د. مهند الجبوري، المؤرخ والشخصية العراقية المعروفة لـ (كولان): نهج بارزان تأسس على قيم الحرية والكرامة والانتماء العميق للأرض والشعب
مسعود بارزاني بقي رمزاً للصمود وحماية شعبه
- الملا مصطفى بارزاني حوّل النهج الروحي والأخلاقي للبارزاني إلى مشروع نضالي واقعي
الدكتور مهند علي فرحان الجبوري؛ شخصية عراقية وأستاذ التاريخ في كلية الآداب بجامعة كركوك، حاصل على شهادة الماجستير من جامعة ديالى حول ((الشيخ أحمد بارزاني وتأثيره الاجتماعي والسياسي في كردستان العراق، 1896-1969))، وكتب أطروحة الدكتوراه في جامعة تكريت حول ((عشائر بارزان ودورها في العراق، 1903-1958)). هذا المؤرخ العراقي صاحب العديد من البحوث التاريخية المهمة. أجرت مجلة (كولان) حواراً معه لمناقشة مفهوم العدالة والزهد الروحي والنضال المسلح لدى القادة الكرد في بارزان ودورهم في حماية حقوق الشعب الكردي.
• بصفتكم مؤرخاً عراقياً بارزاً قدم تحليلاً تاريخياً وفلسفياً لنهج البارزاني، هل يمكننا في البداية معرفة كيف تنظرون في أبحاثكم إلى سلسلة التغييرات التي حدثت من عهد الشيخ عبد السلام وصولاً إلى جناب الرئيس بارزاني؟ وإلى أي مدى كان هذا تطوراً طبيعياً للنهج ذاته؟
تُعد بارزان جزءاً مهماً من إقليم كردستان العراق وتمتلك تاريخاً مليئاً بالفخر والمآثر، وتأثيرها وآثارها واضحة وبارزة على الكرد وعموم العراق أيضاً. إنها تمتلك قادة قوميين كبار حافظوا على الهوية القومية لشعبهم، ومن المؤسف أنه بسبب تأثير وضغوط الأنظمة الديكتاتورية والعنصرية، فإن الكثير من المؤرخين والمثقفين والشخصيات داخل العراق والمنطقة ظلموا تاريخ الأمة الكردية وقادتها، لذا لا يجوز كمؤرخ ألا أولي اهتماماً لهذا التاريخ العريق والأصيل وألا نجري بحوثاً حوله.
أعتقد أنه منذ اللحظة التي وقف فيها الشيخ عبد السلام بارزاني الثاني أمام السلطات العثمانية ورفع صوته للمطالبة بالعدالة والاعتراف بحقوق شعبه، وحتى لحظة استشهاده في الموصل عام 1914، تشكل جوهر نهج البارزاني كمشروع أخلاقي وروحي وسیاسي موحد. لم يكن الشيخ عبد السلام قائداً سياسياً فحسب، بل كان رمزاً للإصلاح الاجتماعي، وناشراً لفكرة أن القيادة ليست سلطة بل رسالة، وأن الحقوق لا تُطلب باستحياء بل تُنتزع بثبات، لذا كانت وصيته غير المكتوبة أن تبقى بارزان مدرسة لا تنطفئ.
تأسس هذا النهج على قيم الحرية، والكرامة، والصدق، والانتماء العميق للأرض والشعب. ثم جاء الشيخ أحمد بارزاني ليحول تلك الرسالة إلى حالة روحية مهيبة. ولعل أعظم ما فعله الشيخ أحمد هو إعادة تعريف معنى القيادة لدى الكرد، فجعلها تضحية لا مغنماً، وصدقاً لا مساومة، وكان نموذجاً حياً لحقيقة أن القائد الحقيقي يستمد قوته من محبة الناس وليس من عدد البنادق التي خلفه.
بعد ذلك جاء الملا مصطفى بارزاني ليحول هذا النهج الروحي والأخلاقي إلى مشروع نضالي واقعي، مشروع تُرسم ملامحه في الجبال والوديان وفي الخنادق الضيقة وفي مسيرات اللجوء الطويلة. قدم الملا مصطفى أعظم نموذج للقيادة الثابتة التي لا تنحني مهما كانت العواصف قوية. فمن حرب بارزان الأولى، وصولاً إلى رحلته الأسطورية إلى الاتحاد السوفيتي، وحتى عودته المظفرة، كانت روحه هي ذات الروح التي بدأ بها الشيخ عبد السلام، وهذا ما جعل الناس لا ينظرون إليه كقائد سياسي بل كحامي للوجود والبقاء.
