العنف ضد المرأة في شنگال.. بين الأزلية وبرامج للتغيير الاجتماعي
تزوجت قبل سنتين من شاب كان يحبها وهي تحبه، يقول أقربائها وأصدقائها انها كانت باتم الصحة ولم تكن تعاني من اي مرض نفسي أو مشكلة تستوجب الانتحار، ولكن ذات صباح رأتها عائلتها جثة هامدة معلقة بقطعة قماش قوية بسقف الغرفة لتترك زوجها وعائلتها والأهم طفلتها التي لا تبلغ من العمر الا سنة واحدة يتيمة الأم تعاني. كما تترك الآلام والحسرات لعائلتها.
قد تختلف أسباب ودوافع كل حالة انتحار تحدث هنا قي شنگال، وما أكثرها حتى أصبحت ظاهرة خطيرة، ما حدت بالمنظمات النسوية والمدنية وصولا الى ممثلية الأمم المتحدة في العراق (اليونامي)، الى تنظيم ندوات وأقامة نشاطات توعوية وتثقيفية واجتماعية للحد من الظاهرة، ولكن لايختلف اثنان على ان جميع الأسباب، تقع في اطار ممارسة العنف ضد المرأة، بل يقول الباحثيين الاجتماعيين، بانه كلما صعدت أعداد الشباب والشابات التي يقدمون على الانتحار، فهذا مؤشر بان نسبة العنف ضد المرأة لابد انها ارتفعت، بل تعددت أنواعها وممارسيها.
وهكذا يبدو ان ممارسة العنف ضد المرأة الشنگالية لا تنتهي بل تزداد وتتصاعد وتيرتها وتتسع، ومع مرور الوقت، نكتشف نوعا جديدا من العنف ضد المرأة في منطقة شنگال، عبر قصص واقعية ومثيرة للدهشة والألم في نفس اللحظة لمعاناة نساء. دون أن نتمكن من التقليل من معاناة المرأة الشنگالية.
وربما من يقرأ هذه الأسطر قبل ان يصل الى نهاية الحكاية سوف يسأل: وماذا تريد وتطالب المرأة الشنگالية؟ قد يفكر البعض بانها تطالب المستحيل، ولكن في الحقيقة وببساطة شديدة فكل ما تريده المرأة الشنگالية: العيش الكريم.
دائرة تدعى وتدعي المتابعة
وكان لابد لنا أن أول جهة نحاول استقصاء حقيقة انتشار ظاهرة العنف ضد المرأة من عدمها، هي دائرة تسمى "مكتب شنگال لمتابعة العنف ضد المرأة" الذي من المفترض أن يكون له وبحسب بياناتها، القول الفصل في حقيقة تصاعد نسبة العنف ضد المرأة في شنگال أو انخفاضها، وهذه الدائرة والتي افتتحت في الربع الأخير من العام المنصرم، طالما زودنا مسؤولها مشكورا بالمعلومات والأحصائيات الدقيقة عن مستوى العنف الممارس ضد المرأة الشنگالية. لهذا اتصلنا هذه المرة كذلك بمسؤول المكتب، وأخيرا كان رده مثيرا للدهشة: لا أستطيع اعطاءك المعلومات!! بادرته بالسؤال: لماذا؟ قال وهو يعيد جوابه: لا استطيع اعطاءك المعلومات والأحصاءات!!
كما أصبت كذلك بخيبة أمل كبيرة كفتاة شنگالية تجاه هذا المكتب، لانني قد علقت على هذا المكتب آمالا كبيرة وحسبته سيكون له الدور والتأثير الايجابي ويساهم بشكل ملفت في الحد من هذه الظاهرة الخطيرة على المجتمع والبشعة أيضا.
قصص العنف: اثبات الرجولة.. حرمان من الأغلى في حياة أي أنثى
قصص العنف ضد المرأة الشنگالية، كثيرة ومتنوعة، لكنها تجمع على حقيقة سواء وهي: مظلومية المرأة. والأنكى من ذلك المظلومية، هي ان المرأة لا تجد من يحنو عليها ولا ينصفها، الا ماندر. فلابد لنا أن نمر مرورالكرام على قصتين عسى أن يسلطا الضوء على مساحة صغيرة جدا من العنف الذي تتعرض لها المرأة في مجتمعنا، ومستويات وأنواع ذلك العنف.
وقالت خ . أ (43عاما) ان في اول ايام زواجي كان زوجي اذا يطلب كأسا من الماء ولم احضره في الحال، يقوم بحمل العصا ويضربني ضربا مبرحا الى أن افقد الوعي، وحين تقول له والدته؛ انت لست برجل لانك تخاف ان تضرب زوجتك فهو ايضا يقوم بضربي كي يثبت رجولته لوالدته.
