شادمان ملا حسن مسؤول جبهة الشعب" بەرەی گەل" في أربيل: إن الناسيوناليزم والشعور القومي لا يُصاغان بقرار حكومي أو توقيع سياسي داخل الأطر الحزبية
استعرض شادمان ملا حسن، مسؤول جبهة الشعب بأربيل، في ندوة (دور الشتات الكردي في إعلاء الناسيوناليزم خارجياً)، رؤاه ومقترحاته لتعزيز الانتماء الوطني وترسيخ الهوية الكوردية في المهجر، مؤكداً على أهمية الوعي القومي في المحافل الدولية.
أتوجه بالشكر الجزيل لحلقە الحوار في قسم الثقافة والإعلام للحزب الديمقراطي الكوردستاني لدعوتنا لمناقشة دور الشتات الكوردي في الفضاء الخارجي لإعلاء الناسيوناليزم . إنها قضية حساسة ومعقدة تتسم بتعدد الأبعاد والآفاق، لذا سأحاول استعراض رؤيتي من خلال تسليط الضوء على عدة محاور أساسية تهدف لتفكيك هذا المشهد المركب، سعياً للمساهمة في إثراء هذا الطرح الفكري بأسلوب تحليلي رصين.
خصوصية الشتات الكوردي وتمايزه عن بقية الأمم
عند تحليل الناسيوناليزم الكوردية في سياق الشتات، تبرز خصوصية التجربة الكوردية مقارنة بأمم أخرى كالأرمن واللبنانيين والإيطاليين، الذين اتخذت هجرتهم طابعاً اقتصادياً أو توسعياً كقوى مهيمنة في مستعمرات أفريقية. أما الكرد، فقد كانت هجرتهم نتاجاً لغياب الكيان والاضطهاد الممنهج، كشعب بلا دولة واجه التهميش. يكمن التمايز هنا في كون الكردي لم يهاجر كعنصر سيادي، بل كضحية تسعى لحماية هوية مهددة. هذا البعد السياسي جعل الناسيوناليزم الكوردية في المنافي أكثر تجذراً، إذ اقترنت بهاجس العودة وبناء الكيان الوطني كخلاص وحيد. إن الكردي في شتاته لا ينشد الرفاه فحسب، بل يحمل قضية وجودية يناضل لأجلها، محولاً الاغتراب إلى منطلق لإثبات الحق القومي. وبناءً عليه، فإن التمسك بالجذور ليس نوستالجيا، بل فعل سياسي يهدف لإنهاء حالة التيه التاريخي. هكذا يظل السعي نحو الاستقلال هو المحرك الأساسي لهذا الوعي، حيث تتداخل الطموحات الشخصية بالآمال الناسيوناليزم الكبرى. إن هذا المسار الفريد يعكس إصراراً نادراً على البقاء، مما يجعل التجربة الكوردية نموذجاً استثنائياً في تاريخ الشعوب المعاصر.
الناسيوناليزم بوصفها رد فعل والمخاطر المحدقة بالكيان
في سياق الناسيوناليزم ، لا ينبغي أن يقتصر حراكنا الجمعي على ردود الأفعال العفوية تجاه الأحداث العابرة. ورغم أن وحدة الصف تجاه قضايا "غرب كردستان" أو رمزية "نوروز" تبعث على التفاؤل، إلا أن الناسيوناليزم الكوردية يجب أن تتحول إلى قوة بانية ومحرك دائم يتسم بالوعي واليقظة. إن المهام التاريخية الملقاة على عاتقنا جسيمة ومعقدة، وكما نقل "عبد الله حسن زاده" عن القائد الملا مصطفى بارزاني حين قال لوفدٍ زاره ذات يوم: في هذا الوطن المترامي الأطراف، لم يُحرَّر سوى شبر واحد من الأرض، وهو لا يزال يفتقر للضمانات المطلقة. إننا اليوم نواجه جغرافيا واسعة لا يتنفس إلا جزء ضئيل منها نسائم الحرية، وهو جزء يرزح باستمرار تحت وطأة تهديدات إقليمية وجودية بالغة الخطورة. وهذه المخاطر المحدقة لا تنبع من القوى الخارجية فحسب، بل إن تشتتنا الداخلي يمثل التهديد الحقيقي الأكبر لمكتسباتنا الناسيوناليزم ولمصير الأمة برمته. لذا، تبرز حاجة ملحة لبلورة خطاب قومي مؤسساتي رصين يتجاوز العاطفة، ليتحول إلى استراتيجية وطنية شاملة تهدف لحماية الوطن وصون الهوية. فالحرية ليست مجرد شعار، بل هي نتاج عمل منظم. لقد أثبت التاريخ بأن الصمت والانقسام يمهدان دائماً الطريق لتبديد كل الحقوق التاريخية المشروعة.