ثم تسلم جناب الرئيس مسعود بارزاني الراية لينقل نهج البارزاني نحو مرحلة الدولة والمؤسسات والحداثة السياسية، فحافظ على ثوابت بارزان واستطاع نقل مشروع النهج من مرحلة الدفاع إلى مرحلة البناء، ومن مرحلة التحرر إلى مرحلة الاستقرار السياسي، ومن العمل السري إلى الفضاء الدولي الواسع. بصلابته المعروفة وهدوئه العميق استطاع ترسيخ فكرة أن الكرامة ليست شعاراً، بل هي معيار ثابت لا تقترب منه الترددات أو الحسابات الضيقة. ولعل أعظم لحظة تجسد فيها نهج البارزاني في قيادته كانت في أصعب أيام الحرب ضد داعش، حين وقف بلا تردد بين البيشمركة، ومشى بينهم كما كان يمشي الملا مصطفى، وكأن رسالة بارزان كلها اختُصرت في تلك الخطوة. وهذا ما جعل نهج البارزاني يصبح مدرسة فريدة، و(رحماً) يصنع القادة وليس الرؤساء فقط.
• في جزء من كتاباتكم أشرتم إلى أن الشعب الكردي عاش بين "تهديد الفناء" و"نضال البقاء"، وتستشهدون بإرث الملا مصطفى بارزاني كنموذج لهذا البقاء. كيف استطاع نهج البارزاني تحويل تلك المعادلة من (الدفاع من أجل البقاء) إلى (صناعة الهوية والكيان)؟
بذلك الامتداد العظيم من 1914 إلى 2025، لا يعتبر نهج البارزاني مجرد جزء من تاريخ كردستان، بل هو روح التاريخ بأكمله، نهج يذكّر كل من يقرأه بأن الشعوب لا تنهض بالقوة فقط، بل بالقيم التي تحمي تلك القوة من الانحراف.
عاش الشعب الكردي في العراق على مدى قرون في مساحة ضيقة بين حافتين حادتين جداً: تهديد الفناء من جهة، ونضال البقاء والصمود من جهة أخرى. فبعد تقسيم المنطقة نتيجة الحرب العالمية الأولى وحتى بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة، وجد الكرد أنفسهم في دوامة صراعات سياسية وعسكرية حاولت مراراً إنهاء وجودهم أو صهرهم داخل الكيانات الكبرى. ومع ذلك، ظلت جغرافية كردستان – من بارزان إلى السليمانية – تحمل روحاً لا تقبل الانكسار، وذاكرة لا تنسى.
مر الكرد بمراحل متتالية من الترحيل، والقصف، وطمس الحقوق، ومحاولات التشويه الثقافي، لكنهم في كل مرة كانوا يعيدون تنظيم صفوفهم، ويبنون من الخراب أسباب استمرارهم. ورغم الحصار الخانق، والجوع، وقطع الإمدادات، وتدمير القرى، بقيت راية الصمود عالية. ظهرت حملات الأنفال في ثمانينيات القرن الماضي كنموذج مرعب لمستوى تهديد الفناء الذي واجهه الكرد، حيث أُبيدت آلاف العائلات في لحظات. لكن ما تبقى بعد الأنفال لم يكن الموت، بل كانت إرادة البقاء.
• بصفتكم مؤرخاً، إلى أي مدى تتفقون مع الرأي القائل بأن تاريخ بارزان ونهجه كان ضرورة تاريخية لمرحلة التغييرات الكبرى في بداية التسعينيات وسقوط نظام البعث وحرب داعش؟
مع بداية التسعينيات وسقوط جزء من سلطة الدولة المركزية، تحولت جروح الماضي إلى مشروع بناء. ولدت المؤسسات، وفي كل مرة يثبت الكرد أنهم لا يخوضون صراع البقاء لأنفسهم فحسب، بل لأنهم يرون الحياة الحرة حقاً لا يُوهب. لاحقاً، أثبتت تجربة الحرب ضد تنظيم داعش نموذجاً جديداً أكد أن شموخ الكرد ليس شعاراً أدبياً، بل هو فعل تاريخي ضربت جذوره من قادة بارزان. فحين انهارت جيوش بأكملها، بقيت قوات البيشمركة واقفة، ودافعت عن مدن لم تكن جميعها كردية، ودافعت عن أناس من كل الطوائف والأديان.