وأضافت، صدقوني لم يكن من حقي ان اتناول قطعة خبز ان لم يكن بعلم وموافقة والدته. مرت الأيام والشهور المريرة وانا اتعذب وأضرب وأهان يوميا، فاصبت بمرض مؤلم، بعد مراجعة المستشفى، تبين أنني مصابة بظهور أكياس مائية في البطن، وقد اخذني زوجي الى الطبيب واعطاني اربعين ابرة وحين جئت للبيت، مرت يوم ويومان وثلاث ولم يأخذني زوجي مرة اخرى الى ممرض لأخذ الأبرة، حينها ودون أن أسأل أحدا، قمت بشرب الأبرة بمعدل أبرتين في اليوم، وكانت مرارتها كالحنظل، حتى أكملت جميعها خلال عشرون يوما.
وبعد فترة من زواجنا وتحت الحاح والدتها اخذني زوجي للطبيب ليس من اجل صحتي، بل لان والدته طلبت منه ان يكون لديه ولد يحمل اسمه، وبعد اجراء العديد من الفحوصات المختبرية، أخبرني الطبيب الخبر الصدمة، الذي كنت أخاف منه وتخاف منه كل انثى: من المستحيل أن تحمل بطفل لان رحمك محروق بسبب تناول سوائل حارقة!! فتذكرت الأربعين أبرة.
هكذا قد حرمت من اجمل شعور في الدنيا وهي الامومة. . . ولكن الفاجعة الأكبر حين وصلنا الي البيت، سألته والدته: كيف الوضع؟ فاخبره بما قال الطبيب!!... وعلى الفور طلبت منه ان يخطب له ابنة اخيها... وفعلا خطبها في اليوم الثاني وتزوج منها، وعندما طلبت منه زوجته الثانية أن يطلقني، قام بتطليقي دون أي تردد وخلال رمشة عين كما يقال.
الزواج الغيابي.. وفي انتظار كودو
ما أشبه قصة (م) في انتظار فارس أحلامها بقصة انتظار كودو. فهكذا تروي م. أ (35عام)، قصتها وما أكثر أشباه هذه القصص خاصة بعد أن أصبحت الهجرة ظاهرة في المجتمع الشنگالي وأضحت معها الوصول الى أوروبا (جنة الأحلام في نظرهم) حلم كل شاب وشابة شنگالية. فتقول: قام والدي باجباري على (الزواج الغيابي) من رجل يكبرني ب25 سنة، وهو يعيش في المانيا، مقابل المال والسيارة، وعندما اراد ذلك الرجل ان يأخذني الى حيث يسكن هو وكان ذلك في 2002، طلب مني الخروج من كردستان والذهاب الى تركيا ليأتي وليأخذني من هنكاك، لانه في ذلك الوقت كان من الصعب ان يأتي الى العراق".. واستطردت (م) وهي تذرف الدموع "وذهبت برفقة اخي الى تركيا، وهناك وبعد فترة والزوج الموعود قد تأخر مجيئه، أضطر أخي العودة الى شنگال على أن أنتظره أنا وبطلب منه وبمعرفة وموافقة عائلتي، وبقيت أنا أنتظر فارس الأحلام، ومع أنني بقيت في مكان خاص بالنساء ولم يكن في المكان حتى رجلا واحدا، ولكن الناس هنا، وبحسب ما ينقلوها لي أهلي في شنگال، بدأوا يحكون عني ويقولون وحدها في تركيا وهي امرأة ووصل الحكايات والأقاويل الملفقة الى أذهان خطيبي الذي أنا أنتظره وبطلب منه شخصيا، ودون أن يستوقف لحظة ويسأل نفسه: لماذا أتيت انا أصلا الى تركيا؟ ولأجل من أتيت؟ ومن أنتظر في بلاد الغربة؟ ومن طلب مني البقاء كل هذة المدة في تركيا؟ فبدل أن يسارع المجئ الى تركيا، قام بدلا من ذلك بالاتصال بأهلي في شنگال ليقول لهم ودون استحياء أو وازع من ضمير: بنتكم لا تفيدني لانها غير شريفة!! ورجعت للبيت ولا أحد كان يحترمني والبعض الذين لا ضمير لهم، قالوا اقتلوا بنتكم لانها بقيت وحدها في تركيا!! ولا أحد هنا في هذا المجتمع يرضى بي كزوجة، وبقيت هكذا حتى الان وانا لم اتزوج وفي بيت اهلي اعاني من الظلم الذي لحق بي من الجميع وكل ذنبي أنا عملت ما أمرني به عائلتي وما وعدني به رجل كان أملي أن يكون شريك حياتي، فخان الوعد في أول لحظة.
