• Saturday, 04 July 2026
logo

الأوضاع تلتهب في الشمال السوري... وضوء أخضر روسي لتدخل تركي!

الأوضاع تلتهب في الشمال السوري... وضوء أخضر روسي لتدخل تركي!
يبدو أن «شهر العسل» الذي ميزالعلاقات الكردية سواء مع موسكو وقبل ذلك مع دمشق، بدأ يقترب من نهايته مع تسرب معلومات عن حصول أنقرة على ضوء أخضر روسي لإمكان اجتياح ميليشيات عربية تدعمها تركيا لمدينة عفرين ومحيطها، ونسف حلم الأكراد في تحويل سورية إلى دولة فيديرالية بدأوا اتخاذ خطوات جدية لتحويلها إلى أمر واقع.

وأعلن «المجلس التأسيسي للنظام الفيديرالي الديموقراطي لشمال سورية»، الأسبوع الماضي، مواعيد الانتخابات في مناطق سيطرة ميليشيات «وحدات حماية المرأة والشعب» الكردية، الذراع العسكرية لـ«حزب الاتحاد الديموقراطي» الذي يتزعمه صالح مسلم. وذكرت مواقع كردية أن المجلس التابع لمشروع الإدارة الذاتية الكردية، قررتحديد توقيت انتخاب لجان الأحياء في 22 سبتمبر المقبل، وانتخاب مجالس القرى والبلدات والنواحي والمقاطعات في الثالث من نوفمبر، وانتخابات أقاليم الحسكة وعين عرب وعفرين ومؤتمر الشعوب الديموقراطي في 19 يناير.

ونهاية الأسبوع، بدأت «وحدات الحماية» في عفرين إلزام السيارات وضع لوحات كردية بدل لوحاتها الحالية مع استيفاء 400 دولار كرسوم سنوية من أصحاب السيارات. وتتوقع مصادر مطلعة على حيثيات الملف الكردي، أن محاولات فرض الفيديرالية كأمر واقع وغض النظر الحالي من النظام لن يطول كثيرا، كما أن الجبهة الشمالية خصوصا في عفرين ربما تشهد سخونة زائدة خلال الفترة المقبلة. وتقول المصادر لـ «الراي»، إن «الاتحاد الديموقراطي» رفض التنازل لحساب الجيش السوري عن السيطرة على عفرين في وجه تهديدات تركية باجتياحها، والاقتراح كان قد جاء من الوسطاء الروس، والأكراد رفضوه مستندين على الدعم الأميركي.

وترى المصادر أن الأكراد يبدو وكأنهم قد وضعوا اليوم «بيضهم كله في السلة الأميركية»، وبدأوا يتراجعون عن سياسات براغماتية اعتمدوا عليها خلال السنوات الماضية وفتحوا من خلالها خطوط التواصل مع الروس والنظام السوري، وهم يثقون بالوعود التي يقطعها لهم المبعوث الأميركي لمكافحة تنظيم الدولة «داعش» بريت ماكغورك، ويعتمدون عليه في لجم أي مغامرة تركية تجاه عفرين، مهددين بأن حربهم على «داعش» ستتأثر إذا ما حاولت أنقرة اجتياح المدينة الكردية شمال حلب.

وتكشف المصادر، أن دمشق ظلت على تنسيق متواصل مع «وحدات الحماية» ومدتها بالسلاح والمال وحتى بالغطاء الجوي في معاركها ضد تنظيم «داعش»، ولجأت لذلك لوقف تدفق «المتطرفين» إلى سورية عبر تركيا، ونجحت هذه السياسة، حيث سيطروا على كامل الحدود الشمالية المشتركة التي يصل طولها أكثر من 500 كيلومتر، باستثناء جيب صغير في منطقة تل أبيض، وحتى هذه باتت محاصرة من الجنوب، إما من الجيش السوري أو «وحدات الحماية» الكردية.

وتؤكد أن هذه السياسة بعثت رسالة قوية إلى أنقرة بأن غض النظرعن تدفق «المقاتلين» سيقابله اشعال الملف الكردي في تركيا، باعتبارأن أنقرة تصنف «الاتحاد الديموقراطي» بأنه امتداد لـ «حزب العمال الكردستاني»، وانعكست تلك السياسة ايجاباً على دمشق، بحيث باتت تركيا إحدى الدول الثلاث الضامنة لمسار أستانة مع الحليفين روسيا وإيران، بل حتى ان واشنطن انتقدت وعلى لسان ماكغورك السياسة التركية. وقال أخيرا «إن تركيا شكَّلت ممرًّا لعبور مئات الأجانب إلى سورية بهدف الانضمام إلى التنظيمات الإرهابية»، معتبرا أن ذلك كان «خاطئاً وقد استفاد تنظيم القاعدة منه».

