الجنرال الذي حمى أرواح مئات الآلاف من العراقيين
آراس جواد كاظم
مع قيام الحركة التحررية الكوردستانية في منتصف القرن الماضي، كان لابد من وجود قوة ضاربة بمثابة ذراع عسكري للتصدي لأي عدوان محتمل، حيث تم إقتراح تشكيل نواة لقوات البيشمركة التي لعبت فيما بعد دوراً ريادياً في معركة النضال القومي ونالت شرف الدفاع عن الأرض والكرامة الكوردستانية و وقف هؤلاء المقاتلين المؤمنين بعدالة قضيتهم وبأسلحة بدائية امام هجمات جيوش جرارة مدججة بالسلاح والذخيرة المتطورة مدعومة بالطائرات والدبابات وجميع أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة.
وخلال ثورتيأيلول العظيمة وگولان التقدمية قدمت قوات البيشمركة أروع صور التضحية والفداء من أجل الدفاع عن أرض وشعب كوردستان الذي تعرض قراه ومدنه وجباله و وديانه لهجمات عسكرية وحشية من قبل النظام بشتى أنواع الأسلحة التقليدية والمحرمة دولياً كقنابل النابالم والأسلحة الكيماوية والبايولوجية، لكنها بقت صامدة ولم تنحني و تهتز أمام أحدث تكنلوجيا السلاح والعتاد في حينه.
التأريخ الكوردي شاهد على ان قوات البيشمركة رغم بساطة سلاحها وقلة ذخيرتها ومؤنها لم تخسر اية معركة عسكرية ولم تندحر امام الجيوش الجرارة بل تفوقت في معظمها بسلاح الأيمان وعزيمة وصلابة رجالها المؤمنين بعدالة قضيتهم وأخماد الثورات الكوردستانية وخسارت بعض المعارك لم تكن بفعل العامل العسكري ابداً وإنما نتيجة للمؤامرات الأقليمية والدولية ضد شعبنا، وانهيار جمهورية كوردستان في مهاباد وإنتكاسة ثورة ايلول خير دليل على مانقول.
وأثناء معركة تحرير العراق من قبل قوات التحالف الدولي كانت لقوات البيشمركة النصيب الأكبر في دحر قوات النظام وقاتلت جنبا الى جنب مع القوات الدولية لتحرير كامل التراب الكوردستاني ،فضلا عن تحرير المحافظات العراقية الاخرى كنينوى وديالى والانبار وحتى في بغداد كانت لقوات البيشمركة شرف الدفاع عن الوزارات والمؤسسات الحكومية والتشريعية التي كانت هدفاً رئيسا للهجمات الارهابية لمسك زمام الامور في بغداد بقوة السلاح.
بعد اسقاط النظام من قبل القوات التحاف الدولي وبسط سيطرتها على معظم المحافظات العراقية،حظى سد الموصل أهمية ستراتيجية من الجانبين العسكري والأمني ،كونه كان يشكل تهديداً حقيقياً ليس لمحافظة نينوى وحدها فحسب بل لجميع المناطق الغربية وحتى العاصمة بغداد، حيث حذر في حينها كبير القادة العسكريين الامريكيين في العراق الجنرال (سين ماكفارلاند) من ان انهيار السد سيؤدي الى تدمير محافظة نينوى والمحافظات المجاورة لها فضلا عن العاصمة بغداد، وسيذهب ضحيته مئات الآلاف من المواطنين، بحسب تقرير نشرته مجلة "فورين بولسي" (Foreign Policy) الأمريكية.
ورغم تلك الخطورة البالغة والتحذيرات و وجود عشرات الالاف من شتى صنوف المقاتلين المجهزين باحدث انواع الاسلحة في محافظة نينوى، الى ان بضعة مئات من مقاتلي تنظيم داعش الارهابي تمكنت من السيطرة على معظم مدن ومناطق نينوى فضلا عن السيطرة على سد الموصل في 7 آب من عام 2014 ما شكل مخاوف كبيرة لدى قوات التحالف والحكومة العراقية من مغبة انهيار السد بفعل عملية تفجير من قبل التنظيم،باعتبارأن سد الموصل هو احد السدود القابلة للأنهيار، نظراً لتشييده على أرضية تتآكل أو تذوب بفعل المياه، طبقا لدراسة أجراها مهندسون عسكريون عام 2006.
