• Sunday, 01 February 2026
logo

الصراع بين الدين والعولمة وأثرها على شعوب العالم..العراق أنموذجًا

الصراع بين الدين والعولمة وأثرها على شعوب العالم..العراق أنموذجًا

 

بقلم: د. مهند علي فرحان

يشكّل الصراع بين الدين والعولمة أحد أبرز الإشكاليات الفكرية والاجتماعية في عالم ما بعد الحرب الباردة حيث لم تعد العولمة مجرد منظومة اقتصادية، بل تحوّلت إلى مشروع ثقافي وقيمي يسعى إلى تعميم أنماط سلوكية ومعايير معرفية عابرة للحدود في مقابل الدين الذي يمثل منظومة هوية جمعية وقيم أخلاقية متجذرة في التاريخ والوجدان الاجتماعي، وتزداد حدّة هذا الصراع في المجتمعات التي تعرّضت لانكسار الدولة أو التحول المفاجئ كما هو الحال في العراق بعد عام 2003 ،إذ دخل المجتمع العراقي فضاء العولمة دفعة واحدة دون بنية مؤسساتية قادرة على إدارة التحول فانهارت الضوابط التقليدية وتدفقت القيم الاستهلاكية والرموز الثقافية العالمية عبر الإعلام الرقمي والفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعي، وفي المقابل صعد الدين بوصفه ملاذًا نفسيًا ومرجعية أخلاقية في ظل العنف والفوضى وفقدان الأمن الاجتماعي فتحول من مجال روحي إلى فاعل اجتماعي وسياسي يسعى إلى حماية الهوية من الذوبان العولمي ولم يكن هذا الصعود بمعزل عن التوظيف السياسي حيث جرى تسييس الدين ليكون أداة مقاومة رمزية للعولمة الثقافية وفي الوقت نفسه وسيلة للشرعنة داخل النظام السياسي الجديد، الأمر الذي خلق حالة ازدواجية واضحة تتمثل في رفض العولمة أخلاقيًا وثقافيًا مع التعايش معها اقتصاديًا وسياسيًا، وقد انعكس هذا الصراع بوضوح على المجتمع العراقي حيث ظهر انقسام قيمي بين جيل شاب متأثر بالثقافة الرقمية والعولمية وقوى دينية واجتماعية تسعى إلى ضبط السلوك العام وفق منظومة قيم تقليدية، مما ولّد توترًا اجتماعيًا حول قضايا الحريات الفردية ودور المرأة وأنماط العيش كما أثّر هذا الصراع في المجال السياسي، إذ أصبح الدين أداة تعبئة في مواجهة ما يُنظر إليه كهيمنة ثقافية عالمية لكنه في الوقت ذاته اندمج في شبكات المصالح والاقتصاد الريعي المرتبط بالسوق العالمية، وعلى المستوى الاقتصادي عمّقت العولمة الفجوة الطبقية وأضعفت الطبقة الوسطى بينما حاول الخطاب الديني احتواء آثارها عبر التكافل والعمل الخيري دون أن يقدّم حلولًا بنيوية لمشكلات البطالة والتنمية أما في المجال الثقافي والفني، فقد تراجع الإبداع النقدي لصالح خطاب محافظ يفرض قيودًا أخلاقية واجتماعية على الفن في مقابل محاولات حداثية متأثرة بالعولمة تسعى إلى كسر هذه القيود ورغم ما يحمله الدين من قوة في حفظ التماسك الاجتماعي وحماية الهوية ومنع الانفلات القيمي إلا أن تسييسه أضعف رسالته الأخلاقية وحوّله في بعض الأحيان إلى أداة إقصاء بدل أن يكون فضاءً جامعًا للحوار كما أن عجز الدولة عن تحقيق توازن بين الانفتاح العولمي والحفاظ على الخصوصية الثقافية، جعل المجتمع العراقي يعيش حالة صراع دائم بين قيم متناقضة وفي المحصلة يبيّن النموذج العراقي أن الصراع بين الدين والعولمة، ليس صراع إلغاء بل صراع إعادة تشكيل حيث لا تستطيع العولمة محو الدين ولا يمكن للدين عزل المجتمع عن العالم وأن التحدي الحقيقي يكمن في بناء صيغة توازن تجعل من الدين مصدرًا أخلاقيًا غير مسيّس، ومن العولمة أداة تنمية لا هيمنة، وهو ما يتطلب دولة مدنية قوية وخطابًا دينيًا واعيًا قادرًا على التفاعل مع العصر دون التفريط بالثوابت.

Top