• Saturday, 31 January 2026
logo

نيجيرفان بارزاني وخطة ترمب لإنهاء الحرب في غزة

نيجيرفان بارزاني وخطة ترمب لإنهاء الحرب في غزة

كوردستان المزوري

حين قرأت تصريح رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني وهو يرحب بخطة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب "الشاملة لإنهاء الصراع في غزة"، توقفت كثيراً أمام هذا الموقف. لم تكن مجرد جملة بروتوكولية عابرة أو موقف دبلوماسي محايد، بل كان في رأيي تعبيراً عن قراءة سياسية واعية ورؤية إنسانية عميقة، خصوصاً في لحظة مأساوية يعيشها الشعب الفلسطيني في غزة تحت القصف والدمار والحصار.

 منذ عقود، لم تعرف القضية الفلسطينية حلاً دائماً. كل المبادرات السابقة، من مدريد إلى أوسلو، مروراً بمبادرات عربية ودولية، اصطدمت بجدار الخلافات والرفض المتبادل وفقدان الثقة. واليوم يأتي ترمب بخطة جديدة تثير الجدل، وتفتح باباً للنقاش بين مؤيد ومعارض. البعض يعتبرها منحازة لإسرائيل، والبعض الآخر يراها محاولة جادة لوقف نزيف الدم. بالنسبة لي، ما فعله الرئيس نيجيرفان بارزاني كان إدراكاً أن تجاهل أي مبادرة يعني عملياً ترك الوضع كما هو، أي استمرار الحرب والدمار والمعاناة.

 الخطة التي تحدث عنها ترمب قد لا تكون مثالية، وربما تحمل في تفاصيلها الكثير مما يستفز الفلسطينيين أو يضعف موقفهم التفاوضي. لكنني أنظر إليها من زاوية مختلفة: هل هناك بديل حقيقي مطروح اليوم على الطاولة؟ هل هناك طرف قادر على فرض حلّ شامل يحمي الفلسطينيين ويوقف معاناتهم؟ إذا كانت الإجابة لا، فإن أي مبادرة – حتى لو كانت ناقصة – قد تكون مدخلاً لمرحلة جديدة، أو على الأقل بداية لحوار قد يفضي إلى تسويات أفضل.

 رئيس اقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني لم يتحدث بلسان السياسة الأميركية ولا بلسان أي طرف إقليمي، بل تحدث من موقعه كزعيم كوردي يعرف معنى الحصار والجوع والحرمان. شعبنا الكوردي عاش تجربة الإبادة والتهجير، وعرف معنى أن تُحاصر مدينة أو تُقصف بلا رحمة. لذلك، عندما يعلن رئيس الإقليم دعمه لمبادرة توقف الحرب في غزة، فهو يفعل ذلك انطلاقاً من تجربة تاريخية عميقة تجعل كلامه أكثر صدقاً ومصداقية.

 ما شدني في تصريحه أيضاً أنه لم يكتفِ بالترحيب، بل دعا جميع الأطراف إلى "المشاركة البنّاءة في الحوار" وإلى إظهار روح "التسوية والتنازل المتبادل" من أجل تحقيق سلام دائم وأمن وازدهار لشعوب المنطقة. هذه الجملة وحدها تكشف عن رؤية مختلفة: أن الحل لا يكون بإقصاء طرف أو سحقه، بل بتقديم تنازلات متبادلة، لأن لا أحد يربح من استمرار الحرب، والكل يخسر.

صحيح أن هناك من ينتقد خطة ترمب باعتبارها أقرب إلى تصفية القضية الفلسطينية أكثر من كونها حلاً عادلاً، وصحيح أن هناك من يخشى أن تكون مجرد غطاء لتكريس الهيمنة الإسرائيلية، لكن من وجهة نظري، نيجيرفان بارزاني لم يمنح شيكاً على بياض لهذه الخطة. هو لم يقل إنها الحل النهائي أو المثالي، بل رحّب بها كخطوة أولى يجب أن تُستثمر لفتح باب الحوار، بدلاً من ترك النزيف مستمراً.

أكثر ما يميز موقف نيجيرفان بارزاني أنه لم ينطلق من حسابات قومية ضيقة. لم يقل: "هذه ليست قضيتنا"، ولم يقف موقف المتفرج كما يفعل كثير من الزعماء العرب الذين يكتفون بالبيانات الإنشائية. بالعكس، وضع نفسه وإقليم كوردستان في قلب النقاش الإقليمي، مؤكداً أن استقرار الشرق الأوسط لا يتحقق إلا بحل القضية الفلسطينية. هذا الوعي العابر للحدود هو ما يجعل صوته مختلفاً ومسموعاً.

 أنا شخصياً أعتقد أن الموقف الكوردي في هذا الملف يعكس نضجاً سياسياً، لأنه يوازن بين القيم الإنسانية والمصالح الواقعية. فمن جهة، لا يمكن القبول باستمرار قتل الأطفال وتدمير المدن في غزة. ومن جهة أخرى، لا يمكن أن يظل الفلسطينيون رهائن لخطابات فارغة ترفض كل مبادرة من دون أن تقدم بديلاً عملياً. نيجيرفان بارزاني أدرك أن المطلوب هو كسر الجمود، حتى لو كان عبر مبادرة أميركية مثيرة للجدل.

 قد يتساءل البعض: لماذا يرحب رئيس إقليم كوردستان بخطة تخص غزة وفلسطين؟ الجواب بسيط: لأن الإقليم يعرف أن مصير الشرق الأوسط مترابط، وأن النار إذا اشتعلت في فلسطين فلن تسلم منها باقي الدول. ولأن كوردستان نفسها دفعت ثمن الحروب الإقليمية مراراً، فهي أكثر من يدرك أن الاستقرار لا يأتي إلا من خلال حلول عادلة ومتوازنة.

 الخلاصة بالنسبة لي أن موقف الرئيس نيجيرفان بارزاني كان رسالة واضحة: "نحن مع أي مبادرة توقف نزيف الدم، ومع أي جهد يفتح باب الحوار، حتى لو لم يكن كاملاً أو مثالياً". وهذه الرسالة بحد ذاتها تعكس شجاعة سياسية وإنسانية في زمن يختبئ فيه كثيرون وراء الشعارات.

 إن القضية الفلسطينية ستظل معقدة، والحل لن يكون سهلاً، لكن ما فعله نيجيرفان بارزاني هو أنه وضع لبنة في جدار السلام، وأرسل إشارة إلى العالم بأن الشعوب المنكوبة لا تحتاج إلى المزيد من البيانات الغاضبة، بل إلى مبادرات عملية، حتى لو كانت مثيرة للجدل. وهذا ما يجعلني أرى في موقفه خطوة مختلفة تستحق التقدير والتوقف عندها.

 

Top