وتفسر المصادر في دمشق أسباب ترك «الاتحاد الديموقراطي» للنمو، إلى أن النظام لم تكن لديه القدرة البشرية لخوض معركة على كامل مساحة البلاد، واستطاع الأكراد وحلفاؤهم من السكان العرب من بناء«قوات سورية الديموقراطية»بتعداد يزيد على 40 ألفا، أغلقت الحدود التركية شمالا، ما أتاح للجيش السوري فرصة الدفاع عن مراكز المدن الكبيرة. كما أن الأكراد ورغم كل مطالبهم، لا يمكن تصنيفهم على أنهم تنظيم بشعارات دينية يتخذها غطاء لإزالة النظام، بل هم حركة علمانية بقيادة سياسية يمكن نهاية الجلوس معهم والتفاوض حول شكل ومستقبل الدولة، وحجمهم الذي نما سيعود لوضعه مع زوال الظروف الحالية.

إن مشروع الفيديرالية غير مقبول حتى من المعارضة، بمن فيهم من يقاتل إلى جانب الأكراد تحت لواء «قوات سورية الديموقراطية»، مثل «مجلس محافظة الرقة» الذي رفض اتباع منطقة تل أبيض ذات الغالبية العربية إلى إقليم الفرات، حسب التقسيم الكردي. وتؤكد المصادر أن هذا المشروع لا يبتعد كثيرا من توجه النظام لتطوير قانون الإدارة المحلية المعمول به حاليا، والسماح عبره لأهالي كل المحافظات بانتخاب مسؤوليها بمن فيهم المحافظ وعدم تعيينهم من دمشق، ومنح المحافظات الاستقلالية في ما يتعلق وإدارة الحياة اليومية مع ترك الشؤون الخارجية والدفاع للمركز.

وترى أن النظام يلعب على توازنات القوى، فالإعلان عن قيام فيديرالية على الحدود التركية بالتزامن مع توجه أكراد العراق لإجراء استفتاء للانفصال عن بغداد، هو أكبر تهديد يمكن أن يلوح به في وجه أنقرة. كما أن التلميح التركي بإمكان اجتياح عفرين لوأد الحلم الكردي بضوء أخضر روسي، يعتبر أيضا أكبر تهديد للأكراد بضرورة عدم الذهاب بعيدا في الاعتماد على واشنطن التي يمكن بكل بساطة أن تبيعهم، كما فعلت سابقا وكما حذرمنه السفير الأميركي السابق في دمشق روبرت فورد.

وتؤكد المصادر أن التوجه التركي لدعم ميليشيات عربية وتقديم السلاح لها وحشدها على الحدود مع عفرين وبدء المعارك من جبهة تل رفعت وعين دقنة، وانسحاب بعض القوات الروسية المراقبة في عفرين باتجاه حلب، كانت رسائل كافية دفعت الاكراد وعلى لسان الرئيسة المشتركة لـ «المجلس التأسيسي للفيديرالية» هدية يوسف للتوضيح بأن «الفيديرالية هي لتوحيد سورية وليس لتقسيمها»، وأنها «فيديرالية جغرافية وليست قومية أو طائفية تهدف إلى تقسيم سورية»، وربطت إقرارها بالموافقة الشعبية.

الوضع في شمال سورية والتعامل مع الملف الكردي بات أكثر من معقد وتتدخل فيه ليس فقط دول الإقليم حيث ينتشر الأكراد، وهي تركيا وايران والعراق وسورية، وإنما القوى العظمى، وإن كانت دمشق لا تتوجس من المواقف الروسية لكنها بالتأكيد لا تطمئن للدعم الأميركي للأكراد، وهي لطالما نصحت الأكراد، عبر قنوات اتصال غير معلنة، بألا يثقوا بواشنطن التي لم تستخدم نفوذها لإشراك «الاتحاد الديموقراطي» في جولات محادثات جنيف، وحتى أنها لا تفتح أبواب واشنطن أمام قيادة هذا الحزب الكردي السوري، وما زالت تعامل رموزه بأنهم امتداد لـ «الكردستاني».
Top