بوتان أحمد، المثقف والسياسي: تحويل الكورد في المهجر إلى قوة منظمة، هو المفتاح للتأثير في مراكز صنع القرار بالغرب
يُعتبر بوتان أحمد أحد المثقفين والسياسيين البارزين بشمال كوردستان، حيث استعرض في ندوة "حلقة الحوار" (دور الشتات الكوردي خارج الفضاء الوطني في تعزيز الناسيوناليزم ) مجمل رؤاه وتصوراته ومقترحاته الاستراتيجية والسياسية الهامة على النحو الآتي:
أزجي أسمى آيات الشكر والتقدير لقسم الثقافة والإعلام في الحزب الديمقراطي الكوردستاني لمبادرتهم النوعية الرائدة في جمع نخبة من ممثلي الأجزاء الأربعة لكوردستان تحت سقف هذه القاعة العامرة، بغية صياغة رؤية مشتركة حول "دور الشتات الكوردي في الفضاءات الخارجية لتعزيز ركائز النسيج القومي". لذا، أغتنم هذه الفرصة الثمينة لأركز في حديثي على تجربة الشتات الكوردي الخاص بشمال كوردستان تحديداً.
إن استحضار مفاصل تاريخ نشوء وتطور الشتات الكوردي المنحدر من شمال كوردستان في القارة الأوروبية، يستوجب منا قراءته كعملية سوسيولوجية وسياسية وثقافية عميقة الأبعاد، تركت تأثيراً مفصلياً وبنيوياً على منهجية التفكير وصياغة الهوية الوطنية الكوردية في الداخل والمهجر. انطلقت هذه الصيرورة التاريخية منذ مطلع الستينيات كحراك ذي طابع معيشي واقتصادي، حين اندفعت أفواج هائلة من أبناء شمال كوردستان نحو المصانع الكبرى في ألمانيا وبلدان أوروبية أخرى لتأمين لقمة العيش. خلال ذلك العقد الفاصل بين 1960 و1970، بلغت أعداد المهاجرين مستويات قياسية، قُدرت ما بين خمسمائة ألف ومليوني إنسان، وضعوا اللبنات الأساسية لأول مجتمع كوردستاني في بلاد المغترب. ومن هذا المنطلق، نُقل الإنسان الكوردي قسراً من بيئة ريفية زراعية تقليدية إلى قلب الحداثة الأوروبية المتسارعة، مما ولد لديه وعياً حقوقياً جديداً وخميرة فكرية غيرت منظوره السياسي تجاه حقوقه الناسيوناليزم المسلوبة. شكل هذا الانتقال من الحقول للمصانع لحظة صدام حضاري فجر في وعي المهاجر تساؤلات وجودية حول الهوية، وحوله من كادح يطلب الخبز إلى مواطن يطلب الوجود السياسي.
ومع حلول السبعينيات، شهدت الهجرة تحولاً جذرياً من طابعها الاقتصادي نحو مسارات سياسية وعرة، تحديداً بعد الانقلابات العسكرية الدموية في تركيا التي استهدفت قمع الحركات اليسارية والناسيوناليزم الناشئة. في هذه المرحلة الانتقالية، اختارت نخبة مثقفة وكوادر حزبية كوردية ملاحقة طريق المنفى، لتتحول مملكة السويد بفضل قوانينها إلى حاضنة ذهبية لهذا التجمع النخبوي. وبالرغم من غياب الوشائج الجماهيرية الوثيقة بين هؤلاء المثقفين وعامة الشعب حينها، إلا أنهم أدوا دوراً تاريخياً فريداً في حماية وإحياء اللغة والأدب الكورديين. لقد استثمروا مناخات الحرية لتثبيت الأبجدية الكوردية باللاتينية، وجعلوا من الكلمة والمجلات خندقاً أول للدفاع عن الذات الوطنية. كانت هذه المرحلة بمثابة العصر التنويري للشتات، حيث استنبتت بذور الوعي في تربة خصبة بالعدالة. كما مهدت مؤتمراتهم العلمية الطريق لتعريف الضمير العالمي بالقضية الكوردية، رغم أن التنظيم السياسي الشامل لم ينضج كلياً قبل عام 1980.
