مسألة طردي، انتفض السيد نيجيرفان بارزاني بموقف اتسم بالصلابة الفائقة والثقة المطلقة بالنفس، حيث واجه المسؤولين الأتراك بلهجة حازمة قائلاً: "نحن مستعدون لإغلاق ممثليتنا هنا خلال أربع وعشرين ساعة وإرسال ممثلنا إلى الولايات المتحدة، ولكن في المقابل، تمتلكون أنتم أكثر من خمسة عشر مكتباً ومركزاً حيوياً في مناطقنا، وكونوا على يقين تام بأننا سنغلقها جميعاً وننهي وجودها خلال ثمانٍ وأربعين ساعة فقط". هذا المنطق الردعي الصريح دفع وكيل الخارجية التركية أورزيال للتدخل فوراً لتهدئة الأوضاع واحتواء الموقف المتأزم.
لقد شكلت تلك البسالة وذاك الموقف الصارم منعطفاً تاريخياً حاسماً، ففي السنوات اللاحقة، سعت الدولة التركية لاحتواء رمزية نوروز ومحاولة صبغه بصبغات غير قومية، إلا أن الجوهر الكوردي ظل هو الغالب. إن تلك التضحيات الجسيمة في جزيرة وديار بكر مهدت الطريق لغدٍ أفضل، واليوم نرى مئات الآلاف يحتفون بنوروز في إسطنبول بكل فخر. إن التاريخ يُصنع في تلك اللحظات الوجودية التي تتطلب قرارات شجاعة، فما كان بالأمس مستحيلاً، بات اليوم حقيقة واقعة تعترف بها مراكز القرار العالمي.
