• Thursday, 08 October 2026
logo

بيمان محمد خواجة، مدير التعليم خارج البلاد في وزارة التربية: يُعدُّ مشروع التعليم خارج البلاد خطوةً استراتيجية لحماية الجيل الجديد من أبناء (الدياسبورا) من مخاطر الذوبان الثقافي

بيمان محمد خواجة، مدير التعليم خارج البلاد في وزارة التربية: يُعدُّ مشروع التعليم خارج البلاد خطوةً استراتيجية لحماية الجيل الجديد من أبناء (الدياسبورا) من مخاطر الذوبان الثقافي

تتولى بيمان محمد خواجة، مديرة التعليم خارج البلاد بوزارة التربية في حكومة إقليم كردستان، مهام إعداد المناهج بمختلف اللهجات الكوردية وتعيين المعلمين، صوناً لهوية أجيال الشتات من الحرمان اللغوي. وخلال ندوة "حلقة الحوار" الموسومة بعنوان (دور الدياسبورا الكوردية في الفضاء الخارجي لإعلاء الناسيوناليزم)، استعرضت رؤاها وتصوراتها الاستراتيجية بهذا الصدد، مؤكدة على أهمية ربط الجيل الجديد بجذوره الناسيوناليزم  العميقة لضمان ديمومة الوجود الثقافي الكردي بالخارج.

يسرّني وباعتزازٍ كبير أن أشارك في هذا الحوار المعرفي الهام، وأتوجه بخالص الشكر والتقدير لقسم الثقافة والإعلام في الحزب الديمقراطي الكردستاني، لاستضافته مديرية الدراسة خارج البلاد في هذه الندوة النوعية الموسومة بـ «دور الشتات الكردي خارج الفضاء الوطني في تعزيز الوعي القومي». ولأن هذه المديرية تمثل ركيزةً جوهرية في صلب هذا العنوان، أودّ في البدء تسليط الضوء على المرتكزات الاستراتيجية التي قامت عليها.

لقد شهد عام 2024 منعطفاً تاريخياً واستراتيجياً في الهيكل الإداري لوزارة التربية بحكومة إقليم كردستان، بإنشاء «مديرية الدراسة خارج البلاد» المتخصصة باللغة الكوردية، لتكون تحت الإشراف المباشر لمكتب السيد وزير التربية. إن هذه الخطوة الناسيوناليزم  الرائدة جاءت بمبادرةٍ كريمة من الرئيس مسعود بارزاني، وبأمرٍ من رئيس حكومة إقليم كردستان السيد مسرور بارزاني، بهدف خدمة أجيالنا في الاغتراب، وترسيخ الفكر الوطني عبر تعليم لغة الأم ودعم المراكز الثقافية. وفي عام 2025، وتتويجاً لهذا المسار، وُقِّعت في العاصمة أربيل مذكرة تفاهم استراتيجية بين وزير التربية ورئيس كونفدرالية الجالية الكردستانية.

بموجب البنود القانونية لهذه المذكرة، تضطلع وزارة التربية رسمياً بمسؤولية تأمين وطباعة وإيصال مناهج اللغة الكوردية المعتمدة في الإقليم إلى الخارج. وفي المقابل، تُعدّ الكونفدرالية الطرف التنسيقي الرئيس لتنظيم شؤون المعلمين والطلبة. وضماناً للشفافية والموثوقية، يتم إدراج كافة البيانات ضمن نظام (e-Parwarda) الرقمي، مما يتيح توثيق جهود المعلمين المتطوعين في الخارج ضمن السجلات الرسمية. وضمن رؤيةٍ تطويرية بدأت منذ 2022، تقرر رفع عدد المعلمين المختصين من معلّمَين اثنين إلى عشرين معلماً، لتقديم الدروس بلهجات (السورانية، البادينية) وبالرسم اللاتيني أيضاً.