وقع المنعطف التاريخي الأضخم عقب انقلاب الثاني عشر من أيلول 1980، إذ أرغم هذا البطش السلطوي كافة الأحزاب والناشطين على مغادرة الوطن واللجوء للمهاجر. وبينما استقر قسم في لبنان وسوريا، توجهت القيادات التنظيمية والمثقفة نحو أوروبا، لتصل الفعاليات الحزبية في الشتات إلى ذروة زخمها. بدأت قوى مثل "كومكار" والحزب الاشتراكي الكوردستاني بقيادة كمال بوركاي ومنظمات كرزگاري أنشطتها، لكن حزب العمال الكوردستاني استطاع تحقيق قفزات مذهلة وبسط نفوذه بسرعة قياسية. ويعود هذا الصعود الكاسح لركائز، أولها تبني شعار الدولة المستقلة الموحدة، وهو ما لامس العواطف الناسيوناليزم . وثانياً، إيمان الحزب بأن التحرير لن يتحقق إلا عبر الكفاح المسلح، وهو ما نال رضا الجماهير المحبطة. وثالثاً، تميز أسلوبهم بالمرونة الميدانية، حيث لم يكتفوا بالمكاتب، بل تغلغلوا في البيوت، ناسجين شبكة تواصل إنساني مباشر مكنتهم من الريادة.
إلا أن هذه الهيمنة التي فرضها حزب العمال لم ترتكز فقط على الإقناع، بل شابتها أساليب ضغط وترهيب تجاه القوى الكوردية المنافسة، فيما عُرف بـ"الإرهاب السياسي الداخلي". تسببت هذه الممارسات الإقصائية في تعطيل منجزات الأحزاب الأخرى، وفرض السيطرة الأحادية بقوة التهديد، مما أجبر المنافسين على التراجع ليصبح الحزب القوة المهيمنة الوحيدة. ورغم هذا الاقتدار، برزت انتقادات لاذعة لمنهجيتهم، إذ جادل مراقبون بأن الحزب لم يكن حركة قومية خالصة، بل استنساخاً لموديلات ماركسية لينينية ركزت على الهيمنة الحزبية. ويُعتقد أن الحزب استنفد مقدرات الشتات لخدمة ديمومته التنظيمية بدلاً من توظيفها في استراتيجية قومية شاملة. لقد اعتبرت عمليات جمع التبرعات المليونية ودفع الشباب نحو القتال وسيلة لتقوية الماكينة الحزبية، عوضاً عن تشييد بنية تحتية قومية رصينة تخدم تطلعات الأمة.
إننا اليوم، أمام هذا التاريخ، مدعوون لمراجعة نقدية تجعل من الشتات رافعة لمشروع وطني جامع يتجاوز ضيق الحزبية نحو فضاء الناسيوناليزم الرحب الذي يحفظ كرامة الجميع دون استثناء. وبهذا نكون قد استخلصنا العبر من ماضٍ مليء بالتحديات لبناء مستقبل مشرق يليق بتضحيات شعبنا العظيم في كافة أصقاع المعمورة وتحت كل الظروف الصعبة التي مر بها مناضلو الكورد في سبيل الحرية والعدالة والكرامة الوطنية التي ننششدها جميعاً في هذا الوطن الكبير. إن المسؤلية الملقاة على عواتقنا جسيمة وتتطلب منا التكاتف والعمل الدؤوب بروح الفريق الواحد لنرتقي بقضيتنا العادلة إلى مصاف الأمم المتقدمة التي تنشد السلام والازدهار في ظل نظام ديمقراطي عادل يضمن الحقوق ويصون الحريات العامة والخاصة لكل فرد من أبناء كوردستان.
في سجلات التاريخ المعاصر للحركة التحررية الناسيوناليزم الكوردية، يبرز العقد الزمني الممتد بين عامي 1990 و2000 كمنعطف سسيوسياسي جوهري أحدث تغييراً راديكالياً في موازين القوى الإقليمية والدولية. ورغم أن ملامح هذا التحول الجذري بدت أكثر جلاءً في الألفية الجديدة، إلا أن الحقيقة التاريخية الفاحصة تؤكد أن انتفاضة ربيع عام 1991 وتدشين الكيان السياسي الدستوري لإقليم كوردستان قد أفرزا نموذجاً نضالياً حداثياً، حيث انتقل جوهر القضية الكوردية من فلك "الثورة المسلحة المستمرة" إلى رحاب "مأسسة الدولة وبناء المؤسسات". هذا التحول البنيوي أدى تدريجياً إلى انحسار الأنماط الأيديولوجية الراديكالية لصالح كيان سياسي يتمتع بالشرعية القانونية، بعيداً عن تصنيفات قوائم الإرهاب، وبوصفه الممثل الرسمي والمفوض للشعب الكوردي، مما أجبر القوى العالمية على التعاطي مع حكومة منتخبة تعبر عن تطلعات أمة، لا مجرد تنظيم سياسي وعسكري محدود الأفق.