المناطق المهمشة أولا
وعن سبب استمرار الظاهرة بل انتشارها أكثر رغم الندوات والنشاطات التوعوية والتثقيفية، تقول الناشطة النسائية ورئيسة اتحاد نساء كردستان في شنگال سابقا، لازمة يوسف، ان "مجتمعنا، مجتمع ذكوري، وفي هكذا مجتمعات لن ينتهي العنف ضد المرأة أبدا الا في حالة احداث تغيير في المجتمع فتنخفض مستوى العنف تدريجيا"... وأضافت "نحن نرى تقدما في هذا المجال، فبعد 2003 حدث هنا انفتاح وبالتالي أصبحت العوائل تتفهم أكثر فأكثر حاجة المرأة للعمل والخروج والاختلاط مع المجتمع، وهذا التوجه الجديد بحد ذاته تقدم رغم قلته وضيقه".. وأشارت "على اتحاد النساء والمنظمات المعنية بشؤون المرأة، ان يضعوا خطة متكاملة وبرنامج عمل على أن تعطى الأولوية للمناطق الأكثر انغلاقا حيث هناك حاجة ماسة الى حملات توعوية وتثقيفية مكثفة".
(أزلية) العنف
ولابد لظاهرة العنف المنتشرة في المجتمع الشنگالي من تفسيرات اجتماعية. فاتجهنا بالسؤال الى الباحث الاجتماعي، ياسر بيبو، فلم يجد صعوبة بأن يؤكد أزليتها، قائلا ان "العنف المستمر ضد المرأة من قبل الرجل والاسرة والمجتمع هنا في شنگال، حالة أزلية وخاصة في المجتمعات الريفية وبالأخص في المجتمع الكوردي الايزيدي، حيث ان المرأة الايزيدية تتعرض للعنف بشكل يومي وهناك الكثير من النساء ينتحرن بسبب العنف الرجولي والاسري والمجتمع".. مشيرا "المجتمع هنا يضع حرية المرأة في اطار ديني لذلك لا يمكن ان يتم المناقشة بشأنها".. وحمل بيبو، المثقفين والكتاب مسؤولية "بقاء هذه الظاهرة الى يومنا هذا".
وأشار بيبو "وبحسب الاحصائيات التي تنشرها المنظمات المدنية المعنية، هناك 90% من المرأة الايزيدية وخاصة الشنگالية منهن، محرومة من حق التعليم والعمل حيث يفضلونها، أالأزواج والأسرة والمجتمع، يفضلون ان تبقى جاهلة ولا تعرف ما يجري ويحدث في هذا العالم".. مضيفا "وهذا خطر يهدد المجتمع الايزيدي وان هذال النوع من المجتمعات معرضون للانهيار والتحلل يوما وذلك بسبب عدم اعطاء المرأة حريتها".
وفي سؤالنا حول الآثار النفسية والاقتصادية لمنع حرية المرأة وبالتالي تعطيلها عن العمل؟ يقول بيبو، "اذا ذهبنا الى الأطباء النفسانين في مدن الاقليم نجد ان غالبية مرضاهم من منطقة شنگال، وخاصة المرأة بسبب الضغوطات النفسية المسلطة عليها من الزوج والعائلة والمجتمع، وتجعلها تسئم من الحياة فتفقد ثقتها بنفسها وبالتالي ليس بعيدا أن تفكر في الانتحار". . اما من الناحية الاقتصادية، يقول بيبو "للظاهرة تأثيرات اقتصادية سلبية كبيرة وكثيرة، المرأة لا تعمل، اذن اننا أمام مجتمع أحادي، نصف يعمل والنصف الآخر ليس معطلا فحسب، بل تصرف وتستهلك، وبالتالي اذا كان نصف المجتمع غير منتج، فأكيد لها اضرارها الاقتصادية وخاصة في مجال المستوى المعيشي للأفراد والأسرة على السواء، وثانيا والحال هكذا، تعتمد المرأة على الرجل في كل شئ، وهذا يشكل ضغطا على الرجال، النصف العامل أو المنتج في المجتمع، ومع مرور الوقت، يصاب هذا النصف الأخير نتيجة ضغوط العمل واحاديته الانتاجية، يصاب بالتعب والترهل فيتراجع قدرته على العمل وطاقته الانتاجية". . وأشار "ولهذا نرى ظاهرتين بارزتين في المجتمع الشنگالي، الكوردي الايزيدي على الأخص: ارتفاع معدلات حالات الانتحار بشكل مخيف، أما الثانية تفشي الفقر والنسبة العالية من العوائل التي تعيش تحت خط الفقر هنا في شنگال".
pna
