حي على السلام
د.عرفات كرم ستوني
مسشتار الرئيس بارزاني لشؤون بغداد
لقد خلق الله الإنسان حراً يختار ما يعتقده، فليس من المنطق ولا المعقول إكراه أحد للدخول في الدين، ولو كان ذلك مقبولا لجعل الله الناس كلهم مؤمنين، وقد حذر الله رسوله محمداً (ص) من إجبار الناس على الدخول في الإسلام، فالإنسان حر في اختياراته، لأن الإيمان مبني على اليقين وليس على التلقين، لذا على الإنسان أن يبحث عن الحقيقة بعقله وجهده ومنطقه كي يصل إلى بر الأمان الإيماني، ومعلوم أن كل مولود يولد على الفطرة، ثم يقوم الوالدان بتربيته وتلقينه بالعقيدة التي يؤمنان بها، ولهذا تجد طفلا مسلما، وآخر مسيحيا، وبجواره طفل يهودي، وهلم جراً، هذا واجب الوالدين تجاه أطفالهم، وبعد بلوغ الطفل ونضوجه الفكري والعقلي سيبدأ بكل تأكيد بطرح الأسئلة المصيرية، لماذا خلقني الله؟ وما مهمتي في هذا الوجود؟ لماذا أنا مؤمن بهذه العقيدة دون غيرها؟ وأين سأذهب بعد موتي؟ هذه الأسئلة ستجعله يفكر ويمضي ويبحث، مع كونه على دينه التقليدي، ولكن لا ضير في البحث عن الحقيقة، فالإيمان المبني على القناعة واليقين أفضل من إيمان مبني على التلقين والتقليد، ولهذا أكد الغزالي على أهمية فلسفة الشك حيث قال:" من لم يشك، لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى والحيرة والضلال، ولا خلاص للإنسان إلا في الاستقلال"، وطرح المسألة بعده الفيسلوف الفرنسي رينيه ديكارت René Descartes في بداية كتابه (مبادئ الفلسفة) Principles of Philosophy حيث قال:" لكي نبحث عن الحقيقة، من الضروري أن نشكّ في كل شيء قدر الإمكان، ولو لمرّة واحدة في الحياة".
هذا الاختلاف في الأديان والتنوع في العقائد والتباين في الأفكار ظاهرة طبيعية، لإن كل إنسان تربى في بيئة معينة، ولهذا نجد كل بلد يشكل فيه دين معين الأغلبية السكانية، وتجد في البيئة نفسها من يعتنق بدين آخر بعد أن بحث ورأى واعتقد أن هذا الدين الذي اعتنقه أجاب على أسئلته الوجودية والمصيرية والنفسية والروحية، ولا يجوز لهذا الاختلاف أن يفسد التعايش السلمي بين أتباع الأديان وأشياعها، ولا ريب أن في كل دين متطرفين يدّعون أنهم حماة الدين وحراسه سيقومون بتهديد هذا السلم بدعوى أن دينهم في خطر، وذلك عندما يعتنق شخص من ديانته ديناً آخر، أو يرى أن ديناً ما أكثر انتشارا من دينهم، وهذه معضلة تواجه المعتدلين في كل دين، وأكثر الحروب الدينية أشعلها المتطرفون بحماقاتهم، واستغلها السياسيون لمصالحهم، وباركها أرباب الفتوى في كل دين، إذا كان الله قد خلق هذا الإنسان، ووهبه الحرية، وكرمه تكريماً، وسخر له هذه الأرض كي يعمرها ويطورها بالتعاون مع الآخرين بغض الطرف عن هويته، فكيف يمكن لإنسان أن يفرض على الآخر عقيدةً أو ديناً أو مذهباً مختلفا، فالهوية الدينية مسألة شخصية بينه وبين ربه، والله تعالى لا يحاسب أحداً على عقيدته في الدنيا، بل ذلك متروك ليوم الحساب، فالله قادر أن يجمع الناس كلهم على عقيدة واحدة، ويزيل هذا الاختلاف بين البشر، ولكنه سبحانه جعل الناس أحراراً في مسيرتهم، وجعل حساب المختلفين عنده يوم القيامة، ففي الدنيا لم يجعل الله الناس أحراراً لكي يقتل بعضهم بعضاً، ويظلم بعضهم بعضاً، ويقصي بعضهم بعضاً، ويرفض بعضهم بعضاً، بل فرض عليهم التعايش مع بعضهم البعض بسلام وأمان ووئام، ولهذا أحسن الناس عند الله أحسنهم لخلقه، لأن البشرية كلها دون استثناء من صنع الله، فهو الذي خلقهم، وهم في الحديث النبوي (عيال الله) بالمعنى المجازي، قال (ص):" الخلق كلهم عيال الله، فأحب الخلق إلى الله من أحسن إلى عياله" ودعني أقرب الصورة أكثر، خذ مثلا الوالد عندما يكون له أولاد، فهو لا يغضب عندما يختلف أخ مع أخته أو أخيه في مسألة ما بقدر غضبه عندما يؤذي ولد أخاه أو أخته، فكيف بظلمه أو قتله، لأن الأول حرية رأي لا يضر الآخر، بينما الثاني ظلم وجور، فالله تعالى يحاسب الظالم في الدنيا قبل الآخرة، بينما لا يحاسب الكافر على كفره إلا في الآخرة، لأن الظلم يتضرر به الآخر بينما الكفر لا يضر إلا صاحبه، والله تعالى مع تحقيق العدل ولو من كافر، وضد ارتكاب الظلم ولو من مسلم قال ابن تيمية الحراني:" الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة"، وقال ابن خلدون الأندلسي:"العدل إذا دام عمَّر، والظلم إذا دام دمَّر".
