• Wednesday, 01 July 2026
logo

المقصلة لا تقتل البذور

المقصلة لا تقتل البذور

محمد ديب احمد

في فيلم "القلب الشجاع"، يُقاد ويليام والاس إلى الإعدام بعد سنوات من المقاومة . كان الذين أصدروا الحكم يعتقدون أنهم يضعون نهاية للرجل وقضيته معاً . فالمقصلة ، في نظر الجلادين دائماً ، ليست أداة قتل فحسب ، بل إعلان انتصار نهائي على الفكرة التي يمثلها الضحية .

لكن التاريخ كثيراً ما يسخر من هذه القناعة .فكم من رجلٍ سقط ، وبقيت قضيته . وكم من حركةٍ تعرضت للقمع ، ثم عادت أقوى مما كانت . 

وكم من مقصلة ارتفعت فوق الرقاب ، ثم اكتشف أصحابها بعد سنوات أنهم قتلوا الجسد وتركوا الفكرة حيّة تنمو في وجدان الناس .هذه ليست حكاية اسكتلندا وحدها ، وليست درساً من السينما فقط ، بل واحدة من أكثر الحقائق حضوراً في تاريخ الشعوب .فلا توجد أمة حصلت على حقوقها أو مكانتها أو حضورها في التاريخ من دون تضحيات . وخلف كل مكسب سياسي أو اجتماعي أو وطني يقف رجال ونساء دفعوا أثماناً لم يكونوا متأكدين أنهم سيعيشون ليروا نتائجها .

وعندما ننظر إلى التجربة الكودية المعاصرة ، يصعب تجاهل هذه الحقيقة .

فما يملكه الكورد اليوم من حضور سياسي ، وما حققوه من اعتراف بدورهم في المنطقة ، وما استطاعوا فرضه من حضور في المعادلات الإقليمية والدولية ، لم يولد فجأة ، ولم يكن هدية قدمها أحد ، بل كان حصيلة مسار طويل من الدماء والتضحيات والصبر .

لكن هذه المسيرة لم تكن طريقاً مستقيماً .لقد حاول كثيرون ، في مراحل مختلفة ، اقتلاع الكورد من التاريخ ، أو دفعهم إلى هامشه ، أو حرمانهم من حقهم في الوجود واللغة والهوية والكرامة .

وفي كل مرة كانت المأساة كبيرة .كانت الأنفال محاولة لاقتلاع الإنسان من أرضه ، ومحو القرى من الخريطة ، وتحويل الوجود الكوردي إلى مجرد ذكرى .

 كانت سياسة كاملة تقوم على فكرة أن القوة قادرة على إعادة تشكيل الواقع بالقسر ، وأن التاريخ يمكن أن يُكتب بالدبابات والمقابر الجماعية .

ثم جاءت حلبجة لتقدم واحداً من أكثر المشاهد قسوة في تاريخ المنطقة . لم تكن مجرد مدينة تعرضت للقصف الكيميائي ، بل كانت رسالة رعب أرادت أن تقول إن الحياة نفسها يمكن أن تُعاقب . 

سقط الأطفال والنساء والشيوخ ، لكن المدينة بقيت شاهدة على جريمة لم تستطع أن تحقق غايتها النهائية .

وبعد سنوات طويلة ، عاد الوجه نفسه بأسماء مختلفة وأعلام مختلفة .في شنگال ، لم يكن ما جرى مجرد هجوم عسكري . كان محاولة جديدة لإلغاء جماعة بشرية كاملة ، وسبي النساء ، وتهجير السكان ، وتحويل الخوف إلى أداة حكم .

 وكما في كل مرة ، ظنّ الجناة أن العنف قادر على إنهاء الحكاية .لكن الحكاية لم تنتهِ .

ثم جاءت كوباني .في تلك الأيام ، لم تكن المدينة الصغيرة تدافع عن نفسها فقط . كانت تقف في مواجهة تنظيم إجرامي تمدد على مساحات واسعة من الأرض ، وبث الرعب في المنطقة والعالم . كان كثيرون يعتقدون أن سقوط كوباني مسألة وقت ، وأن المدينة ستلحق بقائمة المدن التي اجتاحها الإرهاب .لكن ما حدث كان مختلفاً .

تحولت كوباني إلى رمز عالمي للمقاومة والصمود . ومن مختلف مناطق كوردستان ومن أجزائها الأربعة توافد المقاتلون والمقاتلات للدفاع عنها .  سقط كثيرون في المعركة ، وارتفعت كلفة المواجهة إلى حدود يصعب وصفها بالكلمات ، لكن المدينة رفضت الاستسلام وانتصرت .