ضرورة وجود مركز معرفي والتحرر من قوالب الحزبية الضيقة
تنبثق الحاجة الملحّة لتأسيس مركز معرفي وفكري وطني، يتولى توجيه وإدارة شؤون الشتات الكردي وإعادة تنظيم الخطاب القومي، من ضرورة استراتيجية تتجاوز الأطر التقليدية المعاصرة. لقد اتسم تاريخ الهجرة الكوردية في بداياته بانطلاق الأفراد من قوالب حزبية ضيقة وأيديولوجيات منغلقة صِيغَت ملامحها في الداخل، غير أن التحولات العالمية الكبرى وتراكم الخبرات أفرزا وعياً معرفياً جديداً مكّن الذات الكوردية من التحرر من الانتماءات الفرعية وتغليب المصالح الوطنية العليا في اللحظات التاريخية الحاسمة، وهو ما يمثل تحولاً إيجابياً جذرياً يعكس نضج الوعي القومي المعاصر والمستنير.
عند تحليل ظاهرة الناسيوناليزم والدياسبورا الكوردية، يستوجب الأمر إجراء تمييز دقيق بين السياقات السياسية والاجتماعية لأجزاء كردستان المختلفة. فالناسيوناليزم الكوردية في العراق تمتلك خصوصية بنيوية مغايرة تماماً لنظيراتها في تركيا وسوريا. ففي جنوب كردستان، لم يتركز جوهر الصراع حول "الاعتراف بالهوية" بقدر ما تمحور حول "حجم المكتسبات ومدى الحقوق". فاللغة والثقافة الكوردية لم تواجه الرفض الوجودي العنيف الذي تعانيه في الشمال، حيث اعترف الدستور العراقي المؤقت لعام 1958 بالشراكة الناسيوناليزم ، وتأسست الأقسام الكوردية في الإذاعة والتلفزيون والتعليم والمنشورات الأدبية منذ وقت مبكر. لذا، لم ينجرف الحراك السياسي الجنوبي نحو الكراهية العرقية المطلقة أو إقصاء الآخر، بل حافظت القيادات السياسية الكوردية على مسافة واضحة بين الصراع السياسي مع الأنظمة وبين الروابط الإنسانية مع المكونات الأخرى، مانعةً تحويل الصراع إلى صدام قومي شامل.
في المقابل، يواجه الكرد في الشمال دكتاتورية ثقافية تجعلهم يخوضون صراعاً وجودياً لانتزاع أبسط الحقوق المتمثلة في اللغة والهوية، كما يتضح من تركيز قيادات حزب العمال الكردستاني على "حرية اللغة" كهدف جوهري. هذا التباين الموضوعي يتطلب تجسيد الواقع السياسي في الشتات عبر إنتاج وعي وطني محايد ومستقل. إن المهمة الجوهرية للمراكز المعرفية المقترحة تكمن في الحيلولة دون ذوبان القضية الوطنية في أتون التجاذبات الحزبية، وتحويل الروند الكردي في المهجر إلى قوة ضغط ديناميكية ومنصة فكرية تتبنى خطاباً عقلانياً حداثياً.
