كامران حاجۆ المثقف والسياسي: إن الخلافات الحزبية والأيديولوجية التي مزقت جسد الأمة في الداخل، قد انتقلت برمتها إلى أوروبا
يعد كامران حاجۆ أحد أبرز المثقفين والسياسيين في روجآفا، وفي ندوة "حلقة الحوار" حول دور الشتات الكوردي بتعزيز الناسيوناليزم خارج فضاء الوطن، استعرض رؤاه ومقترحاته الاستراتيجية لرفعة القضية الناسيوناليزم وتفعيل دور المهجر.
نستهل حديثنا بتوجيه أسمى آيات الشكر والتقدير إلى قسم الثقافة والإعلام في الحزب الديمقراطي الكوردستاني، تثميناً لجهودهم المباركة في تنظيم هذه الندوة الفكرية المعنونة بـ (دور الشتات الكوردي في الفضاء الخارجي لإعلاء الناسیونالیزم ). وبما أننا بصدد قضية بالغة الحساسية، تتسم بتعدد الأبعاد والتعقيدات السوسيولوجية والسياسية، فقد ارتأيتُ أن أحصر مداخلتي وأركز طروحاتي ضمن أربعة محاور رئيسية، وذلك على النحو الآتي:
تمثّلُ حكاية الوجود الكوردي في القارة الأوروبية، وبخاصة في دول كألمانيا والسويد والنمسا، مرآةً صقيلةً تعكسُ بعمقٍ تلك التحولات الجيوسياسية الكبرى والاضطرابات العنيفة التي عصفت بأجزاء كوردستان الأربعة على مدار العقود الماضية. تعود الإرهاصات الأولى لهذا التواجد إلى خمسينيات القرن المنصرم، حين استدعت ضرورات إعادة الإعمار في أوروبا الخارجة من أتون الحرب العالمية الثانية طلباً متزايداً على العمالة الوافدة. كانت تلك البدايات في جوهرها هجرةً اقتصاديةً محضة، تمثلت في "هجرة سواعد" تبحث عن فرص العيش الكريم، ولم تكن تعكس آنذاك أي نشاط سياسي ملموس أو مشروع قومي واضح، باستثناء حالات نادرة جداً لم تشكل ثقلاً ديموغرافياً مؤثراً.
بيد أن المنعطف الحاسم بدأ يتشكل مع مطلع السبعينيات، وتحديداً في عام 1971، ليصل إلى ذروته الارتدادية في عقد الثمانينيات الذي يمكن وصفه بـ "عقد الزلازل السياسية" في الشرق الأوسط. ففي عام 1980، وقع الانقلاب العسكري في تركيا بقيادة كنعان إيفرين، وما تبعه من سياسات قمعية شرسة تجاه الكورد، مما دفع بالآلاف من الكوادر والسياسيين والمدنيين نحو الملاجئ الأوروبية. وتزامن ذلك مع تداعيات الثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية الإيرانية المستعرة، مضافاً إليها إخفاقات بعض الحركات الكوردية الداخلية وانكسار ثورة أيلول. هذه الأحداث المتلاحقة حولت المهجر من مجرد مكان للعمل إلى "منفى نضالي" استقر فيه الفكر السياسي الكوردي، ونقلت معه النخب أحلامها وصراعاتها وتنظيماتها الحزبية إلى قلب القارة العجوز.
أما المنعطف التاريخي الأحدث والأكثر تأثيراً في هيكلية وديناميكية الجالية، فقد تجسد في تداعيات الأزمة السورية التي انطلقت عام 2011، وبلغت ذروة تدفقها البشري عامي 2015 و2016. شهدت هذه الفترة موجة نزوح جماعية وكثيفة لمئات الآلاف من الكورد، لاسيما من مناطق "روجآفا"، باتجاه ألمانيا والسويد والنمسا. هؤلاء المهاجرون الجدد لم يأتوا كباحثين عن الأمان والسكينة فحسب، بل جاؤوا وهم يحملون جراحاً طرية وتجارب إدارية وسياسية ميدانية حديثة، مما أضاف طبقة سوسيولوجية جديدة ومعقدة إلى نسيج الجالية القائم.
