لغز "عدوى التثاؤب".. كيف تحرك خلايا الدماغ أفواهنا بمجرد الرؤية أو السماع؟
من المؤكد أنك اختبرت هذا الموقف الغريب: تجلس في غرفة هادئة، يفتح الشخص المقابل لك فمه في تثاؤب عميق، وقبل أن تدرك ما تفعله، تجد فكك يتحرك بشكل لا إرادي لتكرر الحركة نفسها. الأغرب من ذلك أن هذه "العدوى" لا تتطلب مواجهة مباشرة؛ فمشاهدة لقطة لتثاؤب في مقطع فيديو، أو حتى سماع زفير التثاؤب عبر تسجيل صوتي، كفيل بإطلاق الاستجابة ذاتها لديك. فما السر وراء هذا السلوك الانتقالي السريع؟ وكيف يفسر العلم هذه الظاهرة التي تبدو بسيطة لكنها لا تزال تحير الباحثين؟
طقس بيولوجي غامض وموروثات شعبية
رغم أن التثاؤب فعل يومي روتيني نلجأ إليه عند الشعور بالإرهاق، أو الرغبة في النوم، أو الاستسلام للملل، إلا أن سببه الدقيق لا يزال أرضاً خصبة للبحث العلمي. تاريخياً، لم يخلُ هذا السلوك من الأساطير؛ حيث تشير مراجع طبية، مثل "كليفلاند كلينك"، إلى أن المجتمعات القديمة كانت تفرض تغطية الفم في أثناء التثاؤب لاعتقادها بأن ذلك يمنع "الروح" من مغادرة الجسد.
وفي العصر الحديث، يؤكد أطباء الأسرة، ومنهم الدكتور دونالد فورد، أن التثاؤب قد يحدث أحياناً بشكل فجائي ودون أي محفز واضح. ورغم التطور الهائل في فهم وظائف الأعضاء، يفتقر العلم حتى الآن إلى إجابة أحادية قاطعة، مستعيضاً عنها بنظريات تفسر التثاؤب كآلية دماغية لزيادة تدفق الدم، وتخفيف الضغط الداخلي، وتنظيم درجة حرارة الجمجمة للحفاظ على اليقظة.
الفارق بين العفوية والعدوى الحرارية
يقسم العلماء التثاؤب إلى فئتين رئيسيتين:
• التثاؤب العفوي: وهو الذي ينبع من حاجة الجسم الذاتية (كالنعاس أو التعب).
• التثاؤب المُعدي: وهو الاستجابة الفورية لتثاؤب الآخرين.
وفي محاولة لربط الفئتين بآلية واحدة، كشفت دراسة صدرت عام 2011 أن كلا النوعين يرتكزان على نظام "التبريد الحراري" للدماغ. ووفقاً لهذه الرؤية، فإن انتقال التثاؤب بين شخصين متواجدين في المكان نفسه لا يعود لمحاكاة نفسية بالضرورة، بل لأن الطرفين يخضعان لظروف بيئية وحرارية متطابقة، مما يجعل أدمغتهما تستجيب في الوقت نفسه لضبط حرارتها الداخلية عبر استنشاق الهواء البارد.
هل نتثاءب تعاطفاً أم لتنسيق اليقظة الجماعية؟
لفترة طويلة، ربطت بعض الفرضيات بين عدوى التثاؤب ومستوى التعاطف والذكاء العاطفي بين البشر. غير أن دراسة حديثة أُجريت عام 2022 أعادت ترتيب الأوراق؛ إذ أثبتت أن حدوث العدوى - والتي ترفع احتمالية تثاؤبك بمقدار ستة أضعاف بمجرد رؤية شخص آخر يقوم بذلك - لا يرتبط بالضرورة بالرابط العاطفي أو التقارب الاجتماعي.
بدلاً من ذلك، يميل العلماء إلى تفسيرها كنوع من "السلوك الجماعي المتزامن". في البيئات المشتركة، يعمل التثاؤب كإشارة صامتة تطلقها الأجسام لتنبيه بقية أفراد المجموعه، مما يساعد الجميع على الحفاظ على مستوى معين من اليقظة والتركيز المشترك ضد الخمول.
"المحاكاة الاجتماعية" والخلايا المرآتية
من المنظور العصبي، يربط جيمس جيوردانو، عالم الأعصاب في جامعة جورجتاون، هذه الظاهرة بمفهوم "المحاكاة الاجتماعية"، وهي النزعة الفطرية لدى الكائنات الحية لتقليد حركات المحيطين بها لتعزيز الانتماء أو كاستجابة عصبية لا واعية. هذه المحاكاة لا تقتصر على التثاؤب؛ بل تشمل سلوكيات يومية أخرى مثل الضحك التلقائي، أو حك الجلد، أو تعديل طريقة الجلوس بمجرد رؤية شخص آخر يفعل ذلك.
ويعزو جيوردانو هذا التقليد الأعمى إلى نشاط الخلايا العصبية المرآتية (Mirror Neurons) في الدماغ. هذه الخلايا تعمل كمرآة حقيقية؛ إذ تترجم ما نلاحظه بصرياً وحسياً في سلوك الآخرين إلى إشارات حركية تجعلنا نشعر برغبة عارمة في تجسيد الفعل نفسه. فإذا رأيت أحدهم يحك وجهه، تدرك خلاياك المرآتية طبيعة هذا الشعور فوراً، وتدفعك لمحاكاته.
في الختام، تظل "عدوى التثاؤب" شبكة معقدة تتداخل فيها فيزيولوجيا الجسم من تبريد للدماغ وضبط لليقظة، مع الأنظمة العصبية المبرمجة على المحاكاة والتقليد. وحتى يفك العلم شفرتها بالكامل، ستبقى رؤية شخص يتثاءب كافية لتجعلك تفتح فمك وتشاركه الفعل دون أن تملك خيار الرفض.