إن تبني القراءة العلمية لخصوصية كل جزء جغرافي يتيح صياغة موازنة دقيقة بين الطموحات الناسيوناليزم والواقع الدولي المعقد. لذا، يجب أن يعمل هذا المركز كمظلة وطنية جامعة توحد الطاقات الفكرية المبعثرة وتصون الهوية من التفتت والضياع. إن توظيف المعرفة كأداة استراتيجية لإدارة الفكر القومي هو المسار الوحيد لضمان تقديم الكرد للمجتمع الدولي ليس بوصفهم مجرد لاجئين فارين من الأزمات، بل كأمة ذات رسالة حضارية وتاريخ عريق، قادرة على إعادة تعريف ذاتها أمام العالم كشريك فاعل في بناء القيم الإنسانية المعاصرة، بعيداً عن منطق التشرذم أو التبعية للأيديولوجيات الضيقة والمغلقة. إن تحقيق هذا الهدف يتطلب إيماناً عميقاً بدور النخب في صناعة الوعي، وخلق آليات تواصل مؤسساتية عابرة للحدود، تساهم في ردم الفجوة بين تطلعات الداخل وإمكانيات الخارج، لتتحول الغربة من حالة استلاب إلى فضاء للإبداع السياسي والفكري، يخدم الغايات الكبرى للشعب الكردي ويضمن له مكانة لائقة في ذاكرة المستقبل والضمير العالمي.
استراتيجية جديدة لتنظيم الشتات وبناء قومية إنسانية
فيما يخص قضية الشتات، ثمة ضرورة تاريخية ملحة لتأسيس مركز وطني شامل، ينأى بنفسه عن الهيمنة الحزبية والصراعات السياسية الضيقة، لتكون مهمته الأساسية صياغة خارطة طريق مستدامة للتواصل والتنسيق بين الجاليات الكوردية، بهدف تحقيق الانصهار القومي وحماية الهوية في دول الاغتراب. أما في أبعاد الفلسفة الناسيوناليزم ، فلا بد من تشييد الناسيوناليزم الكوردية على ركائز "حب الوطن والخدمة العامة"، بعيداً عن منطق "كراهية الآخر". فإذا ما تأملنا الناسيوناليزم التركية، نجدها قامت على عداء تاريخي للكرد، وما شهدناه مؤخراً من هلعٍ تجاه طفل يغني لنادي "آمد سبور" يعكس قوميةً ترتكز على "الخوف". وبالمثل، فإن الناسيوناليزم العربية التي تمحورت حول كراهية إسرائيل، كشفت أحداث "الربيع العربي" عن هشاشتها وتآكل بنيانها لصالح الإسلام السياسي. وفي المقابل، نجد أن "الإيرانية" تعتمد بشكل أكبر على الهوية التاريخية بدلاً من اتخاذ الكراهية محركاً أساسياً. لذا، يتعين علينا ككرد تبني فكر قومي يحترم الشعوب الأخرى، ويُوظف حصراً كأداة لحماية الوجود وإعادة إعمار الوطن. من جانب آخر، يتوجب على حكومة إقليم كوردستان الالتفات بجدية نحو "الكرد الأصلاء" القاطنين في دول مثل الأردن، مصر، أذربيجان، وجورجيا. هؤلاء الذين استقروا هناك منذ أمد بعيد وتبوأوا مكانة المواطنة في مؤسسات تلك الدول، فرغم فقدان الكثيرين منهم للغتهم الأم، إلا أن مشاعرهم الناسيوناليزم لا تزال حية. إن على الحكومة، بدلاً من استنزاف الموازنات في مجالات عديمة الجدوى، استثمار القنوات الدبلوماسية لافتتاح مدارس ومراكز ثقافية هناك. إن إحياء هوية هذه النخب الكوردية يمثل قوةً استراتيجيةً كبرى للقضية، فبصفتهم مواطنين أصلاء في تلك البلدان، يمتلكون القدرة على التأثير في مراكز القرار السياسي والثقافي، ويشكلون جسوراً متينة تربط وطنهم الأم بالعالم، مما يمنح القضية الكوردية صوتاً مسموعاً وعمقاً دبلوماسياً مؤثراً في المحافل الدولية كافة، لتعزيز الحضور الكردي الفاعل عالمياً، وترسيخ أسس التفاهم المتبادل بين مختلف المكونات الإنسانية، بما يضمن للأجيال القادمة مستقبلاً واعداً قائماً على الانتماء والارتباط بالجذور التاريخية العميقة، وبما يحفظ كرامة الإنسان الكردي في كافة أصقاع الأرض والمهجر.