قد تهدد العواصف الكثيرة الشعب الكردي، لكن الجذور التي امتدت من جبال بارزان الشمّاء لا يمكن اقتلاعها. قد يُحاصر شعب، وقد يُرحّل، وقد تُحرق قراه، لكن إذا كانت الإرادة صلبة، فلن يكون للفناء مكان، وسيكون للبقاء والصمود ألف وجه ووجه.
• تحدثتم عن مرحلة الرئيس مسعود بارزاني، ووصفتموها بأنها مرحلة الانتقال إلى "الدولة والمؤسسات". لكن في الوقت نفسه أشرتم إلى المشهد الذي وقف فيه كبيشمركة في الخنادق خلال حرب داعش. كيف أثر هذا المزيج النادر بين (الروح الثورية) و(العقلانية السياسية والدبلوماسية) على تغيير نظرة المجتمع الدولي للقضية الكردية؟
تغيرت نظرة المجتمع الدولي للقضية الكردية على يد الملا مصطفى بارزاني، وكان إرث الملا مصطفى بارزاني أساساً متيناً لمسار شعب كردستان الذي واجه منذ نهاية السبعينيات تحديات سياسية واجتماعية وأمنية واقتصادية صعبة. حمل السيد مسعود بارزاني هذا الإرث بمنتهى الحكمة والشجاعة، ليترجم أحلام الكرد نحو بناء إقليم مستقر ومؤسسات حديثة. ظهر دوره منذ الثمانينيات حين كانت المناطق الكردية ترزح تحت وطأة القمع والنزوح والحرب، حيث نظم القوات الكردية ونسق لحماية المدنيين وأسس شبكة دعم اجتماعي ساهمت في حفظ الاستقرار.
مع مرور الوقت ركز السيد مسعود بارزاني على تطوير الدولة والإصلاح الإداري والاقتصادي. ظهر تأثير قيادته في النموذج الحي لحياة المواطنين، حين عاد آلاف النازحين واللاجئين إلى مناطقهم مع إعمار القرى المدمرة وتوفير الخدمات الأساسية، كما تم دعم المرأة في المجتمع من خلال المشاريع اليدوية والزراعية ومنحها دوراً فاعلاً في الحياة الاجتماعية والاقتصادية. وفي الوقت نفسه حفظ الأمن والاستقرار في المدن والمناطق الحدودية، مما جعل المستثمرين يعملون بحرية.
ورغم التحديات الاقتصادية بسبب انخفاض أسعار النفط والخلافات السياسية مع بغداد والضغوط الإقليمية، بقي السيد مسعود بارزاني رمزاً للصمود والتقدم، حيث استخدم كل أدوات القيادة لتعزيز بناء المؤسسات، وتحقيق التنمية المستدامة، وحماية مكتسبات المجتمع الكردي. وكان لحضوره الشخصي وقراراته الحاسمة تأثير مباشر على حياة الناس اليومية، مجسداً بذلك قيادة واعية تمتلك الشجاعة والحكمة والقدرة على مواجهة التحديات.
إن الدور الذي لعبه السيد مسعود بارزاني في بناء إقليم كردستان يعكس رؤية دقيقة وقيادة فريدة، جمعت بين حماية الهوية الكردية والصمود أمام أصعب الأزمات، وبين بناء مؤسسات الدولة الحديثة ووضع أسس التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق الاستقرار الأمني، وتطوير التعليم والصحة. لقد قدم بعمله هذا نموذجاً حياً للقيادة الحكيمة التي تترجم الطموح إلى واقع ملموس. فالأمثلة الحية في إعمار القرى، وحماية المدنيين، وتوسيع الجامعات والمستشفيات، وتعزيز فرص العمل للشباب، تعكس تأثيره المباشر على حياة المواطنين، وتجعله رمزاً خالداً في الذاكرة الكردية ومسار كردستان نحو مستقبل مشرق، حيث سيبقى إرثه مناراً للأجيال القادمة وركيزة لتحقيق التقدم والرفاه المستدام.
واليوم يمكننا القول إن مسعود بارزاني تجاوز حدود دوره السياسي ليصبح جزءاً من ذاكرة شعب بأكمله، ذاكرة لا تُكتب إلا عبر التضحية والصدق والثبات. ومن هنا جاءت مكانته التي تتفق عليها الشعوب المختلفة، لأنهم يرون فيه قائداً يضع كرامة الإنسان قبل كل شيء، ويضع الحقيقة قبل المصالح، والمستقبل قبل اللحظة الآنية.

گولان میدیا