• Saturday, 31 January 2026
logo

الشرق الأوسط: تحولات في المشهد، صراعات متأججة

الشرق الأوسط: تحولات في المشهد، صراعات متأججة

شيرزاد النجار

 مدخل تمهيدي لتصورات وتأملات بروفيسور (فولكر بيرتس Volker Perthes ) حول مصير ونهاية الشرق الأوسط

في مطلع الألفية الجديدة، لم يكن أحد ليتخيل أن الشرق الأوسط سيشهد كل هذه الاضطرابات: انهيار الأنظمة التسلطية التي أصبحت من الماضي؛ والحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية تقود إلى تقارب بين الغرب وإيران؛ وسوريا أو العراق قد يختفيان من الخريطة. أما الدول التي تدخلت مراراً في المنطقة لأسباب جيوسياسية، فتوحي الآن بأنها تفضل البقاء على الحياد.

صحيفة (فرانكفورتر ألجماينه تسايتونغ FAZ) الألمانية كتبت في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2015 ما يأتي حول كتاب بروفيسور (بيرتس) عن اختفاء الشرق الأوسط الذي نعرفه:

الباحث (راينر هيرمان Rainer Hermann) يجد بعض الوضوح في دراسة (فولكر بيرتيس) عن الشرق الأوسط. فبينما لا يقدم (بيرتس) حلولاً للمشكلة، يقتنع (هيرمان) بتلخيص (بيرتيس) للأراء المألوفة (دعم الدول الضعيفة... إلخ) من خلال لغته السلسة، وتحديده للأسباب والجهات الفاعلة، وترتيبه للأحداث على خط زمني. ويرى (هيرمان)، من بين أمور أخرى، ضرورة التفكير طويل الأمد هنا، ومدى اتساع نطاق الهويات والروابط.

صحيفة (دي تاغس تسايتونغ Die Tageszeitung) الألمانية أوردت في ١٩ سبتمبر ٢٠١٥ رأي الباحث (كريستيان مولر-لوبيك Christiane Müller-Lobeck) الذي يقول إن (بيرتس) لا يقدم كخبير في قضايا الشرق الأوسط وصراعاته حلولًا سهلة فقط، بل لأنه يُفكك تشابك الدول والجماعات الدينية المتورطة للقارئ، ولأنه لا يُلقي مواعظ أخلاقية، بل ينقل التعقيدات ببساطة، ويدعو إلى المشاركة في تأملاته. يمكن للناقد أن يغفر لـ (بيرتيس) إفراطه قليلًا في الحديث عن لحظة فارقة أشعلها الربيع العربي 2011، إلا أنه يُوضح من منظور واقعي أن عزل أوروبا هو المسار الخاطئ، وأن الصبر والمهارة الدبلوماسية، كما تجلى في الاتفاق النووي الإيراني، أمران لا غنى عنهما ويعكسان نهجٌ عملي في السياسة الخارجية.

صحيفة (دي فيلت Die Welt) الألمانية الشهيرة، في ١٢ سبتمبر ٢٠١٥، نشرت رأي (هنريك إم. برودر Henryk M. Broder) حول كتاب (بيرتس) عن الشرق الأوسط: يشهد المراجع (هنريك إم. برودر) للمؤلف (فولكر بيرتيس)، ويرى أن منهج (بيرتيس)      المتمثل في "إعادة فهم مفاهيمي للتطورات في الشرق الأوسط بدلاً من تحليلها في دراسته " معتدل وواقعي، وإن كان شاقاً، ولكنه يتفق إلى حد كبير مع تقييم المؤلف للوضع بعد فشل الربيع العربي، إلا أنه ينتقده في نقطة واحدة فقط وهي "التفكير التمني".

