ظاهرة انتشار العنف بين الشباب ضد افراد العائلة أو الاخرين وسبل معالجتها في إقليم كوردستان
د. كامران الصالحي
يشهد الأقليم منذ سنوات ظاهرة انتشار سلوكيات عدوانية تجاه افراد العائلة الواحدة أو تجاه الآخرين سواء كانوا اقرباء أو غرباء. ومع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تمر بها المنطقة يلاحظ تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة ممارسة العنف ولاسيما بين فئة الشباب الامر الذي يعتبر مؤشر على عدم التوازن في البنية الاسرية والمجتمعية ومدى هشاشتها الامر الذي يتطلب تدخلاً مؤسساتياً تشترك فيه الحكومة والاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني. نقوم بدراسة هذه الظاهرة التي اصبحت تتفاقم وعدم تجاهلها مع ايجاد حلول عملية لها قابلة للتطبيق ضمن امكانيات الأقليم حيث اصبحت هذه الظاهرة من ضمن التحديات الخطيرة التي تواجه المجتمع الكوردستاني المعروف بالتمسك بالروابط العائلية والنسيج الاجتماعي ونبذ العنف.
ولابد من دراسة هذه الظاهرة وبيان الاسباب الخطيرة التي قد تترتب على عدم معالجة اسبابها وبالتالي انتشارها ومن هذه السلبيات:
اولاً: من الناحية الاجتماعية
1- من النتائج السلبية الخطيرة هي اضعاف الروابط الاسرية وتفكك النسيج الاجتماعي وفقدان الثقة بين مكوناته وانهيار القيم والمبادئ الاجتماعية.
2- تهديد قيم التعايش السلمي في المجتمع الكوردستاني القائم على احترام التنوع الديني والطائفي والقومي والثقافي.
3-ازدياد نسبة الانتحار والطلاق وتشرد الأطفال وتفاقم المؤثرات وانتشار العزلة الاجتماعية.
ثانياً: من الناحية الأمنية
1- قد يقود ممارسة العنف الاسري او ضد الاخرين الى عنف منظم يمارس من قبل عصابات او الى عنف جماعي.
2- قد يترتب على انتشار ظاهرة العنف الى التطرف وتجنيد الشباب ايديولوجياً للقيام بأعمال الارهاب او الانخراط في تجارة المخدرات أو الادمان.
3-زيادة ضغط العمل على الاجهزة الأمنية والمحاكم في الاقليم وانشغالها عن القيام بأداء كافة مهامها.
ثالثاً: من الناحية الاقتصادية
1- هدر الموارد البشرية واضعاف بيئة الاستثمار والحاق الضرر باستقرار الاقتصاد الوطني واعاقة التنمية المستدامة.
2- زيادة النفقات مما يثقل من اعباء الحكومة ولاسيما في مجال الرعاية الاجتماعية وازدياد نزلاء السجون وتكاليف المستشفيات وتكاليف العلاج ومراكز الضحايا.
رابعاً: من الناحية التربوية والبيداغوجية
1- اثار سلبية على التعليم بجميع مراحله وضعف النظام التربوي خشية استعمال العنف من قبل بعض الطلبة ضد اعضاء التدريس.
2- انتشار القلق بين افراد الاسرة على مصير اطفالهم وشبابهم.
3- الخشية من تحول ظاهرة العنف الى سلوك عادي يتقبلها المجتمع مما سيؤدي الى استمراريتها عبر الاجيال.
وقبل التطرق الى مسائل معالجة هذه الظاهرة لابد من بيان الاسباب المؤدية الى ممارستها وهي في الواقع مجموعة من الاسباب المتداخلة وحلولها:
اولاً: الاسباب الاجتماعية ومنها:
1- ضعف الروابط والعلاقات داخل الاسرة الواحدة وغياب الحوار والتواصل بين الآباء والامهات والابناء وعدم القدرة في التعامل لمن قبل تدخل وممارسة الضغط والتهديد والمبالغة وبعض الابناء بالاقفال ومن ثم الغضب والحقد والانعزال.
2- ضغوط مجتمعية يمارسها رب الاسرة تجاه افراد عائلته مما يولد مشاعر الاحباط والفشل لدى الابناء والبنات.
3- ظاهرة التمييز في التعامل سواء داخل الاسرة أو المجتمع على اساس الجنس او العمر او الحالة الصحية او النفسية مما يزيد من ظاهرة الانعزال والحقد ومن ثم اللجوء الى العنف او تناول المخدرات.
ثانياً: الاسباب السايكولوجية
1-عدم اهتمام رب الاسرة أو افرادها بمعاناة البعض منهم من اضطرابات واضحة نفسية او معاكستها وتجاهل ذلك رغم معرفتهم بذلك.
2- عدم الاهتمام بما اصاب بعض افراد الاسرة من تعرضهم لصدمات أو ضغوط سابقة نتيجة التعرض للعنف أو التعذيب أو السجن أو مرض جسدي او عاهة مستديمة مما يولد الرغبة عند هؤلاء بالانعزال بسبب تهميشهم ومن ثم الحقد على افراد الاسرة أو الاخرين.
