رسالة صريحة إلى الأحزاب السياسية الكوردستانية في إقليم كوردستان
الدكتور كامران الصالحي
خاص لكولان العربي
إن النخبة الكوردية المستقلة من الذين لم يكونوا يوماً ما طرفاً في صراع السلطة بل كانوا دوماً حريصين على مصير ومستقبل الأقليم واستقراره السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني، فهي اليوم تدعوكم إلى تحمل قدراً أعلى من المسؤولية التاريخية إذ أن عدم الاتفاق على تشكيل حكومة الأقليم وبغض النظر عن مبررات كل طرف تترتب عليها شلل تدريجي في فاعلية وأداء مؤسسات الإقليم وتآكل الثقة العامة بالأحزاب ، وتراجع القدرة التفاوضية مع بغداد، وتفاقم الضغوط الاقتصادية وركود الأسواق وزيادة نسب البطالة.
رغم أن الخلاف السياسي السلمي والتنافس الانتخابي هي جزء من الحياة السياسية الديمقراطية إلا أن تحويل الخلافات إلى تعطيل تشكيل الحكومة ومحاولة كسر العظم لا يعتبر تنافساً ديمقراطياً بل تراجع عن جوهر الديمقراطية التي تمنح الشرعية للسلطة الحاكمة إذ إن استمرار الخلافات وعدم التوصل إلى اتفاق صريح وشفاف حول تشكيل حكومة ائتلافية قائمة على الشراكة الحقيقية في تحمل المسؤولية وتقديم الخدمات قد يتحول إلى أزمة شاملة تمس جوهر الحكم وتهدد مستقبل الإقليم وقدرته في الدفاع عن حقوقه الدستورية.
إن أي تأخر في تشكيل الحكومة لم يعد يفسر بأنها نتيجة التعددية السياسية في الإقليم بل هو دليل على وجود خلل في ادارة الخلاف داخل البيت الكوردي . إذ أن عدم تشكيل الحكومة لم يعد شأن حزبي داخلي بل إن ذلك ينعكس مباشرة على حياة المواطنين إذ أن غياب حكومة ائتلافية كاملة الصلاحيات ومتماسكة تترتب عليها ما يلي :
١- تراجع هيبة المؤسسات الحكومية وازدياد النفوذ السياسي غير المؤسسي وبالتالي ضعف مركز سلطة القرار التنفيذي والتهرب من المسؤولية.
٢- تراجع الشرعية السياسية وازدياد الفجوة بين السلطة السياسية والمجتمع وتراجع الثقة بجدوى الانتخابات والعملية الديمقراطية.
٣ - ازدياد العبء المعيشي على المواطنين إذ أن استمرار أزمة تشكيل الحكومة من شأنها إضعاف القدرة على إدارة ملف الرواتب وحصة الأقليم من الموازنة الفيدرالية وما يترتب على ذلك من أزمات اقتصادية ومالية وركود الأسواق وتحول هاجس الراتب من كونه حق دستوري إلى مصدر قلق دائم.
٤ - استمرار الفراغ الحكومي يعني تراجع الاستثمارات وإضاعة فرص العمل واتساع البطالة وانتشار الجرائم ولجوء العناصر الشابة إلى الهجرة وما يترتب على ذلك من اختلال في التوازن الاجتماعي وازدياد حالات الطلاق والعزوف عن تكوين العائلة وتفاقم الديون الاسرية وانتشار حالات اللانتماء والشعور بالتهميش.
٥ - تفكك الطبقة الوسطى في المجتمع والتي هي صمام الأمان الاجتماعي والسياسي بسبب الأزمات الاقتصادية وتعمق الهوة بين الطبقات الغنية والفقيرة.
٦- استمرار التشرذم السياسي يضعف القدرة التفاوضية مع بغداد سواء في ملف الميزانية ورواتب الموظفين او في ملف النفط والموارد الطبيعية أو ملف المادة ١٤٠ من الدستور. إذ أن عدم الإسراع بتشكيل حكومة ائتلافية متماسكة يعني أن كل هذه الملفات تصبح مادة خاضعة للمساومات والمزايدات والتنازلات مع بغداد وبالتالي يتم افراغها من كونها حقوقاً دستورية.
ان المواطن الكوردستاني يرى ان غياب حكومة موحدة ومتماسكة تخدم مصالحه لا يترتب عليها سوى تشويه صورة الأقليم وعدم قدرة الأحزاب على الادارة الرشيدة وبالتالي مواجهة الأقليم لمستقبل غامض.