يرى (توماس شميدThomas Schmid) وفي مراجعته لكتاب (بيرتس) في صحيفة (فرانكفورتر روندشاو Frankfurter Rundschau) في ١٧ أغسطس/آب ٢٠١٥ بانه وعلى الرغم من أن بعض ما ورد في الكتاب ينطوي على تكهنات، إلا أنه يُقرّ بأن محاولة (بيرتس) لتحليل التصدعات والتغيرات في الشرق الأوسط، ودراسة فرصها ومخاطرها، تُعدّ اقتراحًاً مفيداً. ويرى (شميد) أن انهيار الدول، وخطوط الصراع، والمصالح في المنطقة، ولا سيما "تسيس" الصراع في سوريا، هي محاور الكتاب، الذي يعتبره غير مُقدّر حق قدره كدراسة، ولكنه يؤكد على ضرورة وجدوى التفكير في مسارات العمل المقترحة في الكتاب.

الباحث (ماركوس بورن Markus Born) في دراسة له حول كتاب (بيرتس) بعنوان (انهيار شامل للنظام Umfassender Ordnungszerfall) يكتب ما يأتي: يأتي كتاب "نهاية الشرق الأوسط كما نعرفه" في أعقاب سلسلة من المؤلفات التي استكشف فيها (فولكر بيرتيس)، منذ تسعينيات القرن الماضي، التطورات السياسية والاجتماعية المعقدة في منطقةٍ تتصدر عناوين الأخبار باستمرار، لا سيما بسبب صراعاتها. فبينما حملت رواياته عن حياة الناس في مصر وإسرائيل وفلسطين والسعودية وكردستان وإيران عنوان "نزهات شرقية: الشرق الأدنى والأوسط في مرحلة انتقالية" (2006)، تناول كتابه "الانتفاضة: الثورة العربية وتداعياتها" (2011) الاضطرابات الواضحة التي اجتاحت المنطقة من تونس مرورًا بمصر وصولًا إلى أرجائها بشكلٍ أكثر وضوحاً. ولكن يأتي (بيرتس) في كتابه الأخير (نهاية الشرق الأوسط كما نعرفه) ويُسلط الضوء على "انهيار النظام" الشامل الذي لا يقتصر أثره على دولٍ بعينها في المنطقة فحسب، بل يمتد ليشمل مساحةً أوسع. بذلك، يُبرز (بيرتيس) حجم التغيرات الحتمية في الشرق الأوسط، والتي لا تقتصر على مجرد انتقال من نظام إلى آخر: "لا شك أن المنطقة تشهد نقطة تحول، لكنها ليست تحولاً من دولة سياسية إلى أخرى". يتداخل الحديث عن "نقطة التحول" في الجزء الأول من كتابه مع تأملات في الإطار التاريخي المرجعي، حيث يُفرّق (بيرتيس) بين "الجدول الزمني القصير للسياسة اليومية"، و"الجدول الزمني المتوسط للتحولات الجيوسياسية"، و- تبعاً لأراء المؤرخ الفرنسي الشهير (فرناند بروديل Fernand Braudel 1902-1085) في كتابه المهم: النزاعات والحروب في الشرق الأوسط 1949- "الجدول الزمني الطويل للتطورات الاجتماعية والثقافية"، والذي يشمل أيضاً "الروابط والهويات الطائفية أو العرقية أو القبلية". تتداخل هذه الروابط والهويات مع المساحات التي أفرزها انهيار النظام، وغالباً ما تُدمج في "السرد التاريخي" للفاعلين السياسيين، ويتم توظيفها وفقاً لأجنداتهم الخاصة. وتحت عنوان "القوى الدافعة"، يُقدّم بيرتيس لمحةً موجزةً عن الاضطرابات التي شهدها الشرق الأوسط منذ إحراق بائع الفاكهة التونسي محمد بوعزيزي نفسه عام 2010. وهنا، تبرز أهمية "الديناميات الاجتماعية والديموغرافية [...] وقضايا المشاركة السياسية والاقتصادية"، ليس فقط لكونها محركاتٍ للتغييرات حتى الآن، بل أيضاً لاستحالة التنبؤ بنطاق تأثيرها على التنمية المستقبلية للمنطقة. ويرفض (بيرتيس) التفسيرات المُبسّطة لماضي الشرق الأوسط القريب، والتي تُعزيه إلى أجندة خفية لقوى خارجية، ويركز بدلاً من ذلك على تحديد الفاعلين الإقليميين. في الحقيقة لا يهدف (بيرتس) بأي حال من الأحوال إلى تبرئة "الغرب" من مسؤوليته تتضح جلياً من خلال الجزء من الكتاب المعنون "داعش - ليس دولة، بل مشروع بناء دولة جهادية"، والذي يشير، من بين أمور أخرى، إلى بداية "حرب أهلية طائفية سنية شيعية".

