الاتفاق على الاختلاف
معد فياض
قامت، ما تسمى بالعملية السياسية في العراق، على مبدأ الخلاف، او الخلافات، وهو ليس خلافا ايجابيا يتعامل وفقه المختلفون حسب مبدأ "الخلاف لا يُفسد في الود قضية"، بل ان خلافات الاحزاب والسياسيين العراقيين أفسدت وخربت ودمرت العراق وتسببت في ضياع حاضر ومستقبل العراقيين.
ويبدو ان اقوى اتفاق بين الكتل السياسية العراقية هو الاتفاق على الاختلاف والاصرار على ان تسود الخلافات بين السياسيين واحزابهم لتأخير مسيرة البلد وحرمان الشعب من حقه في حياة حرة وكريمة تليق به.
ان هذه الخلافات لم تنشأ بعد تغيير النظام في 2003، بل وليس مع تشكيل مجلس الحكم ومن ثم قيام اول حكومة انتقالية برئاسة اياد علاوي، بل سبقت ذلك بكثير، وبالتحديد منذ قيام ما تسمى باحزاب وحركات وتجمعات المعارضة العراقية التي توزعت من ايران حتى المملكة المتحدة والولايات المتحدة مروراً بسوريا والمملكة العربية السعودية والاردن، اذ تشتت خطابات هذه االمعارضة ومطالب قادتها وانشقت بعضها عن بعض، حتى تحول العراق، نسبة لخلافاتهم، الى سفينة يقودها اكثر من ربان مما ادى الى ضياع العراق قبل ان يتخلص من النظام السابق وتتنافس احزاب المعارضة على تقاسم الغنائم.
ولعل واشنطن كانت أول من حاول ان يمسك بزمام جموح وطموح احزاب المعارضة عبر اجتماعات تمت في واشنطن ورعتها وزيرة الخارجية، مادلين اولبرايت، وقتذاك، وصولا الى توقيع الرئيس الاميركي الاسبق بيل كلينتون على قانون تحرير العراق وبتحريض من المؤتمر الوطني العراقي وفي مقدمتهم رئيسه، آنذاك، أحمد الجلبي.
وكانت الخطوة الثانية وهي الاهم، مؤتمر لندن للمعارضة الذي عقد في فندق الميتروبوليتان وسط لندن في نهاية عام 2002، والذي كان برعاية اميركية بحتة وتحت اشراف السفير زلماي خليل زادة، وفي هذا المؤتمر تجسدت الخلافات بين الاحزاب والحركات والشخصيات المشاركة في المؤتمر، وبانت بوضوح، بل وتصدرت غالبية المحادثات والجلسات، ويحسب للكورد الذين مثلهم كل من مسعود بارزاني، زعيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وجلال طالباني، زعيم الاتحاد الوطني الكوردستاني اصرارهما على الاتفاق من اجل مصالح الكورد وعدم الدخول في خلافات تقاسم الغنائم مبكرا، بل كان كل من بارزاني وطالباني مصران على حصول الشعب الكوردي على حقوقه المشروعة وقيام اقليم كوردستان.
الخلافات بين الاحزاب العراقية ترجمت عمليا بعد عام 2003، حيث تقاسم السلطات واقرار مبدأ المحاصصة والتوافقية، وادعاء ان نسبة الشيعة هي الاغلب بدون العودة الى اية احصائيات رسمية، واهمال الكفاءات الوطنية، اشاعة الفوضى والفساد والخراب والتحريض على الاقتتال الطائفي، ووسط كل هذه المعارك، ايضا برهنت القيادات الكوردية حكمتها ووالتزامها باتفاقاتها فينا بينها ومع الاطراف الاخرى في العراق دون انحياز الا لمصلحة البلد والشعب.
اليوم تشتعل الخلافات داخل ما اطلق عليه بالبيت الشيعي وبين الاحزاب الشيعية، وكذلك بين الاطراف السنية العربية، وهذه الخلافات ليست بسبب سوء فهم او من اجل مصالح البلد والشعب، بل كلها من اجل مصالح شخصية وفئوية ضيقة، وما يجعل من هذه الخلافات اكثر خطورة هو انفلات السلاح بايدي الميلشيات التتي تدين بولائها لايران، مما يهدد بفوضى عارمة قد تقود الى اقتتال شيعي شيعي، او سني سني، وربما شيعي سني.
من بين كل دخان الحرائق هذه التي ترتفع في سماء العراق من بغداد حتى البصرة مرورا بالناصرية. وصراع الاحزاب وانشقاقاتهم وثرثرة وصراخ تصريحات زعمائها التي وصلت حتى السليمانية. نرصد الاجواء الهادئة في فضاء اربيل، ووضوح الرؤيا لدى قادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني من خلال تصرفاتهم الحكيمة بالرغم من الفوضى التي تعم العراق والدول الاقليمية المجاورة، تلك الفوضى التي تحولت الى بحر عاصف تصل في احيان كثيرة اعاصيره الى سفينة اقليم كوردستان للنيل من اتفاق الكورد فيما بينهم واستقرار شعب الاقليم، وبحكمة ربان سفينة الاقليم وثقة القيادة، خاصة الحزب الديمقراطي الكوردستاني، بشعبهم وبارادتهم، تنجو هذه السفينة مما يخطط لها من نوايا الشر لتمضي نحو بر الامان.
روداو
