• Monday, 02 February 2026
logo

يومُ العَلَمِ الكوردستاني… رايةُ الهوية وذاكرةُ النضال وميثاقُ الكرامة

يومُ العَلَمِ الكوردستاني… رايةُ الهوية وذاكرةُ النضال وميثاقُ الكرامة

د. مهند الجبوري

في يوم العَلَمِ الكوردستاني لا يُستعاد رمزٌ بصريّ فحسب بل تُستعاد سرديّةُ شعبٍ تشكّلت هويته عبر تفاعلٍ عميق بين الأرض والتاريخ والإرادة، فالراية التي ترتفع اليوم فوق الجبال والمدن ليست قماشةً تلوّح في الهواء بل خلاصةُ وعيٍ جمعيّ وميثاقُ كرامةٍ صيغ بمداد التضحيات ومعاني الصبر الطويل هي لغةٌ صامتة تتكلم حين تعجز الكلمات وتختصر قروناً من السعي نحو الحرية والعدالة والاعتراف بالذات.

 العَلَمُ الكوردستاني بوصفه رمزاً سياسياً وثقافياً ينهض من جذورٍ تاريخيةٍ عميقة تعكس وحدة الذاكرة وتنوّع التجربة، فالألوان التي تتجاور في انسجامٍ فريد لا تعبّر عن جغرافيا فقط، بل عن فلسفة حياة ترى في التعدّد ثراءً وفي الانتماء قيمةً أخلاقيةً عليا وفي الشمس المتألقة قلب الراية، معنى النهضة الدائمة وإرادة الاستمرار مهما اشتدّت العواصف لقد تحوّل العَلَم عبر مسيرته من علامة تعريف إلى شاهدٍ تاريخيّ على نضالٍ منظّم وصبرٍ استراتيجيّ ورؤيةٍ سياسيةٍ، تؤمن بأن الكرامة لا تُمنح بل تُصان وتُحمى.

ويكتسب هذا اليوم بعده الأكاديمي، حين يُقرأ العَلَم باعتباره نصّاً مفتوحاً على التأويل التاريخي والاجتماعي، فكل مرحلةٍ من مراحل كوردستان تركت أثرها في معنى الراية ورسالتها من مقاومة الإلغاء إلى بناء المؤسسات ومن الدفاع عن الوجود، إلى ترسيخ قيم الحكم الرشيد والتعايش والسلام لقد صار العَلَم جسراً بين الماضي والمستقبل، يربط ذاكرة الشهداء بأحلام الأجيال ويمنح الفعل السياسي بعده القيمي، ويؤكد أن الهوية الكوردستانية هويةُ حياةٍ لا هويةُ صراع.

في يوم العَلَم تتوحّد المشاعر العامة مع الوعي العلمي في لحظةٍ نادرة، يلتقي فيها الفخر الشعبي مع الرصانة المعرفية، فترتفع الراية لا بوصفها شعاراً عاطفياً عابراً بل بوصفها إعلاناً أخلاقياً عن الالتزام بالمواطنة والحرية والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون، إنها رسالةُ طمأنينةٍ للداخل بأن الطريق، وإن طال فهو واضح ورسالةُ احترامٍ للخارج، بأن كوردستان شريكُ استقرارٍ وبناءٍ وحضارة.

إن الاحتفاء بيوم العَلَمِ الكوردستاني، هو احتفاءٌ بقدرة شعبٍ على تحويل الألم إلى أمل والتاريخ إلى مشروعٍ مستقبليّ والنضال إلى ثقافة دولة، وهو يومٌ تتجدد فيه الثقة بأن الراية التي صمدت في وجه الإقصاء ستظلّ عاليةً، ما دامت القيم التي تمثلها حيّة في الوجدان العام، وما دام الإيمان بالكرامة والحرية متجذّراً في السلوك الفردي والمؤسسي على حدّ سواء، وهكذا يبقى العَلَمُ الكوردستاني عنوانَ عزٍّ وفخرٍ وميثاقَ كرامةٍ، لا يشيخ ودليلاً على أن الشعوب التي تعرف معنى رايتها، تعرف حتماً طريقها إلى المستقبل.

Top