بروفيسور (بيرتيس) يتتبع بدقة نشأة داعش من تنظيم القاعدة، مركزًا بشكل موسع على "بنيتها شبه الحكومية" واقتباساتها الواضحة من أنظمة الحكم في المنطقة، ويمتد ذلك إلى تقديم المساعدات والتعليم للسكان. علاوة على ذلك، يشير (بيرتيس) إلى ضرورة مواجهة داعش ليس عسكرياً فحسب، بل سياسياً وأيديولوجياً أيضاً. ومع ذلك، فإن (بيرتيس)، هنا وفي غيره، بعيد كل البعد عن سبب (نهاية الشرق الأوسط كما نعرفه) إلى اختلاف الأديان أو تفسيراتها فحسب، بدلاً من ذلك، يتحدث عن تسيس(Politization) الصراعات، الأمر الذي غالباً ما يُفاقمها: "تكتسب الاستقطابات الدينية زخماً خاصاً بها بسرعة". وبينما يُقر (بيرتيس) بضرورة اعتبارها قوى فاعلة في صراع النفوذ، فإنه يُشدد على ضرورة عدم إغفال الانقسامات الاجتماعية والثقافية والسياسية الكامنة في نقاش الدين. ويُصاحب ذلك تحذيره من التسرع في تصنيف الأطراف المتنازعة كعناصر في لعبة نفوذ بين إيران الشيعية والسعودية السنية، واختزال الصراعات إلى حروب بالوكالة: "لقد ترسخت رواية الحرب الطائفية بين السنة والشيعة لدرجة أن كل صراع جديد، في اليمن مثلاً، يُفهم فوراً على أنه حرب سنية شيعية أو حرب بالوكالة، على الرغم من وجود خطوط صدع أخرى أعمق بكثير هناك".

يلاحظ (بورن) أن كتب (بيرتس) السابقة تضمنت خرائط للمنطقة؛ وتظهر إحدى هذه الخرائط الآن على غلاف كتابه الجديد: نهاية الشرق الأوسط الذي نعرفه، لكنها ممزقة، والدول فيها تقريبية فقط في مواقعها المألوفة، كقطع من ألغاز Puzzleteile، نظراً للخطر الذي يهدد هياكل الدولة جراء التفكك العام، ويرى (بورن) أن طابع هذا المنهج المتبع من قبل بروفيسور(بيرتس) هو نهج متفائل.

ومع ذلك يرى (بورن) أن الكتاب الذي نحن بصدده وهو كتاب عن الشرق الأوسط، كما نعرفه غالباً ما يكشف ويحلل مؤلفه بروفيسور(بيرتيس) الشرق الأوسط باعتباره الشرق الأوسط الذي نجهله، وهي حقيقة يشملها المؤلف نفسه، لا سيما عند تحديد "أركان السياسة الأوروبية" تجاه المنطقة. ويضيف (بورن) أن موضوعة تفكك النظام في المنطقة، وهو موضوع متكرر في الكتاب وفي تحليلات الفردية لـلبروفيسور (بيرتس)، تبقى غير واضحة لأنه لا يقدم إجابات عن "كيفية نشوء نظام جديد، وكيف سيبدو، ومن سيتفاوض بشأنه أو يؤسسه". ويشير (بيرتيس) إلى أن هذا النظام لا يمكن ولن يُعبَّر عنه من خلال تهدئة المنطقة من الخارج عبر اتفاقية سايكس بيكو ثانية، لإن الموضوع يتجاوز قدرات ومصالح الجهات الفاعلة الخارجية.

