حين امتزج الدم… كتب الجيش العراقي والپيشمرگة ولادة العراق من جديد
مهند علي فرحان
هناك لحظات في تاريخ الأمم تكون أثقل من الزمن نفسه… لحظات تختبر فيها الأقدار صدق الشعوب.
وفي الحرب ضد داعش، خاض الجيش العراقي والپيشمرگة امتحانًا لم يترك مجالًا للحياد، فإما أن يكون العراق أو لا يكون. وفي تلك السنين السوداء، سالت دماء الجيش العراقي والپيشمرگة معًا — لا شرق لها ولا غرب، لا شمال ولا جنوب — بل دم واحد وقف في وجه ظلام أراد أن يبتلع كل شيء.
يا لها من دماء…
دماءٌ انسكبت على أطراف الموصل وسهول الكوير ومشارف مخمور وجبال بعشيقة وسدّ الموصل وتلال سنجار.
دماءٌ امتزجت حتى لم يعد أحد يعرف أيّها دم الجيش العراقي وأيّها دم الپيشمرگة؛ فالتراب لم يعد يميّز، والرصاص لم يسأل، والموت لم يفرّق… بل استقبلهم شهداء بوطن واحد.
في أولى معارك التحرير، كان مقاتلو الپيشمرگة يتقدمون إلى جانب جنود الجيش العراقي، كتفًا بكتف.
جندي من الجيش يحمل بندقيته، ومقاتل من الپيشمرگة يربط على ذراعه شارة صفراء.
وعندما تسقط قذيفة على خط الصدّ، كان أحدهما ينحني فوق جسد الآخر ليحميه بجسده. كانوا يعرفون أن داعش لا يستهدفهم كأفراد، بل يستهدف فكرة العراق نفسه. ولذلك كانوا يقاتلون دفاعًا عن فكرة أكبر من هوياتهم العسكرية… كانوا يقاتلون من أجل الإنسان العراقي.
في قرية تل الريش، رُوي أن جنديًا من الجيش العراقي سمع صرخة رفيقه من الپيشمرگة بعد إصابته بشظية، فاندفع إلى الأمام تاركًا خلفه ساتره، وحمله تحت وابل الرصاص.
ولما سألوه لاحقًا: لماذا خاطرت بحياتك؟
قال بدموع مختنقة:
“هو أخي… أخي بالمعركة، وأخي بالوطن.”
وفي محور الخازر، عندما اخترقت شظية صدر مقاتل من الپيشمرگة، كان أول من أوقف نزيفه جندي من الجيش العراقي. ولما مات المقاتل بين يديه، بقي الجندي جاثيًا على ركبتيه يبكيه كما يبكي الأخ أخاه.
هذه ليست حكايات… هذه وقائع سجّلتها الأرض نفسها.
في معركة سدّ الموصل، اختلطت دماء الشهداء على ضفاف النهر.
وفي سهل نينوى، قاتلت سرايا الجيش العراقي إلى جانب قوات الپيشمرگة ساعات طويلة دون نوم.
حتى العدو نفسه — كما ورد في تقارير دولية — كان يفاجأ بأن خطوط الاشتباك لم تكن تفصلها هوية عسكرية، بل فقط اتجاه الرصاص.
وفي بعشيقة، انتشرت صورة أثارت العالم أجمع:
جندي من الجيش العراقي يقف فوق جثة صديقه من الپيشمرگة، يمسح التراب عن جبينه ويقول بصوت يختنق بكاءً:
“يا أخوي… خلصنا الموصل مثل ما وعدناك.”
كانت الصورة وحدها تصلح لتدريس معنى الأخوّة الوطنية في الجامعات العسكرية.
أما في سنجار… فمن ذا الذي يستطيع أن ينسى؟
الجيش العراقي والپيشمرگة قاتلوا معًا لإنقاذ الإيزيديين من الإبادة.
وحين فُتِح الممر الإنساني الأول، كانت خطوات المنقذين من الجيش والپيشمرگة تتداخل فوق التراب كأنها خطوات أبناء بيت واحد يركضون لإنقاذ طفلة واحدة.
وفي تلك اللحظة، كتب التاريخ جملة لا تُمحى:
“العراق نهض بصوتين… الجيش العراقي والپيشمرگة.”
لقد أثبتت الحرب ضد داعش أن دم الجيش العراقي ودم الپيشمرگة حين يمتزجان يتحولان إلى قوة لا تُهزم.
وأثبتت أن الأعداء قد ينجحون في افتعال خلافات سياسية، لكنهم لا يستطيعون أن يزرعوا الكراهية في قلوب مقاتلين يتشاركون الخندق نفسه، والمصير نفسه، والشهادة نفسها.
هذه الدماء جعلت من تحرير الموصل قصة وطن كاملة.
القصة التي لم يكتبها سياسي، بل كتبها الشهيد من الجيش العراقي الذي سقط على مشارف عين الجحش، والشهيد من الپيشمرگة الذي استشهد عند بوابة بعشيقة، وكل شهيد حمل العراق في صدره… فسقط لأجله.
من منظور أكاديمي، تُعدّ تجربة الحرب المشتركة ضد داعش نموذجًا عالميًا في بناء الثقة بين المكوّنات، إذ أدى امتزاج الدماء إلى بناء قيم مشتركة وذاكرة موحّدة، وهي عوامل تُسميها الدراسات السياسية “معمار الهوية الحديثة”.
إن دماء الجيش العراقي والپيشمرگة ليست فقط سجلًا للتضحيات… بل هي حجر الأساس لوطن لا يمكن أن ينكسر.
وإذا كان التاريخ يُكتب عادة بالحبر، فإن العراق كتب تاريخه بالحياة نفسها — بالحياة التي قدّمها الشهداء لكي لا يعيش أطفالنا تحت ظلام الإرهاب.
في النهاية، يمكن القول بضمير مطمئن:
إنّ العراق لم يتحرر من داعش بسلاحه فقط،
بل تحرر بدمين امتزجا حتى صارا دمًا واحدًا…
دمٌ للجيش العراقي… ودمٌ للپيشمرگة… لكنه في لحظة الحقيقة كان دمًا عراقيًا خالصًا.

گولان میدیا