3- ظاهرة الزواج القسري مما يولد مشاكل نفسية سلبية تجاه الاخرين واخذ يتناول المخدرات.
ثالثاً: اسباب اقتصادية
1- قلة فرص العمل والتمييز في منح الوظائف وحصرها في المقربين حزبياً عائلياً أو سياسياً مما يولد حالة من اليأس قد يترتب عليه الحقد وممارسة سلوك عدواني.
2- ازدياد الفارق الطبقي والتفاوت في مستويات المعيشة وظهور طبقة فضولية حصلت على الثروة بطرق غير مشروعة مما يولد مشاعر العداء والادهاس بالظلم لدى الاخرين.
رابعاً: اسباب تربوية وضعف التوعية الثقافية
1- انتشار ثقافة العنف والفولكلورية لحل الخلافات وغياب برامج مجتمعية تعزز اللجوء الى الحوار ونبذ العنف واحترام الرأي المخالف.
2- ندرة مراكز التأهيل والدعم السايكولوجي للمصابين بأمراض نفسية من الشباب والذين ومن مدمنين المخدرات.
3- التأثير السلبي لمواقع التواصل الاجتماعي حيث البعض منها محرض على العنف.
4- التأثير السلبي لبعض القنوات التلفزيونية التي تعرض افلام العنف والارهاب وتتعاطف مع بطل الفلم كما مثل افلام الكاوبوي أو الافلام التاريخية أو البوليسية أو افلام الرعب.
أما عن التعامل مع ظاهرة العنف وايجاد حلول عملية فأنها تتطلب إرادة سياسية حقيقية لما يمكن وتضافر وتعاون بين المؤسسات الحكومية والاحزاب ومنظمات المجتمع المدني لايجاد بيئة سليمة وامنة للشباب تمكنهم من الوقوف في مواطن السلوك العدواني والعنف. فمن الطبيعي ان ذلك يتطلب قيام كل من الحكومة في النظم والاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني بممارسة دور فعال في هذا المضمار.
اولاً: دور وواجب الحكومة
1- تبني استراتيجية متكاملة لمكافحة العنف من خلال تخصيص ميزانية ملائمة قادرة للقيام بتنفيذ برامج الوقاية والتأهيل النفسي وانشاء مراكز نفسية واجتماعية في كافة دور التعليم.
2- تفعيل قانون مناهضة العنف الاسري وتشديد العقوبات.
3- توجيه وسائل الاعلام لنشر ثقافة التسامح واطلاق حملات تثقيفية مستمرة وانشاء حوار خاصة بالتربية النفسية والاجتماعية في المناهج الدراسية.
4- تفعيل الشرطة المجتمعية في الاحياء وتسهيل اجراءات قاضي الاسرة ومكاتب الوساطة الاجتماعية.
5- دعم مشاريع ريادية شبابية بمنح صغيرة أو قروض ذات آجال طويلة.
6- تشجيع القطاع الخاص على توفير فرص العمل.
7- انشاء نوادي شبابية رياضية وثقافية.
8- تخصيص حوافز مالية للمبلغين عن جرائم العنف بجميع انواعه مع حمايتهم.
ثانياً: دور الاحزاب السياسية
1- تبني استراتيجية واضحة تدعو الى التماسك الاجتماعي ونبذ العنف والسلوك العدواني ومحاربة الفساد والاجرام والمخدرات.
2- الامتناع عن استغلال وتوظيف الشباب في الخلافات السياسية والحزبية.
3- انشاء منظمات شبابية كأدوات لتنمية وتطوير المجتمع وليس للتعبئة السياسية.
4- اقامة دورات تدريبية لحماية اللاعنف ودورات لتعلم المهن.
ثالثاً: دور منظمات المجتمع المدني
1- إقامة حملات مستمرة في البلاد والمراكز والمدارس التعليمية والجامعات لتوعية الشباب بنبذ العنف والدعوة إلى اللاعنف لحل المشاكل الاجتماعية ومحاربة المخدّرات والتأكيد على ضرورة احترام القيم والعادات الاجتماعية وحب الشعب والوطن.
2- إقامة مشاريع لإعادة المنخرطين في أعمال العنف وتقديم خدمات الدعم النفسي والقانوني للضحايا.
3- القيام بمبادرات المصالحة الاجتماعية ولاسيما في الأحياء الفقيرة أو المهمّشة.
4- إقامة دورات للتدريب المهني للحرف المطلوبة في سوق العمل.
ويتبين أن مسؤولية معالجة ظاهرة العنف لا تحتاج فقط إلى إصدار قوانين بل تحتاج إلى إرادة سياسية ومشاركة مجتمعية لتقوية البنية النفسية والاجتماعية للعناصر الشبابية في إقليم كوردستان ودعمهم حتى يصبحوا عناصر فاعلة بدلاً من أن يكونوا جهة مهمشة وغاضبة.

أ.د.كامران الصالحي