وفي رأي (بورن) أن بروفيسور (بيرتيس) نجح في تقديم بانوراما شاملة للشرق الأوسط، حيث تظهر مختلف الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية ضمن شبكة علاقاتها المتغيرة. من نقاط قوة منهجه أنه، رغم وفرة المعلومات، لا يغفل أبداً عن المحاور الأوسع لتحليله، والتي تقوده إلى الانهيار المفترض للنظام. ويوضح أن على الدول الأوروبية أن تُعنى بمواجهة التآكل المتفشي في الشرق الأوسط، مشيراً إلى تزايد أعداد اللاجئين من مناطق الأزمات، والتهديد الإرهابي، والمخاوف المتزايدة من "أسلمة" ألمانيا. ويستشهد (بيرتيس)، كمبادئ توجيهية لسياسة لا تقتصر على معالجة أعراض انهيار النظام في الشرق الأوسط التي تتجلى داخلياً، بـ"الجهود المبذولة لحل النزاعات، وتعزيز التحول السياسي، والاستعداد للتعاون مع الدول الفاعلة".  تتجلى الحاجة المُلحة إلى "حوار سياسي مكثف، لا سيما مع الشركاء الصعبين" - ويستشهد (بيرتيس) بالمملكة العربية السعودية ومصر وإيران وتركيا من بين دول أخرى - في نهاية دراسته يشير (بيرتيس) إلى البديل الوشيك المتمثل في إضافة المزيد من الدول قريبًا إلى قائمة "الدول الصعبة".

ملاحظات حول الآراء المطروحة من قبل بروفيسور (بيرتيس) في المقابلة مع مجلة (كولان)

 

مجلة (كولان) كانت رائدة في إجراء مقابلة مهمة مع البروفيسور (بيرتس) لمناقشته في الآراء التي طرحها بصدد الشرق الأوسط وكيفية إنهياره. هذه المقابلة كانت فرصة لإبداء ملاحظات بصدد آراءه. هذه الملاحظات تركز على 3 مواضيع هي:

أولاً: الشرق الاوسط

 

في بداية المقابلة يشير بروفيسور (بيرتيس) إلى اختلاف زمني ما بين صدور كتابه المشار إليه أعلاه، ونعني به كتاب (نهاية الشرق الأوسط الذي نعرفه) الصادر عام 2015 وبين وتأريخ إجراء المقابلة في شهر ديسمبر 2025، ومع ذلك فإن المنطلقات الأساسية للكتاب ما تزال هي باقية ولم تتغير في الجوهر، ويضيف أنه إذا نظرنا إلى الصورة الحقيقية للشرق الأوسط سيبدو لنا شيئين هما:

·       هيكلية الشرق الأوسط: من الناحية الهيكلية، يُعد الشرق الأوسط نظامًا متعدد الأقطاب - أو حتى شبه متعدد الأقطاب. لا يوجد نظام إقليمي مؤسسي، ولا نظام أمني إقليمي فعال، ولا منظمة إقليمية تضم جميع الدول الفاعلة. التحالفات متغيرة، وتوازنات القوى متغيرة، ولا يوجد إطار مستقر يحكم العلاقات. ولكنه لا يعطي رأياً دقيقاً في ما يمكن أن تتمخض عن هذا الوضع من نتائج ولا يعطينا رأياً حول الحلول المحتملة لإنهاء الحالة التي أشار إليها.

·       أما التطور الرئيسي الثاني فهو ما حدث منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، عقب الهجوم الذي شنته حماس على إسرائيل - وهو أسوأ هجوم شهدته إسرائيل على الإطلاق - والحرب اللاحقة على غزة، التي أصبحت الصراع الأكثر تدميراً الذي شهدته المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية.