إن فهم هذا التسلسل الزمني ضروري جداً لإدراك أن الجالية الكوردية في أوروبا ليست كتلةً بشريةً واحدةً صماء، بل هي عبارة عن طبقات متراكمة من الهجرات المتعاقبة. كل طبقة منها تكتنز وعياً سياسياً ووجدانياً يرتبط باللحظة التاريخية التي غادرت فيها أرض الوطن. وبذلك، تحول الوجود الكوردي في أوروبا من مجرد وجود عمالي عابر إلى ثقل سياسي وثقافي يجسد استمرارية القضية الكوردية في الفضاء العالمي، حيث أضحت تلك العواصم منصاتٍ للتعبير عن تطلعات شعبٍ عريق يرفض الذوبان، ويسعى لترسيخ حضوره كفاعل أساسي في صياغة الوعي الجمعي للمجتمعات التي احتضنته، محولاً ألم الاغتراب إلى طاقة إبداعية ونضالية تؤكد على حقوقه المشروعة في تقرير المصير والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، سعياً لترسيخ جسور تواصل حضارية تعزز قيم التعايش والحرية والسلام.
تحولات الهوية الكوردية في المهجر: بين سدنة الذاكرة وشبح الانصهار
يشخّص المختصون في العلوم الاجتماعية واقع الجالية الكوردية اليوم كبنية سوسيولوجية معقدة، تتألف من ثلاث فئات جوهرية تعكس صراع الانتماء في المغترب. الفئة الأولى هي "جيل الأحلام الكبرى"، وهم الرعيل الأول الذي هاجر بجسده إلى الغرب بينما ظلّ وجدانه مرتهناً بجبال كوردستان ومدنها. يمثل هؤلاء "خزان الذاكرة الجمعية"، متمسكين بالثوابت الناسيوناليزم والأنماط السياسية التقليدية، إلا أنهم يواجهون اغتراباً متزايداً وعجزاً عن مواكبة التحولات المتسارعة في المجتمعات المضيفة.
أما الفئة الثانية، وهم الشباب دون الثلاثين، فيُطلق عليهم "أبناء الناسيوناليزم الرمزية". يعيش هؤلاء تمزقاً هوياتياً حاداً، فهم نتاج تزاوجٍ قسري بين إرث آباءٍ يحلمون بالوطن، وبين نظم تعليمية وقيمية أوروبية تكرس الاندماج المدني. يوصَف هذا الجيل بـ "جيل البرزخ"، إذ يتأرجحون في منطقة رمادية، فلا هم أكرادٌ بالمعايير التقليدية الصارمة، ولا هم أوروبيون بامتياز في نظر مجتمعاتهم الجديدة، مما يجعلهم في حالة بحث دائم عن لونٍ لهويتهم وسط هذا التشتت الوجداني.
وتأتي الفئة الثالثة لتمثل التحدي الأكبر، وهي جيل "الانصهار الكلي". تشير القراءات الواقعية إلى أن هذا الجيل يمضي نحو ذوبانٍ كامل في الهوية المضيفة، ففي غضون عقود قليلة، قد لا يتبقى من "كورديتهم" سوى الاسم أو شجرة العائلة، ليتحولوا إلى مواطنين أوروبيين من أصول كوردية، ينحصر انتماؤهم العملي والثقافي والسياسي في الدولة المضيفة حصراً. إن هذا التراجع الهوياتي يتغذى على القوة القانونية والاقتصادية للدول الغربية التي تمنح الفرد حماية وحقوقاً تجعل المجتمع التقليدي عاجزاً عن الصمود أمام إغراءات الاندماج العميق.
سياسياً، تعاني الجالية من تشرذمٍ حاد، حيث تعكس نشاطاتها الانقسامات الحزبية العميقة العابرة للحدود، مما يعيق صياغة رؤية قومية موحدة. ولمواجهة هذا الاندثار الثقافي، تبرز الحاجة إلى "عنادٍ كوردي إيجابي"، نهجٌ يرفض الذوبان السلبي ويستثمر في تعليم اللغة وترسيخ الجذور، مع ضرورة التحرر من "التأطير الضيق". إن الهدف الاستراتيجي يجب أن يتجاوز مجرد الحفاظ على الاسم، ليدفع بالأجيال الجديدة نحو مراكز صنع القرار في البرلمانات والمؤسسات الدولية، ليس كغرباء، بل كفاعلين يمتلكون الأدوات الغربية ويسخرونها لخدمة قضيتهم الإنسانية والناسيوناليزم ، محققين بذلك توازناً خلاقاً بين الحداثة والجذور.
