اللورد آشكروفت: كوردستان واحة سلام ونموذج لما يمكن أن يكون عليه الشرق الأوسط
أصدر رجل الأعمال البريطاني وعضو مجلس اللوردات، مايكل آشكروفت، اليوم الأحد 4 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تقريراً مطولاً ومفصلاً وثّق فيه نتائج زيارته الأخيرة إلى إقليم كوردستان. ووصف آشكروفت الإقليم بأنه "واحة سلام واستقرار" ونموذج مشرق لما يجب أن يغدو عليه الشرق الأوسط، مستعرضاً في الوقت ذاته المخاوف الأمنية المتصاعدة لدى القيادة الكوردية بالتزامن مع انسحاب القوات الأمريكية.
وجاء التقرير عقب زيارة رسمية لأربيل استمرت أربعة أيام بدعوة من الحزب الديمقراطي الكوردستاني، استهلها اللورد بالإشارة إلى العلاقات التاريخية والوثيقة التي تربط الكورد بالغرب وبريطانيا على مدى الأربعة عقود الماضية. وثمّن آشكروفت الدور المحوري لرئيس الوزراء البريطاني الأسبق جون ميجور عام 1991 إبان حرب الخليج، حين فرض "منطقة حظر الطيران" لحماية الكورد من بطش النظام السابق، وهي المبادرة التي خلّدتها أربيل بإطلاق اسمه على أحد شوارعها الرئيسية.
نهضة عمرانية وتغيير الصورة النمطية
واعترف السياسي البريطاني بأن نظرته للإقليم تحولت جذرياً فور وصوله؛ فبعد أن كان يعرف الكورد كأمة عريقة يبلغ تعدادها نحو 45 مليون نسمة موزعين بين العراق وتركيا وسوريا وإيران كأكبر قومية في العالم بلا دولة مستقلة، فوجئ بحداثة أربيل وتطورها. وأكد أن المدينة تضج بالازدهار الاقتصادي والحيوية، وتضم مبانٍ سكنية وتجارية فاخرة أُنشئت معظمها خلال العقدين الأخيرين، فضلاً عن سيادة أجواء التسامح والتعايش السلمي بين كافة المكونات الدينية والقومية والسياسية.
وفي هذا الصدد، استذكر آشكروفت رسالة تلقاها من رئيس الوزراء الكندي الأسبق ستيفن هاربر عقب زيارته للمنطقة عام 2015، قال فيها: "أنا أحب كورد العراق.. إنهم واحة وسط الاضطرابات". كما اشتملت جولة اللورد البريطاني على زيارة لقلعة أربيل التاريخية — أقدم مستوطنة مأهولة في العالم لأكثر من 6 آلاف عام — ونصب الشهداء الذي يجسد التضحيات والمعاناة التاريخية للشعب الكوردي.
هواجس جيوسياسية بعد الانسحاب الأمريكي
وعلى الصعيد الأمني، نبّه التقرير إلى أن طموحات الاستقرار تصطدم بتحديات حقيقية بعد سحب الولايات المتحدة لآخر قواتها من أربيل مؤخراً، تماشياً مع تعهدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء "الحروب الأبدية"، مما ينهي وجوداً عسكرياً أمريكياً دام 23 عاماً في العراق.
وأوضح آشكروفت أن هذا الانسحاب يثير قلقاً مشروعاً لدى قيادة الإقليم؛ فبالرغم من حرص كوردستان على النأي بنفسها عن الصراع المحتدم بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى، إلا أن الإقليم تعرض منذ شباط/فبراير الماضي لـ أكثر من 1000 هجوم بالصواريخ والمسيرات من قبل جماعات مسلحة مقربة من طهران، مما أسفر عن مقتل أكثر من 30 شخصاً وإصابة ما يزيد على 150 آخرين.