وقد أحدثت هذه الحرب تغييرات سياسية جذرية. فقد عادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة الدولية بشكل لم يسبق له مثيل. وإسرائيل، رغم أنها لا تزال الأقوى عسكرياً، أصبحت أيضاً أكثر عزلة من أي وقت مضى منذ اتفاقيات أوسلو عام 1993.

وربما الأهم بالنسبة للمنطقة، يؤكد (بيرتس) أننا نشهد وضعاً جديداً يتمثل في:

·       انهيار ما كانت إيران تسميه "محور المقاومة"، الممتد من الخليج العربي عبر العراق وسوريا إلى لبنان والبحر الأبيض المتوسط. لم يعد هذا المشروع الاستراتيجي قائماً بالشكل نفسه.

·       إنهيارالنظام في سوريا بعد أكثر من خمسين عاماً من حكم عائلة الأسد،

·       تغييرات كبيرة في لبنان، حيث لم يعد حزب الله، ولأول مرة منذ ربع قرن، يُهيمن على السياسة الأمنية.

·       في العراق، تبذل الحكومة جهودًا حثيثة لتحقيق توازن في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، مع الحفاظ على سيادة العراق واستقلاله في ظل بيئة إقليمية بالغة الصعوبة.

 

لقد أصبح الوضع في الشرق الأوسط أكثر غموضاً، يوضح (بيرتس) ليس فقط بالنسبة للجهات الفاعلة الصغيرة، بل للجميع. فالتعددية القطبية غير مستقرة بطبيعتها. لا توجد قوة مهيمنة واحدة تضع القواعد، بل تتنافس جهات فاعلة متعددة خارج المؤسسات القائمة والقانون الدولي. وهذا ما يجعل البيئة صعبة للغاية بالنسبة للجهات الفاعلة الصغيرة.

حول مستقبل الدولة العراقية

وبالنسبة للعراق الذي يعيش في وسط هذه الصراعات، سُئل بروفيسور (بيرتس) في اللقاء: هل تعتقد أن العراق قادر على العمل بشكله المركزي الحالي، أم أن بقاءه يعتمد على لامركزية أعمق، أو حتى نظام قريب من النظام الكونفدرالي؟

أوضح (بيرتيس) إعتقاده بأن الدستور العراقي سليم من حيث المبدأ، لكن يجب تطبيقه بشكل صحيح. لطالما كان هناك ميل نحو المركزية في بغداد، ومع ذلك، يقدم الدستور الاتحادي العراقي نموذجًا قابلًا للتطبيق، ليس فقط في العراق، بل وربما في المنطقة بأسرها، ويعطي تقييماً إيجابياً لحكومة السوداني حيث يقول إن الحكومة المنتهية ولايتها بذلت جهوداً جادة لتعزيز السيادة العراقية وتوحيد مختلف مكونات المجتمع. ومع ذلك، لا تزال هناك إرادة سياسية غائبة - سواء في بغداد أو في إقليم كردستان - للاحترام الكامل لنتائج الانتخابات والترتيبات الدستورية. ولكن العراق لم يطبق النظام الفيدرالي بالكامل

حتى الآن، إقليم كردستان هو الكيان الفيدرالي الوحيد الذي يعمل فعلياً. مع ذلك، تُشير الانتخابات المحلية والإقليمية الأخيرة إلى وجود اهتمام متزايد في جميع أنحاء العراق بالمشاركة الديمقراطية والحكم اللامركزي. ويلاحظ (بيرتس) أن النخب في دول المنطقة غالباً ما تخشى أن يؤدي تطبيق اللامركزية إلى إضعاف الدولة، ولكنه يعتقد أن العكس هو الصحيح. فالنظام الاتحادي المُطبق تطبيقًا سليمًا قادر على تعزيز وحدة الدولة.