لقد ارتقت الدبلوماسية الكوردستانية في تلك الحقبة الحرجة إلى مستويات أثارت ذهول وتوجس القوى الإقليمية، ولاسيما الدولة التركية، حيث كان المسؤولون في أنقرة يوجهون انتقادات لاذعة للدبلوماسيين الغربيين متسائلين عن سر تفضيلهم التوجه نحو أربيل كمركز ثقل للقرار السياسي بدلاً من العاصمة التركية. كان ذلك مؤشراً ساطعاً على انبعاث النهج القومي الكوردي ضمن إطار "الدولة العصرية". بيد أنه، وبموازاة تلك المكاسب، برزت فجوة استراتيجية عميقة تمثلت في "هشاشة التنظيم الجماهيري والقومي" في ساحات الاغتراب. فبينما نجحت القيادة في ممارسة السيادة على الأرض في الداخل، ظلت الممثليات الرسمية في أوروبا مجرد مكاتب إدارية بروتوكولية، عجزت عن احتواء واستنهاض الطاقات البشرية الكامنة في أوساط الجاليات الكوردية وتوظيفها لخدمة المصالح العليا، على عكس التنظيمات الأيديولوجية التي شيدت قواعد جماهيرية صلبة وفعالة.
إن غياب هيكلية تنظيمية قومية موحدة في المهجر إبان التسعينيات، بالتزامن مع تداعيات الصراعات الداخلية، أضاع على الكورد فرصاً جيوسياسية تاريخية. وبعد سقوط النظام الديكتاتوري عام 2003 وتعاظم دور الإقليم، بات الكورد يمتلكون مقومات "الدولة الفعلية" المؤثرة. ومن هنا، كان لزاماً تبني نموذج تنظيمي رصين في أوروبا يتجاوز الأطر الحزبية الضيقة. فلو أُبصرت "كونفدرالية ديازبورا كوردستان" النور في عام 2005 أو 2010، لكان مآل استفتاء الاستقلال والزخم الدولي المساند للحقوق الكوردية أكثر قوة ومناعة. فالعمل الدبلوماسي الرسمي يظل منقوصاً ما لم يرتكز على قوة شعبية ضاغطة في عواصم القرار السياسي العالمي.
إن تجربة الشتات اليهودي تمثل نموذجاً معيارياً في كيفية تسخير الرأسمال واللوبيات الناسيوناليزم لإدارة السياسة الخارجية. وبما أن الكورد يمتلكون في أوروبا كتلة بشرية تقارب أربعة ملايين نسمة، فإننا نتحدث عن قوة فدائية وبشرية هائلة تتجاوز في ثقلها الديموغرافي تعداد سكان دول عربية وإقليمية عديدة، وهي طاقة قادرة، في حال تأطيرها علمياً، على إحداث اختراق حقيقي في مراكز القرار الأوروبي والسياسات الدولية.
في هذا السياق، يُعد تأسيس "كونفدرالية دياسبورا كوردستان" وثبة استراتيجية ومقدسة، تهدف لتعزيز الهوية الناسيوناليزم بعيداً عن الاصطفافات الحزبية الضيقة. غير أن التحدي الوجودي الذي يواجه هذا المشروع يكمن في إشكالية "الكوادر القيادية"، إذ لا يكفي امتلاك خزان بشري هائل في المهجر دون وجود نخب قيادية مؤهلة قادرة على تحويل هذا الزخم الشعبي إلى قوة ضغط (لوبي) منظمة تخدم الاستراتيجية الناسيوناليزم وتدعم الدبلوماسية الرسمية في المحافل الدولية الكبرى بكل اقتدار، وفنية، واحترافية عالية من أجل تحقيق الأهداف السامية التي ينشدها أبناء الشعب الكوردي في مسيرتهم نحو الحرية والعدالة المستحقة.
لتحقيق النجاح المنشود لهذا المشروع القومي الاستراتيجي الكبير، يغدو لزاماً علينا اليوم اتخاذ حزمة من الخطوات التأسيسية الراسخة والمدروسة بعناية فائقة:
أولاً: صياغة وتكريس آلية تنسيق بنيوي متين ومستدام يجمع بين كافة الاتحادات الفاعلة والوزارات السيادية والخدمية ذات الصلة الوثيقة، ولاسيما وزارتي التربية والخارجية، لضمان تحقيق تكامل الأدوار الناسيوناليزم .