لقاء الرئيس مسعود بارزاني: خيار السلام وبسالة الدفاع
وسرد آشكروفت تفاصيل لقائه التاريخي بالرئيس مسعود بارزاني في مقر إقامته بضواحي أربيل، واصفاً إياه بالرمز التاريخي الذي عاصر محطات مريرة من المعاناة الإنسانية. وأوضح التقرير أن الرئيس بارزاني، بزيّه الكوردي التقليدي وحديثه المتزن، أعرب عن شكره للدعم التاريخي من واشنطن ولندن والغرب، لكنه حذر بصراحة من مساعي الجماعات المتطرفة لإعادة بسط نفوذها بعد الغياب الأمريكي، قائلاً: "أخشى من تكرار سيناريو عام 2014 وظهور داعش مجدداً".
وشدد الرئيس بارزاني على تفضيله الدائم لخيار السلام، محذراً في الوقت ذاته من الاستهانة ببسالة الكورد وقوات البيشمركة بقوله: "إذا فُرض علينا الدفاع عن أنفسنا، فسنقاتل حتى الرمق الأخير".
تجريد الدفاعات الجوية والعلاقة الشائكة مع بغداد
وفي لقاء آخر مع رئيس حكومة الإقليم، مسرور بارزاني، نقل آشكروفت قلقاً بالغاً من انكشاف الإقليم دفاعياً أمام الضربات الجوية والمسيّرة، والتي استهدفت في شهر آب/أغسطس الماضي مقر إقامته الشخصي.
ونقل التقرير عن رئيس الحكومة قوله: "نحن لا نطلب صدقات ولا نطالب بإنزال قوات أجنبية على الأرض، لكننا بلا حيلة ودون غطاء دفاعي في مواجهة الضربات الجوية، فالحكومة الاتحادية لا تزود كوردستان بمنظومات دفاع جوي فعالة، ولا تسمح لنا بشرائها بأنفسنا؛ إننا نجد أنفسنا بمفردنا في بيئة عدائية".
كما عرّج التقرير على الخلافات المستمرة بين أربيل وبغداد، مشيراً إلى خيبة الأمل التي تلت استفتاء الاستقلال عام 2017 وما أعقبه من إجراءات عسكرية، وصولاً إلى سيطرة الحكومة الاتحادية على خط أنابيب النفط وعائداته، واحتجاز حصة كبيرة من موازنة الإقليم المالية، في خطوة عُدّت خرقاً للدستور الاتحادي لعام 2005.
فلسفة البقاء وثمن الحروب الباهظ
وفي تحليله لطبيعة الأزمة العراقية، استشهد آشكروفت بمقولة رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني التي لخصت المشهد: "السنة يخافون من الماضي، والشيعة يخافون من المستقبل، أما الكورد فيخافون من الماضي والحاضر والمستقبل معاً".
كما التقى مستشارة رئيس حكومة الإقليم، بيان سامي عبد الرحمن، التي فقدت والدها (نائب رئيس حكومة الإقليم آنذاك) وشقيقها مع أكثر من 100 شخص في تفجير استهدف أربيل عام 2004، حيث علّقت على الجيرة الجغرافية قائلة: "جيراننا يتسببون لنا بمشاكل أحياناً، ولكن كحال سائر الأمم، نحن لا نملك رفاهية اختيار جيراننا، ولهذا نسعى جاهدين لبناء أفضل العلاقات معهم".
دعوة لإنصاف الإقليم اقتصادياً وسياسياً
وانتقد اللورد البريطاني تحذيرات السفر الصادرة عن الخارجية البريطانية وبعض الدول الغربية التي تقيد الزيارة للحالات "الضرورية" فقط، مؤكداً أن هذا الإجراء يضر بفرص الاستثمار الأجنبي والسياحة البيئية، رغم أن قوانين الإقليم جاذبة للغاية وتتيح للمستثمر الأجنبي تملك المشاريع بنسبة 100% مع إعفاءات ضريبية سخية.
واختتم اللورد آشكروفت تقريره بتأكيد تعاطفه العميق مع التطلعات القومية للشعب الكوردي، معرباً عن أمله في أن تسنح الظروف المناسبة ليحقق شعب كوردستان دولته المستقلة ذات السيادة مكافأةً لصبره وبسالته، مستشهداً بالمثل الكوردي القائل: "خيطاً بعد خيط، يغدو الغزل سجادة كاملة".