حول ترامب والسياسة الخارجية الأمريكية

يتوقع الكثيرون أن تصبح السياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) أكثر نفعية، وبالتالي أنها من المحتمل أن تؤثر على الشرق الأوسط، وخاصة على الشركاء الأصغر حجماً كالأكراد؟

في رأي (بيرتيس) أن السياسة النفعية ليست غريبة على الشرق الأوسط. في الواقع، يجد العديد من القادة الإقليميين أنه من الأسهل التعامل مع أنظمة شخصية للغاية كإدارة ترامب مقارنةً بالدبلوماسية الأوروبية المؤسسية. مع ذلك، يُقدّر الرئيس ترامب القوة ويميل إلى إيلاء اهتمام أقل للجهات الفاعلة الأضعف. وهذا يُشكّل تحديات للجهات الفاعلة الأصغر حجماً كإقليم كردستان. فإذا لم تُظهر قوة أو قيمة استراتيجية، فإنك تُخاطر بتلقي اهتمام محدود من واشنطن.

القضية الكردية

وحول إقليم كردستان العراق سُئل بروفيسور (بيرتس) كيف يرى دور إقليم كردستان العراق، وهل أصبح الإقليم فاعلاً إقليمياً رئيسياً، لا سيما في مجالي الأمن والطاقة، أم أن نفوذه لا يزال محدوداً بسبب وضعه السياسي؟

يرى (بيرتس) أن إقليم كردستان العراق أصبح جزءاً لا يتجزأ من الشرق الأوسط. فهو مستقر، ومعترف به كلاعب سياسي، ويمكن أن يكون نموذجاً يحتذى به لدول أخرى في المنطقة. إنه يُظهر أن الحكم الذاتي الكردي Kurdish autonomy ممكن دون تفكيك الدول القائمة أو الحدود.

هذا الرأي الإيجابي حول الإقليم، مع ذلك، وهذا أمر بالغ الأهمية، لن يصبح الإقليم فاعلاً إقليمياً رئيسياً حقيقياً إلا إذا حقق وحدة داخلية أقوى، حيث يلاحظ أنه في الوقت الراهن، لا يزال الإقليم منقسماً إلى كيانين سياسيين بحكم الأمر الواقع، تهيمن عليهما نخب مختلفة. ورغم إدراكهما ضرورة التعاون والحكم معاً، إلا أن هذا التعاون غالباً ما يكون محدوداً في الواقع.

هذه الحالة، الانقسامات الداخلية، يؤكد (بيرتس) أدت إلى إضعاف إقليم كردستان، ولا تزال تُضعفه، ولكن يضيف: مع تعزيز الوحدة الداخلية، يُمكن لإقليم كردستان أن يصبح فاعلاً إقليمياً أقوى بكثير، لا سيما اقتصادياً، وأن يلعب دوراً أكثر فاعلية في العراق ككل. هذه الوحدة الداخلية يحددها (بيرتس) بالدرجة الأساسية الوحدة داخل إقليم كردستان نفسه، بين الأحزاب والعائلات والشبكات السياسية المهيمنة. مع أن التعاون قد تحسن في السنوات الأخيرة، إلا أن التنافس بين مراكز القوة هذه لا يزال يُضعف الفعالية السياسية للإقليم.

وحسب رأي بروفيسور (بيرتس) يُمكن لإقليم كردستان أن يصبح فاعلاً إقليمياً أقوى بكثير، وهذا يعني أنه بإمكانه لأن يلعب دوراً فعالاً في العلاقات الدولية ولكن إذا نظرنا إلى منظمة الأمم المتحدة UN سنلاحظ أن الإقليم ولأجل الإرتباط بالمجتمع الدولي بحاجة إلى طرق جديدة للتعامل مع الوسط الدولي، حيث أن الأمم المتحدة منظمة تضم دولاً مستقلة فقط؛ وفي نهاية المطاف، تتخذ الدول القرارات. ومع ذلك، تتواصل بعثات الأمم المتحدة بشكل روتيني مع الجهات الفاعلة دون الحكومية. وهنا يُعطي بروفيسور (بيرتس) رأيا مهماً، بل جديداً، عندما يقول:" لا أصف إقليم كردستان بأنه جهة فاعلة غير حكومية as a non-state actor - فهو كيان ما دون دولة a sub-state entity ضمن نظام فيدرالي معترف به، وليس منظمة غير حكومية أو جماعة مسلحة."