فالظلم الذي مارسته الدول المسلمة ضد شعوبها أبشع من الظلم الذي مارسته الدول غير المسلمة بحق شعوبها، فاستقرار البلدان غير المسلمة يرتد إلى تحقيق العدل ورفض الظلم، وما الفوضى التي تعيش فيها الدول المسلمة إلا بسبب الظلم والجور وعدم تحقيق العدالة، فإذا كان ذلك كذلك فما أحوجنا إلى بناء سلام شامل بين أتباع الأديان جميعا.
ومن هذا المنطلق أصبح الحوار ضرورياً بين أتباع الديانات لإنقاذ البشرية من الصدام والصراع والنزاع والبغض والكراهية والضغينة، وذلك من أجل بناء سلام عادل، لأنه لا يمكن إعمار الأرض وإسعاد الإنسان دون تحقيق سلام حقيقي بين أشياع الديانات، يقول اللاهوتي السويسري هانز كونج Hans Kung :" ": لن يكون هناك سلام بين الأمم، ما لم يكن هناك سلام بين الأديان، ولن يكون هناك سلام بين الأديان، ما لم يكن هناك حوار بين الأديان".
There will be no peace among the nations without peace among the religions, there will be no peace among the religions without dialogue among the religions".
ولا يعني هذا الحوار توحيد الأديان أي دمج الأديان في دين واحد وهو الديانة الإبراهيمية Abrahamic Religions بل الغاية من ذلك كله (التركيز على المشتركات بين الأديان، والتغاضي عما يسبب النزاعات بين أتباع الديانات) ومعنى ذلك أن يحافظ كل دين على خصوصياته وعقائده ومبادئه، بحيث يكون تابع كل دين حراً في تدينه دون أن يؤذي الآخرين بكلامه ومواقفه وخطبه ومحاضراته وكلماته، لأن التدين في تصوري علاقة خفية بينك و بين ربك، ومتى جعلتها علاقة بينك وبين الناس فهذا ليس تديناً، بل سياسة لتحقيق مآرب شخصية، يقول محمد عابد الجابري:" من يتدين لوحده فهو يمارس الدين، ومن ينادي الآخرين ليتدينوا فهو يمارس السياسة". هنا أختلف مع الجابري في توصيفه، فمن الطبيعي أن يدعو الإنسان صديقه ومن يرى فيه خيرا لقبول النصيحة مثل أن يدعوه إلى الصلاة والصدقة والصلاح وعمل الخير، ولهذا من الأنجع أن نقول:" ومن يدعو الآخرين ليتدينوا معه ومثله فهو يمارس السياسة"، لأن الإسلامي- وليس المسلم- يدعو الناس إلى أيدولوجيته الدينية باللون الذي يريده، وبالصبغة التي يريدها، لكونه يرى أن كل ما هو خلاف لونه وصبغته باطل، فهو بالمصطلح الأصولي من الفرقة الناجية وغيره من الفرق الهالكة.