بحسب تقرير "فورين بولسي"فأن سد الموصل الذي يعد الأكبر في العراق والرابع على مستوى الشرق الأوسط، يحجزخلفه أكثر من 11 مليار متر مكعب من المياه، أي أكثر من ثلث حجم المياه في بحيرة "ميد" (Mead)، أكبر خزان للمياه في الولايات المتحدة الامريكية.
كما اشارت المجلة في تقريرها إلى دراسة أعدتها جامعة "لولي" التكنلوجية السويدية، حذرت فيها من أن 4 ساعات بعد انهيار السد، كفيلة بجعل الموصل مدينة تغطيها المياه يبلغ ارتفاعه 80 قدماً، (أكثر من 24 متراً)، في حين ستصل امواج المياه مدينة تكريت بارتفاع يفوق الـ15 متراً.
كما اكد التقرير ان ارتفاع موجة المياه في العاصمة بغداد نتيجة احتمال انهيار السد ستصل الى ارتفاع 4 أمتار، وذلك بعد أقل من 48 ساعة من الأنهيار، الذي سيغرق مساحة تقارب 210 كيلومتر مربع حول العاصمة بحسب الدراسة المذكورة.
كل تلك الأسباب جعلت من قيادة قوات التحالف من البحث عن قوة ضاربة بقيادة شجاعة ذكية قادرة على تحرير السد وحمايته من دون اضرار، وبعد اجتماعات متعددة ومطولة من قبل كبار جنرالات قوات التحالف والمستشارين العسكريين ودراسة العملية من جميع الجوانب، وقع الخيار على قوات (گولان) احدى التشكيلات الخاصة لقوات البيشمركة والقائد الميداني الذي اثبت جدارته في المعارك السابقة الجنرال (منصور بارزاني) لأستعادة سد الموصل الذي كان يهدد انهياره نصف مساحة العراق.
تمت مفاتحة قائد قوات گولان الجنرال(منصور بارزاني) بالعملية ولم يتردد في قبول المهمة معلناً عن استعداده شخصيا و جهوزية قواته لتحرير السد في عملية قل نظيرها وفق الحسابات العسكرية من جانب وتعلقها بحماية ارواح مئات الآلاف من المواطنين العراقيين من جانب آخر.
بدأت معركة تحرير سد الموصل في ظل اجواء انهيار القوات الحكومية عسكريا ومعنويا وفي الوقت الذي كان التنظيم الارهابي في اوج قوته وجبروته وهو يحكم قبضته على المناطق التي استولى عليها،حيث تمكنت قوات (گولان)البطلة وباشراف ميداني مباشر من الجنرال(منصوربارزاني) وبغطاء جوي من قبل طائرات قوات التحالف الدولي من استعادة وتحرير السد خلال(24) ساعة فقط، من دون وقوع اية اضرار في جدران وبنى السد،وكانت تلك العملية المعقدة بمثابة بشرى سارة لأهالي مدينة الموصل والمحافظات المجاورة التي كانت امام كارثة انسانية حقيقية فيما لو تمكن التنظيم من تفجير السد.
وجرت عملية تحرير سد الموصل وسط ذهول كبار جنرالات قوات التحالف الدولي والمستشارين العسكريين الذين توقعوا اتمام العملية خلال اسابيع،في حين تمكنت قوات البيشمركة من انجازها واستعادة السد بالكامل في وقت قياسي بعد مرور عشرة ايام فقط على وقوعه بيد مسلحي التنظيم الارهابي.
وبذلك سطرت قوات بيشمركة(كولان)بقيادة قائدها الشاب الجنرال(منصور) الذي امتاز بشجاعة فائقة وذكاء خارق في قيادة العملية،اروع ملحمة بطولية لتحرير سد الموصل والحيلولة من وقوع كارثة انسانية وبيئية كبرى في العراق ربما كانت تستمر اثارها المدمرة لعقود من الزمن.

گولان میدیا