ولم يكن انتصار كوباني حدثاً عسكرياً فقط .لقد شكل نقطة تحول سياسية ومعنوية أيضاً . فمنذ تلك اللحظة ، لم يعد ممكناً النظر إلى الكورد بالطريقة نفسها .ولم يعد ممكناً تجاهل الدور الذي لعبوه في مواجهة الإرهاب الذي هدد الجميع .لقد دفعت كوباني ثمناً لم تدفعه عن نفسها وحدها .دفعت ثمناً عن المنطقة كلها ، وعن عالمٍ كان يراقب المشهد بقلق وهو يرى تمدد أكثر التنظيمات تطرفاً ووحشية في العصر الحديث .

لكن حتى بعد الهزيمة ، لم يتخلَّ الإرهاب عن طبيعته .

 فقبل إحدى عشر عاماً او ليلة الغدر وفجر 25 حزيران ، ما زالت الذاكرة تستعيد الجريمة التي نفذتها فلول داعش والتي استهدفت المدنيين الآمنين داخل منازلهم في كوباني . كانت مجزرة تحمل روح الانتقام أكثر مما تحمل أي معنى عسكري . وكأن القتلة أرادوا أن يثأروا لهزيمتهم من الأطفال والنساء والعائلات التي بقيت في المدينة .لقد ظنوا أن الدم سيعيد إليهم ما خسروه في الميدان .لكنهم كرروا الخطأ نفسه الذي وقع فيه من سبقهم .فالدم قد يرعب الناس مؤقتاً ، لكنه لا يقتل القضايا . والمجازر قد تترك جروحاً عميقة ، لكنها لا تمحو الذاكرة . أما الذين يسقطون دفاعاً عن أرضهم وكرامتهم ، فإنهم كثيراً ما يتركون أثراً أكبر من أعمارهم نفسها .

ولهذا لا يمكن النظر إلى الأنفال وحلبجة وشنگال وكوباني بوصفها أحداثاً منفصلة .إنها حلقات في قصة واحدة .قصة شعبٍ تعرض لمحاولات متكررة من الإلغاء ، لكنه بقي حاضراً . وقصة أجيال دفعت أثماناً باهظة كي يتمكن الجيل التالي من الوقوف والتقدم خطوة إلى الأمام .

فالبيشمركة الذين حملوا السلاح دفاعاً عن كوردستان ، والقوى الكوردية المسلحة في الجبال ، والمقاتلون والمقاتلات في وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة ، وقوات سوريا الديمقراطية التي خاضت المعارك ضد الإرهاب وقدمت آلاف الضحايا ، جميعهم ينتمون إلى هذه القصة الكبرى ، مهما اختلفت التجارب والظروف والمسارات .

إنها قصة البذور التي زُرعت بالدم. بعض الذين زرعوها لم يعيشوا ليروا ثمارها . بعضهم رحل في السجون . وبعضهم سقط في الجبال أو في ساحات القتال أو تحت القصف أو في المجازر . لكن ما زرعوه لم يمت برحيلهم .بل بقي ينمو .

 ولهذا فإن الحديث عن الحقوق اليوم لا يمكن أن ينفصل عن الحديث عن التضحيات التي صنعت الطريق إليها . فالاعتراف لا يولد من فراغ ، والحضور السياسي لا يظهر فجأة ، ومكانة الشعوب لا تُبنى بالشعارات وحدها .

إنها تُبنى أيضاً بالثمن الذي يدفعه أبناؤها وبناتها عندما يقررون الدفاع عن وجودهم ومستقبلهم .

ولهذا ، فإن الذين خططوا للأنفال ، والذين قصفوا حلبجة ، والذين ارتكبوا جرائم شنگال ، والذين حاصروا كوباني أو حاولوا الانتقام منها ، اشتركوا جميعاً في وهم واحد : أنهم قادرون على إنهاء القضية بالقوة .لكن التاريخ يقول شيئاً آخر .يقول إن القوة تستطيع أن تهدم بيتاً ، وأن تقتل إنساناً ، وأن تملأ المقابر ، لكنها تعجز عن قتل فكرة آمنت بها أجيال كاملة .

 فالمقصلة قد تقتل الإنسان .أما البذور التي زُرعت بالتضحية ، فإنها تجد دائماً طريقها إلى النور .

 

 

 

 

 

Top