وقد منع الله المسلمين من سب آلهة الكفار، لأن ذلك يؤدي إلى الصدام وتهديد السلام، فالطرف الآخر سيغضب من سب آلهتهم وإن كانوا في نظر المسلمين على ضلالة، وكثير من الأمور لم يقم بها الرسول (ص) لحماية المجتمع من التشظي، وشارك في مناسبات مع الكفار لمنع الظلم وتحقيق السلام والتعاون والتكافل المجتمعي، ومن أجل تحقيق هذا الهدف الحضاري السامي الهام ذهب الجاحظ المعتزلي إلى القول بأن :" مخالف ملة الإسلام من اليهود والنصارى والدهرية، - إن كان معانداً على خلاف اعتقاده- فهو آثم، وإن نظر فعجز عن درْك الحق فهو معذور غير آثم، وإن لم ينظر من حيث لم يعرف وجوب النظر فهو أيضا معذور، وإنما الآثم المعذب، المعاند فقط، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، وهؤلاء قد عجزوا عن درك الحق، ولزموا عقائدهم خوفا من الله تعالى، إذ استد عليهم طريق المعرفة". لنقف قليلاً على كلام الجاحظ، فكلامه ينطبق على كثير من الشعوب والأمم والأقوام والملل، فكم من شعوب وأمم وأقوام وملل عجزت عن درك الحق، وكم منهم لم ينظر لأنه لم يعرف وجوب النظر، فهم عجزوا عن درك الحقيقة، والتزموا بعقائدهم خوفا من معبودهم الذي يرونه حقاً، بعد استداد طريق المعرفة، وعلى هذا الأساس يمكننا أن نعرف حدود من يكفر الناس ويضللهم ويرميهم في النار قبل مجيء يوم القيامة، إذا انطلقنا من هذا المنطلق الذي أسسه الجاحظ فسوف نستطيع بناء سلام عادل وشامل، لأن مصير البشرية الأخروي عند الله يوم القيامة، ومصيرها الدنيوي بأيدينا، فثمة من يريد رمي جميع من لا يؤمن بدينه في جهنم، وثمة من يريد إرجاء ذلك إلى الله يوم القيامة.
ثم لا يمكن للبشرية جميعاً أن تدخل في دين واحد، فإرادة الله الكونية اقتضت هذه الحالة، ولم يرض الله لنبيه أن يجبر الناس على الدخول في الإسلام، فأصحاب كل دين يتمنون لغيرهم الدخول في دينهم، لاعتقادهم الجازم بأنهم على الحق، فمهما كان ذلك الدين في نظرك مدنساً، فهو عند أتباعه مقدس، لأنه اعتقد به في صغره على يدي والديه، وفي أحضان بيئته، فالمعتدلون في كل دين يتمنون لغيرهم الدخول في دينهم، ولكنهم لا يكرهونهم ولا يحتقرونهم ولا يهينوهم ولا يبغضونهم، بل يتعاونون فيما بينهم في المشتركات التي ترسخ التعايش السلمي والعمل المشترك، فالعامل المشترك والجامع بين المعتدلين في كل دين احترام القيم الإنسانية والمباديء الأخلاقية والأسس الاجتماعية التي تحافظ على تحقيق العدالة وحماية المجتمعات والأسر، بينما المتطرفون في كل دين يفرضون عقيدتهم على الآخرين ويكفرونهم ويحللون دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وما أكثر الأمثلة على ذلك، ولقد ارتكب المتطرفون جرائم عديدة بحق الإنسانية، ولكي لا يغلب المتطرفون على المعتدلين لا بد من خطاب موحد جامع - مع الاحتفاظ بخصوصية كل دين- يدعو إلى حفظ كرامة الإنسان، فالإنسان أقدس ما في الوجود، وما قيمة الكون إذا لم يوجد هذا الكائن المقدس، فخراب الكعبة أهون عند الله من قتل أمريء، ولهذا لجأ الصوفية في كل دين إلى تقديس الإنسان بغض الطرف عن هويته الدينية والأيدولوجية، يقول الفيلسوف الصوفي الشهير ابن عربي الأندلسي:" لن تبلغ من الدين شيئا حتى توقر جميع الخلائق، ولا تحتقر مخلوقاً ما دام الله قد صنعه". فهذا الكلام يشمل الجميع، ولهذا يرى الصوفية في كل دين أن العابد في أي مكان يعبد الله على طريقته فهو على صواب، يقول الفيسلوف الهندي شانكارا: "أعبد الله في أي معبد شئت، أو أمام أي إله بغير تفريق".