كوردستان المهجر: مراجعة نقدية لواقع التشرذم وآفاق العمل الموحد
أضحى من الضرورات الملحة في المشهد الكوردي المعاصر الانتقالُ الجذري من فضاء الشعارات العاطفية الجياشة إلى رحاب العمل المؤسساتي المنظم والمنتج. لم يعد الكورد اليوم يعانون من أزمة تأكيد الهوية، فقد تم تجاوز ذلك المخاض التاريخي بامتياز، بل نحن الآن في طور تكريس المكون الكوردي كحقيقة سياسية وجيوسياسية راسخة، لا سيما بعد النضج الذي أظهرته تجربة إقليم كوردستان الفيدرالية. إن مقتضيات المرحلة تفرض إنشاء إطار تنظيمي جامع يتجاوز التبعيات الحزبية الضيقة التي أفرزها التشرذم الجغرافي، مع ضرورة التركيز المكثف على النهوض بالنشاط الثقافي واللغوي لضمان تحصين الأجيال الناشئة من خطر الذوبان الكلي في الثقافات الغربية، وتحويل الاندماج من حالة صدمة حضارية إلى أداة دبلوماسية فاعلة تخدم القضية. إن الوحدة المنشودة يجب أن توازن بدقة بين استحقاقات المواطنة في المهجر والالتزام القومي، مما يتطلب إبداعاً في الوسائل وتطويراً للخطاب الثقافي ليحاكي عقول الشباب الكوردي بأساليب معاصرة وجذابة.
لقد أفرزت تجربة العيش في الشتات السويدي حقيقة مؤلمة، وهي أن المهجر الكوردي لم يفلح في الانعتاق من قيود الداخل، بل غدا مرآة عاكسة للتناقضات والصراعات السياسية المتأزمة في أجزاء كوردستان الأربعة. تلك الاختلافات التنظيمية والتباينات الإيديولوجية التي تمزق الجسد الكوردي في الوطن، جرى تصديرها بالكامل إلى أوروبا، بل إن مناخ الحرية المتاح استُخدم أحياناً لتعميق الفجوات بدلاً من ردمها. نحن نردد شعارات "كوردستان الموحدة"، لكننا نصطدم عند عتبة العمل المشترك بتغليب المصالح الحزبية الفئوية التي تجهض كل مسعى وحدوي في منتصف الطريق. إن الواقع الجيوسياسي المعقد فرض تحالفات اضطرارية متناقضة، انعكست شقاقاً فورياً على الجاليات في الخارج، مما يجعل فكرة "التنظيم الواحد الشامل" الذي يمثل كل الشتات فكرةً غير واقعية في المنظور الراهن.
إن التنظيمات الكوردية في السويد لا تزال تعمل بعقلية "الجزر المنعزلة"، حيث يسود التوجس المتبادل وهواجس الهيمنة، مما يفقدنا التأثير السياسي المطلوب في الدول المضيفة. لذا، وبدلاً من الغرق في أوهام "الوحدة الاندماجية الكاملة" التي أثبتت التجربة عقمها، أقترح التركيز على إستراتيجية "التنسيق الأدنى". ليكن بيننا تواصل مستمر وتبادل للمعلومات لخدمة القضايا الإنسانية والناسيوناليزم الكبرى، دون محاولة إلغاء الآخر. يجب أن نعترف باختلافاتنا السياسية، لكن دون أن نجعلها عائقاً أمام حماية حقوقنا كلاجئين ومواطنين. إن الاستمرار في اجترار الشعارات الرنانة لن يقدم أي نفع حقيقي، فالفائدة تكمن في العمل الواقعي الذي يحترم التعددية ويهدف لغايات مشتركة، بروح وطنية تتجاوز الانغلاق الحزبي نحو آفاق أرحب من العمل القومي المؤسساتي الرصين.
استراتيجية التمكين: من الشتات الجغرافي إلى اللوبي السياسي الكوردي
إن التحدي الجوهري الذي يواجه الوجود الكوردي المعاصر في المهجر يكمن في صياغة "لوبي" متكاتف يمتلك أدوات التأثير الحقيقية. يتطلب هذا البناء الاستراتيجي وجود شخصيات مؤثرة ومندمجة في المجتمعات الأوروبية، قادرة على النفاذ بذكاء إلى مراكز صناعة القرار والمنصات الإعلامية الكبرى، بهدف تأسيس مراكز أبحاث متخصصة تدعم الرؤية الكوردية، وتشكيل نفوذ مالي واقتصادي قوي يخدم الأجندات الناسيوناليزم العليا. كما يجب حث النخب الكوردية، من برلمانيين وأكاديميين وكتاب وصحفيين، على الاندماج الفعال في مؤسسات الدول المضيفة لانتزاع المكاسب السياسية. إن توعية الكورد في المهجر بكونهم شركاء أصيلون في استثمار السياسات الدولية وصياغة الاستحقاقات المصيرية في كوردستان، وليسوا مجرد حلفاء خارجيين، هو الركيزة الأساسية للنجاح، إذ إن تحويل الجالية من مجرد تجمعات مهاجرة عفوية إلى فاعل سياسي استراتيجي قادر على حماية المكتسبات الناسيوناليزم ، هو الضمانة الوحيدة لضمان وصول الصوت الكوردي إلى المحافل الدولية بكل ثقة واقتدار وتأثير.