المواطن الكوردي لا يهمه تفاصيل المفاوضات والاجتماعات بين الأحزاب السياسية والتصريحات الإعلامية وتبادل الاتهامات بقدر اهتمامه بالإسراع في تفعيل البرلمان وتشكيل حكومة ائتلافية متماسكة قائمة على الاتفاق على برنامج وزاري خدمي للأعوام القادمة . وبخلاف الاستجابة لمطاليب المواطن الكوردي الذي ساهم مساهمة فعالة في الانتخابات بأمل تكوين حكومة متماسكة عادلة من أجل خدمة المواطنين والاستمرار في تطوير الأقليم ومحاربة الفساد المالي وتكوين فرص العمل وتوفير مستلزمات الأمن القومي والدفاع المستميت عن حقوق الأقليم الدستورية، فأن ذلك سيؤدي إلى انتشار مسارات مقلقة منها الشعور بالتهميش وبالتالي الانعزال وعدم المشاركة في العملية السياسية وقد يترتب على ذلك تصاعد موجات الاحتجاج غير المنظم أو اللجوء إلى الهجرة وإضعاف الانتماء الوطني والقومي.
ان النخبة السياسية الكوردستانية وانطلاقاً من مسؤوليتها الأخلاقية والقدرة وإنتماؤها العميق إلى كوردستان شعباً وارضاً تدعو الحزبين الرئيسيين البارتي والاتحاد الوطني إلى :
١- الإسراع بتشكيل حكومة ائتلافية وعلى اساس اتفاق سياسي استراتيجي واضح وعلى اساس الشراكة الفعلية في تحمل المسؤوليات ومحاربة الأزمات.
٢- الاتفاق على برنامج حكومي يتضمن حل المشاكل الاقتصادية والمالية ووضع خطة زمنية لتوسيع الخدمات بكافة أنواعها ومحاربة الفساد وايجاد فرص العمل والاستمرار في عمليات التنمية المستدامة.
٣- ان تتولى الحكومة عمليات التفاوض مع بغداد وإن تدعم من قبل فريق مهني متخصص وبتفويض صريح وواضح بدلاً من الاقتصار على بعض الوجوه.
٤- الاصرار على تحييد ملفات حصة الاقليم من الموازنة والرواتب والعوائد غير النفطية عن الصراعات السياسية.
٥- تفعيل دور برلمان الاقليم في الرقابة والمسألة ومحاربة الفساد المالي.
ان تشكيل الحكومة شرط اساسي للاستقرار السياسي وحماية الحقوق الدستورية للأقليم، الأمر الذي يتطلب تجنب الصراعات ومحاولات كسر العظم، وعلينا جميعاً ان نتذكر التجارب الماضية وان نستمد منها العبر ولاشك ان الظروف التي مرت على الثورة الكوردية خلال أعوام ما قبل صدور بيان اذار 1970 كانت قاسية حيث كان الاقتتال على اشده بين اخوة السلاح ولكن بمجرد صدور بيان 1970 اطلق الزعيم الخالد مصطفى بارزاني خطاب سياسي وطني لمنع التشرذم السياسي واستغلاله من قبل حكام بغداد انذاك وتمكن الزعيم الخالد بحكمته من اعادة توحيد الصف الكوردي كما ان الطرف الآخر استجاب لهذا الخطاب مباشرة وأثبت حرصه على ضرورة وحدة الصف وتم توحيد البارتي مرة اخرى وأصبح الجميع في جبهة موحدة تجاه حزب البعث الحاكم حينئذ، كما ازداد التفاف الجماهير حول البارتي وقيادته السياسية وتم تخطي ايام الاقتتال ومآسيه.
لذا فأن النخبة المثقفة الكوردية تدعو الاحزاب الكوردستانية مرة اخرى الى توحيد صفوفها وتحكيم العقل السياسي وتقديم مصلحة الاقليم والتخلي عن المصالح الحزبية الضيقة وتشكيل حكومة قادرة على تنفيذ برنامج واضح وبخلافه فأن المخاطر التي تهدد كيان الأقليم ستزداد وبالتالي فأن كافة الملفات العالقة مع بغداد تصبح عرضة للمزايدات والمساومات بدلاً من جعلها ملفات وطنية كوردستانية جامعة يتمسك بها جميع القوى الوطنية الكوردستانية.

گولان میدیا