لقد نشأت التجربة الصوفية كتجربة شخصانية فردانية وجدانية في نفوس البعض للفرار من هذه الحياة المليئة بالترف والملذات والرفاهية وطغيان المال والجاه واشتداد الصراعات والنزاعات، فيشعر صاحب هذه التجربة بالاغتراب في عالم صاخب، فيبدأ بإعادة الحياة إلى طبيعتها البسيطة دون افراط ودون نزاع وخصام، فهم ينظرون إلى هذا الإنسان بأنه قد أخطأ المسير، ولا بد من إعادته إلى الصواب، فهو كائن مقدس لا بد أن يعيش حرا كريما عزيزا، لا غارقاً في متاهات الملذات، ولا متورطا في نزاعات مصطنعة، فالإنسان بغض الطرف عن هويته الدينية عبد من عباد الله، خلقه الله في أحسن صورة، وكرمه تكريما، وأي أذى بحقه يعد جريمة عند الله، ولهذا جعل الله قتل الإنسان من أعظم الجرائم، وعليه فكل إنسان عند الله حر في عقيدته واختياره، ولا ينبغي لأتباع دين أن يعادوا أتباع دين آخر، بل يجب أن يحترم بعضهم البعض، فكل يعبد الله على طريقته، وكل يعتقد أن دينه أحق من دين غيره، وبهذه الطريقة سنعيش بسلام آمنين، ولن يبقى نزاع ولا صراع ولا كراهية ولا بغض، ولهذا أسس الصوفية الفلاسفة هذه المنهجية من أجل أن يعيش الجميع بسلام وأمان، ولا يتصورن أحد أن هؤلاء الصوفية ومن يعتقد بمنهجيتهم انطلقوا من فراغ، بل هؤلاء علماء راسخون، فرجل مثل ابن عربي الأندلسي عملاق في العلوم الإسلامية، ولا يعني أن نلتزم بما قاله الصوفية الفلاسفة في كل ما قالوه، ولكن قد نستفيد من منهجيتهم في التفكير في بناء هذه العلاقة السليمة والصحيحة بين الأديان، فليعبد كل إنسان إلهه الذي يعتقده حقا، فلا المسلم يستطيع أن يغير عقيدة المسيحي، ولا البوذي يقدر على تغيير عقيدة اليهودي، إنها القناعة الشخصية بعد طول نظر وفكر وعقل تغير عقيدة الناس، فالمسلمون عبر التاريخ استطاعوا بأخلاقهم وسلكوهم إقناع غيرهم بعظمة دينهم وجماله وأحقيته مما جعل الآخرين يدخلون في دينهم أفواجا، والذين لجأوا إلى العنف شوهوا الدين، مما جعل الآخرين يرونه دينا يحرض على القتل وسفك الدماء، كما فعلت القاعدة وداعش، فمن يدخل الإسلام عن قناعة فكرية لن يخرج منه، ومن يدخل فيه كرها لن يطول مقامه.
ومن المناسب جدا الحديث عن تجربة كوردستان، فهي بكل تأكيد تجربة طويلة وناجحة، ولا بد أن تحتذى بها، حيث يعيش في كوردستان عبر التاريخ السحيق المسلمون والمسيحيون واليهود والإيزيديون والكاكائيون والزرادشتيون بسلام وأمان ووئام، في بلد لا أحد يسأل عن هويتك الدينية، بل يراك مواطنا صالحا يخدم بلده وشعبه في أي موقع كان، ولهذا لا نعاني مما يعانيه الآخرون من صراع ديني، ولكي أكون دقيقا حدثت مشاكل عبر التاريخ وتحدث بين أتباع الديانات، ولكن عند التحقيق نجد أن أصل المشكلة ليس حول الدين بل هي مشاكل اجتماعية وعشائرية وشخصية يحاول البعض تحويلها إلى صراع ديني من أجل كسب الدعم، وعند تدخل القانون يزول الصراع، وتحل القضية، وولقد قامت حكومة إقليم كوردستان بتأسيس وقف لكل دين في وزارة الأوقاف دعما للتعايش السلمي، وحتى لا يشعر أتباع أي دين بالتهميش والإقصاء، ناهيك عن مشاركة أتباع الديانات المتعددة في المؤسسات المدنية والعسكرية بصورة فعالة.
وفي الختام أقول لكي نعيش بسلام لا بد أن يحترم بعضنا بعضا، وأن نوقر الأديان كلها، وأن نتعاون ونتكافل ونتضامن من أجل بناء هذا البلد، ولا نسمح لأي خطاب ديني متطرف يزعزع هذا التعايش السلمي بين الأديان، وبهذه المنجهية سننقذ البلد من أي صراع ديني، لأننا نعيش في حقبة مليئة بالأفكار المتطرفة والمتزمتة، فإذا لم نقف في صف واحد تجاها فإن مصير الأوطان إلى يَباب، ومستقبل الشعوب إلى تَباب.

د.عرفات كرم ستوني