هذا الاتفاق التاريخي، الذي يمتد لـ 15 عاماً، يفتح آفاقاً رقميةً واسعة عبر توفير خدمات «المدرسة الإلكترونية» و«المكتبة الإلكترونية» للطلبة في الخارج، ومنحهم شهاداتٍ رسمية معترفاً بها من وزارة التربية. علاوةً على ذلك، يعمل الطرفان على إعداد مسودةٍ دولية حول الإبادة الجماعية (الجينوسايد) التي تعرض لها الشعب الكردي بلغاتٍ عالمية، لإدراجها ضمن المناهج الدراسية في الدول الأخرى.

لقد استهلكتُ مهامي بعقد أول اجتماعٍ عبر الإنترنت مع معلمينا في الشتات، حيث كان عدد المدارس حينها 33 مدرسة، ونجحنا اليوم في إيصالها إلى 42 مدرسة. إن هذا الجهد الوطني يمثل أرضيةً صلبة لخططنا المستقبلية الرامية لافتتاح مدارس كردية على مستوى العالم، صوناً للأصالة الثقافية واللغوية لأجيالنا القادمة. إنها أمانة تاريخية ملقاة على عاتق الوزارة والحكومة لحماية هويتنا الناسيوناليزم  في كل صقاع الأرض، ليبقى الكردي شامخاً، وتصل الدراسة الكوردية إلى ذرى النجاح، وتكون مبعث فخرٍ واعتزاز لكل فردٍ في أمتنا أينما وجد.

 إستراتيجية وزارة التربية للجالية الكردستانية: نحو حماية اللغة والهوية الناسيوناليزم 

تمثل الجالية الكردستانية القاطنة في الخارج رصيداً بشرياً استراتيجياً نفيساً وركيزةً وطنيةً كبرى، مما يضع حتماً على عاتقنا كمؤسسات حكومية مسؤولة واجب تشييد جسور تواصل متينة وعميقة تربط أبناءنا بوجدان الوطن الأم. إننا في وزارة التربية والتعليم ننطلق من رؤية قومية شاملة وبعيدة المدى، فاستحداث "مديرية التعليم في الخارج" لم يكن مجرد إجراء إداري روتيني، بل كان تجسيداً حقيقياً لثورة تربوية وثقافية رائدة تهدف إلى حشد كافة الطاقات الكوردية المبدعة في المغترب وصهرها في بوثقة الهوية الوطنية الواحدة.

ومع ذلك، يواجه هذا المسار التنموي تحدياً جوهرياً يتمثل في تحفظ وامتناع بعض المدارس الكوردية في الخارج عن مشاركة بياناتها وقوائم طلبتها ضمن نظام "التعليم الإلكتروني" الرقمي الحديث. إننا نؤكد جازمين وبكل شفافية أن الغاية الأسمى من اعتماد هذا النظام تقتصر على تكريس قيم النزاهة والتنظيم المؤسسي الدقيق، لضمان كامل الحقوق والمكتسبات المستقبلية للمعلمين المتطوعين الذين يبذلون جهوداً مضنية، فضلاً عن توثيق السجلات التعليمية للطلبة رسمياً عبر حسابات تربوية معتمدة. إن الوزارة تقف بوعي على مسافة واحدة من الجميع، فلا تعنينا التوجهات الدينية أو الميول الأيديولوجية والسياسية لتلك المؤسسات، إذ يظل الحفاظ على قدسية اللغة والتاريخ والموروث القومي الأصيل هو المبدأ الأساسي والبوصلة الجوهرية المحركة لعملنا.

لقد نجحنا فعلياً في توفير المناهج الدراسية المتكاملة بلهجتي السورانية والبادينية، ولم نكتفِ بنمط التعليم التقليدي، بل سخرنا أحدث التقنيات الرقمية لنقل الحصص الدراسية من مدن أربيل والسليمانية ودهوك مباشرة إلى قلب أوروبا وأمريكا، سعياً منا لترسيخ مفهوم "الولاء الوطني". كما أقدمنا بشجاعة على خطوة نوعية بطباعة الكتب المدرسية بالأبجدية اللاتينية لضمان وصول المعرفة لكل كردي أينما كان.