ثانياً: إيلاء الرعاية القصوى للجيل الناشئ عبر المنصات الأكاديمية والجامعية العالمية المرموقة، إذ ينبغي تحفيز الشباب الكوردي في المهجر الأوروبي بكل السبل للانخراط بفاعلية وجدية في المجالات السياسية والدبلوماسية والأكاديمية الرفيعة. الهدف الجوهري هو صياغة نخبة وطنية متنورة قادرة على الذود عن حقوقنا الناسيوناليزم المشروعة بلغة العصر الحديث وبالمنطق السياسي الغربي الذي يدركه المجتمع الدولي المعاصر.
ثالثاً: مأسسة وتنظيم وتعبئة رأس المال الكوردي في بلاد المغترب بشكل احترافي. إن الإمكانات المالية والمادية الضخمة لكورد أوروبا، إذا ما خضعت للتنظيم الإداري الرشيد، لن تقل شأناً أو تأثيراً عن الثروات المؤثرة التي تمتلكها الجاليات اليهودية عبر التاريخ. إن توجيه هذه الموارد المالية السخية ضمن إطار موحد لدعم عمليات اللوبي والضغط السياسي، كفيل بتغيير موازين القوى القائمة وإعادة تموضع الكورد في خارطة النفوذ والقرار العالمي.
وعلى الرغم من أن هذه الخطوات الجوهرية الضرورية قد تأخرت زمنياً، إلا أن تدشين عمل مؤسساتي وقومي رصين عبر كنفدرالية الشتات يظل هو المسار الوحيد لتحويل الكورد من توصيف أمة محاربة إلى مكانة أمة صانعة للقرار ومؤثرة في مراكز القرار السياسي الكبرى عالمياً. يجب أن يتصدر التنظيم الدقيق وإعداد الكوادر النوعية سلم الأولويات الوطنية، إذ لا يمكن لأي كيان سياسي الصمود والثبات بوجه التحولات الجيوسياسية المتسارعة دون وجود إنسان منظم ورأس مال وطني موجه بذكاء نحو أهداف استراتيجية عليا.
ولا يجوز في هذا السياق إغفال الدور المحوري للإعلام، فخلال حقبة التسعينيات، استطاع حزب العمال الكوردستاني إحداث ثورة إعلامية فارقة بتأسيسه قنوات فضائية اخترقت عمق المنازل في أوروبا وشمال كوردستان، ونجحت بقدرة في تحويل الخطاب السياسي إلى خطاب مجتمعي مهيمن حتى عام ٢٠٠٠. بيد أن اعتقال عبد الله أوجلان وتسليمه شكّل صدمة تاريخية وزلزالاً في وعي الشتات. فقد شرع أوجلان من معتقله في تغيير بوصلته الاستراتيجية، معلناً مراجعته لثوابت سابقة ومتخلياً عن طموح الدولة المستقلة والكفاح المسلح، مما ولد انقساماً فكرياً حاداً. ومنذ ذلك الحين، يواجه شتات شمال كوردستان حالة من الركود والتقهقر السياسي، حيث بات الحزب يستهلك الرصيد الجماهيري الذي راكمه في عصره الذهبي خلال الثمانينيات والتسعينيات، متجهاً نحو التهميش السياسي.
ختاماً، إن سيرة الشتات الكوردي في شمال كوردستان هي ملحمة تحول الإنسان الكوردي من عامل بسيط إلى فاعل سياسي مؤثر في قلب القارة العجوز. ورغم المنجزات الثقافية الهائلة، إلا أنهم عانوا من وطأة الصراعات البينية والهيمنة الحزبية. لقد كشفت تجربة الحزب في أوروبا كيف يمكن استثمار الزخم القومي لأغراض حزبية، وكيف تؤدي التحولات المفاجئة إلى إحباط الجماهير. والآن، يقف الشتات أمام تساؤل وجودي: هل بمقدوره التحرر من إرث الماضي لابتكار نمط نضالي مدني يتناغم مع استحقاقات القرن الحادي والعشرين، أم سيظل يراوح مكانه مستنزفاً أمجاد الماضي حتى يخبو أثره في المحافل الدولية؟ إن هذا التاريخ الحافل بالدروس يمثل خارطة طريق حقيقية لكل حركة كوردية.