لقد لعبت مؤسسات رائدة مثل "الاتحاد الكوردي في السويد" و"المعهد الكوردي في باريس" أدواراً تاريخية عظيمة في الثمانينيات، حيث كانت بمثابة سفارات غير رسمية للكورد، واستطاعت الحفاظ على الثقافة واللغة وبناء علاقات سياسية أولية. بيد أن تلك الأساليب، رغم صدقها، لم تعد تكفي في عالم اليوم الذي يتطلب "احترافية" عالية. إن الخطأ الشائع الذي نقع فيه غالباً هو الخلط بين مفهوم "الجالية" وبين مفهوم "اللوبي"، فالجالية تجمع بشري يشترك في الأصل والثقافة، أما اللوبي فهو آلة سياسية واقتصادية منظمة تهدف للتأثير على مراكز القرار السيادي. فعندما يخرج 150 ألف شخص في احتفالات "نوروز"، فهذا أمر رائع ثقافياً، لكنه سياسياً لا يغير الكثير في السياسة الخارجية للدولة المضيفة، فالأوروبيون، منذ عهد الستينات، لم يعودوا يتأثرون كثيراً بمسيرات الشوارع والحشود، بل إن القوة الحقيقية تكمن في الغرف المغلقة، وفي البرلمانات، وداخل مراكز الدراسات الاستراتيجية.
وعندما يقارن البعض الكورد باليهود أو الأرمن ويتساءلون: لماذا لا نمتلك لوبياً قوياً مثلهم؟ نجد أن هذه مقارنة قد تبدو ظالمة، فاليهود استقروا في أوروبا لقرون ونظموا أنفسهم اقتصادياً وسياسياً عبر أجيال، بينما لم يمضِ على الوجود الكوردي الكثيف أكثر من أربعين عاماً. ومع ذلك، لا ينبغي أن يكون هذا عذراً للتقاعس، فلبناء لوبي حقيقي، نحن بحاجة إلى "الكتلة الناخبة الموحدة" و"النخبة المؤثرة". حالياً، الأصوات الكوردية مشتتة بين الأحزاب المتنافسة، فإذا لم يشعر السياسي الأوروبي أن هناك كتلة تصويتية كوردية متماسكة يمكنها ترجيح كفته الانتخابية، فلن يلقي بالاً لمطالبنا، فالواقع لا يعترف إلا بموازين القوة والمصالح المتبادلة التي تفرضها القواعد الانتخابية.
أنا لا أدعو لرفع سقف الطموحات بشكل غير واقعي، بل أدعو للبدء بمشاريع صغيرة ومركزة، فلو استطعنا تكوين مجموعة من عشرة أشخاص فقط في كل دولة أوروبية، شرط أن يكونوا أصحاب ثقل علمي أو اقتصادي أو سياسي، وأن يكونوا على تواصل دائم وتنسيق تام، فإنهم قد يفعلون للقضية أكثر مما يفعله مئات الآلاف في الشوارع. يجب تشجيع شبابنا، مثل "نيلوفر كوتش" وغيرهم، على الانخراط في الأحزاب الأوروبية، مع فهم أنهم يعملون ضمن برامج تلك الأحزاب، ودعمهم لترسيخ وجودهم، ليتمكنوا لاحقاً، عبر "القوة الناعمة" والتواصل الاستراتيجي الذكي، من تمرير الرؤى والقضايا الكوردية. إن استثمار الإمكانات البشرية في المهجر هو الكفيل بصناعة مستقبل مشرق يليق بتضحيات هذا الشعب عبر التاريخ، فالهجرة ليست قطيعة، بل هي امتداد للنضال من أجل الكرامة، وفرصة لصناعة جسور حضارية تربط الشرق بالغرب، وتساهم في تعزيز حضور القضية عالمياً بكل رقي واحترافية. إن زرع شعبك داخل الشعوب الأخرى بطريقة منظمة هو السبيل الأوحد للبقاء والتأثير في هذا العالم المعقد.