جدلية العلاقة بين المهجر والداخل: الهوية وتحديات الناسيوناليزم الكوردية في أوروبا
إنّ حضور المراكز الكوردية في فرنسا، وفي مقدمتها «بيت الكرد» و«المعهد الكردي»، لا يقتصر على كونها مجرد مؤسسات ثقافية اعتيادية، بل تمثل في جوهرها حواضن استراتيجية وجامعة لشتات أبناء كردستان بكافة أجزائها. لقد سُطرت ملامح الوجود السياسي الكردي في القارة الأوروبية بجهود نخب فكرية ومناضلة رائدة، من أمثال الأمير كاميران بدرخان وعصمت شريف فانلي، الذين استطاعوا، بصفتهم طليعة مثقفة، إيصال عدالة القضية الكوردية إلى المحافل الدولية ودوائر صنع القرار العالمي. وبالرغم من أن موجات الهجرة الكوردية من شمال كردستان نحو أوروبا بدأت منذ ستينيات القرن الماضي، إلا أن الزخم القومي الفاعل لم يتبلور إلا بظهور حراك سياسي منظم، مما يبرهن على أن الفكر القومي يحتاج دوماً إلى محرك سياسي ومؤسساتي قادر على توجيه الطاقات البشرية في المهجر وتحويلها إلى قوة ضاغطة.
من جهة أخرى، لا يمكن قراءة واقع الكرد في الخارج بمعزل عن كواليتي الحوكمة في إقليم كردستان، إذ ثمة وشائج عضوية وتفاعلية تربط بين الداخل والشتات. فكلما ارتقى مستوى الإدارة السياسية في الوطن، وتعززت مساحات المشاركة العامة والرأي الحر، انعكس ذلك إيجاباً على مستوى الولاء والفاعلية لدى الكرد في الاغتراب. إن الإنسان الكردي في منافيه، تظل روحه معلقة بتفاصيل الحياة في وطنه، وحين تتوفر حياة كريمة ومستقرة للمواطنين في الداخل، يتحول ذلك الشعور القومي إلى طاقة محفزة تدعم القضية الكوردية في الساحات الدولية.
إن الهوية والناسيوناليزم ليستا مجرد قرارات إدارية أو توافقات حزبية ضيقة، بل هما سيرورة ثقافية وتاريخية معقدة تتطلب جهوداً بنيوية عميقة. ولعل الأحداث الناسيوناليزم الكبرى، كالتي شهدناها في "روج آفا"، كانت بمثابة الخميرة التي صهرت ملامح هذه الهوية ووحدتها. وهنا تبرز مسؤولية النخب الفكرية والقيادات السياسية في صياغة خطاب وطني جامع يتجاوز الحسابات الحزبية المحدودة. وبالطبع، لا يخلو واقع "الدياسبورا" الكردي من تحديات جمة، لعل أبرزها التصادم مع المفهوم الغربي المعاصر لـ "الناسيوناليزم " الذي غالباً ما يُنظر إليه بسلبية، فضلاً عن تمدد الأيديولوجيات الدينية المتطرفة التي تسعى لتقويض الهوية الناسيوناليزم وإضعاف الانتماء للقضية المركزية.
وعند إجراء مقارنة تاريخية وجغرافية بين الكرد والأمم الأخرى التي تفتقر لدول مستقرة، نجد أن الكرد يتمتعون بميزة ديموغرافية وجغرافية كبرى، فبينما يعاني الآشوريون من غياب وحدة جغرافية محددة، يمتلك الكرد أرضاً شاسعة وديموغرافيا حية ونابضة. وحتى الأرمن، رغم صغر مساحة دولتهم، استطاعوا حماية شوناسهم بصلابة. إن المعضلة الجوهرية تكمن في كيفية استثمار هذه المقومات لتحقيق التحرر التام، وهو ما يتطلب صياغة استراتيجية قومية شاملة توحد الطاقات المبعثرة في الداخل والشتات وتضعها في خدمة الأهداف الناسيوناليزم العليا.