ورغم أن مسؤوليتي الشخصية في هذه المديرية لم تتجاوز أربعة أشهر، إلا أننا نحمل تطلعات وطموحات كبرى تهدف لتأسيس مدارس رسمية دولية تضاهي النماذج العالمية، والوصول بالتربية الكوردية إلى كل بيت في الأردن واليمن والقوقاز وسائر أصقاع العالم. إنها أمانة نضالية سامية سنمضي في أدائها بكل قوة وتفانٍ وإخلاص مطلق، بإذن الله.

استراتيجية إيصال المناهج الدراسية وحماية الهوية الوطنية في المهجر.

في إطار ندوة افتراضية خُصصت لمناقشة واقع التربية والتعليم للكورد في الخارج، طُرح مقترح استراتيجي يدعو إلى عدم الاكتفاء بتدريس اللغة الكوردية فحسب، بل ضرورة إيصال مناهج التربية الدينية المعتمدة في إقليم كوردستان إلى الطلبة في دول الشتات. وينطلق هذا المقترح من رؤية جوهرية مفادها أن نحو 80% من الأسر الكوردية في أوروبا ترغب في تلقي أبنائها تعليماً دينياً. وتكمن الخطورة في أنه حال غياب منهج حكومي يتسم بالوسطية والاعتدال والروح الوطنية، فإن هؤلاء الشباب قد يلجأون إلى مراكز دينية تديرها جهات أجنبية، مما قد يعرضهم لثقافات وأفكار تتنافى مع الخصوصية الثقافية والنموذج التديني الكوردي الأصيل. لذا، ركزت النقاشات على أهمية إرسال الكتب الدينية المنهجية لتدرس بالتوازي مع البرنامج الوطني.

كما شهدت الندوة تأكيداً على مفهوم "الوحدة الكوردية" كركيزة مصيرية، فمن الضروري في المهجر تجاوز التباينات الفكرية والسياسية لصالح القضايا الناسيوناليزم  الكبرى. وقد تجلى هذا التلاحم بوضوح في المظاهرات الحاشدة التي شهدتها المدن الأوروبية إبان الحرب ضد تنظيم داعش، وفي دعم "روج آفا"، حيث أثبت الكورد للعالم أنهم أمة ذات هوية مستقلة وصوت موحد أمام التحديات الوجودية.

وفيما يخص الآليات التنفيذية، تتم إدارة العملية التعليمية عبر مذكرة تفاهم بين وزارة التربية ودائرة العلاقات الخارجية في حكومة الإقليم مع "كونفدرالية الجالية الكوردستانية". وتتكفل الحكومة بطباعة المناهج وإرسالها إلى أكثر من 42 مدرسة موزعة على 20 دولة، من بينها خمس مدارس في ألمانيا وحدها. ولتجاوز عوائق المسافات، تم تفعيل نظام التعليم "عن بُعد" لضمان وصول المادة العلمية لجميع الطلبة.

حالياً، يشرف أربعة معلمين متخصصين من مدن أربيل والسليمانية ودهوك على هذه العملية التي تغطي في مرحلتها الحالية (الحلقتين الأولى والثانية)، لكون المشروع في عامه الثاني فقط. وتتجه الخطط المستقبلية لتوسيع المظلة التعليمية لتشمل كافة المراحل وصولاً إلى الصف الثاني عشر (الإعدادي). إن الإقبال المتزايد من قبل العائلات الكوردية على تسجيل أبنائهم يعكس وعياً عميقاً بضرورة الحفاظ على اللغة والفرهنگ القومي، ويعد هذا المشروع خطوة استراتيجية حاسمة لحماية الأجيال الناشئة من ذوبان هويتهم في بوتقة الثقافات الأخرى.

Top