ويضيف: " أن دستور العراق يسمح بمثل هذا النظام الفيدرالي. وإذا طُبِّق بجدية، فإنه سيُؤتي ثماره. وما زلتُ متفائلاً بحذر بأن الشعب العراقي مُستعدٌّ لإنجاح هذه التجربة الفيدرالية."

كيانات ما دون الدولةSub-state

معاهدة وستفاليا لعام 1648 تعتبر نقطة تحول جذرية في تاريخ العلاقات الدولية لإنها وضعت الأساس للدولة الوطنية nation-state ونشأ مفهوم السيادة الوطنية. ولا يزال هذان المفهومان اليوم عنصرين أساسيين يحكمان العلاقات بين الدول، لذلك فإن العلاقات الدولية هي مجالٌ يركز على العلاقات بين الدول ذات السيادة. بروفيسور (كينيث والتز1924-2013 Kenneth Waltz)، رائد النظرية الواقعية الجديدة في كتابه "نظرية السياسة الدولية Theory of International Politics 1979 "، بأن "الدول ليست ولن تكون الفاعلين الدوليين الوحيدين". ومع ذلك، تجاهل والتز أيضاً الفاعلين الدوليين الآخرين، إلى جانب الدولة، بحجة أنه طالما أن البنية الدولية تُحددها الدول الكبرى، فإن الفاعلين الآخرين يصبحون غير مؤثرين.

حتى وقت قريب، كانت الدول ذات السيادة هي الوحدة التحليلية السائدة في هذا المجال، إلا أننا نشهد تزايداً ملحوظاً في الدراسات التي تتناول الجهات الفاعلة غير الحكومية، مثل المنظمات العابرة للحدود (كالاتحاد الأوروبي)، والمنظمات غير الحكومية (كمنظمة العفو الدولية)، والجماعات المسلحة (كتنظيم القاعدة)، والشركات متعددة الجنسيات (كشركة مايكروسوفت). ومع ذلك، فقد ازداد اهتمام الباحثين مؤخراً بدور الكيانات دون الوطنية في العلاقات الدولية. ورغم التوسع التدريجي في الدراسات المتعلقة بالفيدرالية، والإقليمية، والمدن، وسياسات الكيانات الأخرى دون الوطنية، إلا أن دور الكيانات دون الوطنية لا يزال غير مدروس بشكل كافٍ فيما يتعلق بتأثيرها على المنظمات الدولية، والأنظمة، والقيم التي تتبناها. ومع ذلك، فإن الادعاء بأن المنظمات الدولية كانت دائماً حكراً على الدول ذات السيادة هو ادعاء خاطئ.

في الواقع، لم تقتصر عضوية عصبة الأمم (1920-1946)، وهي إحدى أوائل المنظمات الدولية الكبرى، على الدول ذات السيادة. فقد انضمت إليها آنذاك الهند قبل استقلالها عن الإمبراطورية البريطانية. هذه الإمبراطورية كانت ممثلةً لمصالح المستعمرات غير الأعضاء فقد نصت المادة الأولى من ميثاق عصبة الأمم على معايير العضوية، موضحةً أن "أي دولة أو دومينيون أو مستعمرة تتمتع بالحكم الذاتي الكامل [...] يجوز لها أن تصبح عضواً في العصبة إذا وافق ثلثا أعضاء الجمعية على انضمامها". ويركز هذا على قدرة الأعضاء المحتملين على الحكم الذاتي، فضلًا عن حصولهم على الاعتراف والقبول من الأعضاء الآخرين. ويوضح هذا المثال أن سياسة العضوية في المنظمات الدولية ليست محايدة، ولا تستند إلى معايير موضوعية؛ بل هي في جوهرها ممارسة للسلطة السياسية.

 

 

 

Top